إن النقاش الدائر في وسائل الإعلام والصحف حول الملتقى العربي والدولي لدعم المقاومة الذي انعقد في بيروت بين 15 و17 يناير الحالي؛ هو دليل عافية وحيوية فائقة، تتماشى مع أهمية وفكرة وأهداف الملتقى الذي جمع الآلاف من الشخصيات والقوى والفعاليات العربية والإسلامية والعالمية.
وبكل احترام، أسمح لنفسي أن أحاور ما كتبته السيدة رندة حيدر في صحيفة "النهار" في 19/1/2010م تحت عنوان: "الملتقى العربي والدولي لدعم المقاومة.. كلام الستينيات بصبغة إسلاموية"، وهنا أتساءل باستغراب شديد: هل أن حضور وخطاب مطران القدس في المنفى إيلاريون كبوجي، والنائب البريطاني جورج جالاوي، ووزير العدل الأمريكي الأسبق رمزي كلارك، والمحامي الأمريكي ستانلي كوهين، والشخصيات الأوروبية والأجنبية يمكن وصفه بـ"الإسلامويّة"؟
لقد أكّد المشاركون في الملتقى على دعم حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية في مواجهة الاحتلالين الصهيوني والأمريكي؛ حيث إن مقاومة الاحتلال حقٌ مشروع يستند إلى الشرائع السماوية، ومبادئ القانون الدولي الإنساني، ويستفيد من التجارب الكفاحية لشعوب العالم في وجه الاحتلال؛ خصوصًا من مقاومة الشعوب الأوروبية للاحتلال النازي.
إنه نوعٌ من الافتئات على الحقيقة، وخروجٌ عن الموضوعية عندما استخدمت الكاتبة بعض المفاهيم والعبارات التي لا تتطابق مطلقاً مع الواقع وحقائقه الدامغة؛ مثل وصف بعض الكلمات التي أُلقيت في الملتقى بـ"الإسلاموية" وبـ"اللهجة الدعاوية الإسلامية" التي اختلطت "باللغة العنصرية" واختلاط "الخطاب القومجي" بـ"الخطاب الشوفيني"، ناهيك عن محاولتها إخراج الملتقى من محتواه الأصلي للإيحاء بأنه تمحور حول فكرة "الإسلام هو الحلّ"، في حين أن الفكرة الحقيقية للملتقى ترتكز على دعم خيار المقاومة الذي أثبت جدواه في لبنان وفلسطين والعراق، في ظلّ تعاظم الضغوط السياسية والثقافية والإعلامية والأمنية لإسقاط هذا الخيار؛ فشهِدَ الملتقى خطابًا توحيديًّا واضحًا على مستوى حركات المقاومة في الأمة، وكان مِنبرًا دوليًّا للمتعاطفين والمتضامنين العرب من كلِّ التيارات والأجانب من كل القارات والأديان مع قضايانا العادلة.
ولا يضير الملتقى القول بأن "روايات المشاركين العرب يعيدك إلى أيام أدهم خنجر، والمقاومة السورية في العشرينيات وإلى تجارب السويس وحرف الاستنزاف"، حتى إن "كلام الستينيات" القومي العربي ليس تهمة، فاستلهام تضحيات المقاومين، مثل أدهم خنجر وصادق حمزة وسلطان باشا الأطرش ويوسف العظمة وصالح العلي وبطولاتهم؛ تعطي حافزًا للإبداع النضالي والفكري والأدبي والفني، وتقدم المقاومة بأحلى صورها وأرفع قيمها ولا سيّما قيم الفِداء والشهادة.
وهنا نسأل السيدة حيدر: هل احتفاء الأمريكيين حتى اليوم "بالآبـاء المُؤسّسين" هو عودةٌ إلى خطاب القرن الثامن عشر؟ وهل احتفاء الفرنسيين بجان دارك وشهداء المقاومة الفرنسية هو عودة إلى خطاب قرون خلت، أو عقود مرّت، وهل احتفاء كل شعوب العالم بمراحل ناصعة من تاريخها هو دليل إهمالها للحاضر والمستقبل؟ أم أنّ ما يجوز لغيرنا لا يجوز لنا؟
كما نسأل السيدة حيدر: كيف تكون صبغة الملتقى "إسلامويّة"، ومشاركوه يردّدون خطاب الستينيات وهو خطابُ قومي عربي بامتياز، أم أن المطلوب أن تبقى المتاريس قائمة بين تيارات الأمة، والاحتراب مستمرّاً، حتى ترضى على الملتقى الكاتبة الكريمة؟
ولماذا نتجاهل زمنًا باتَ فيه القبول بالرأي الآخر، والتيار الآخر سِمته الرئيسية، فيما هذا القبول مقرونٌ بالتفاعل والتكامل باتَ سِمَة للديمقراطية وللحوار وللوحدة داخل الأمة، وهنا ندعو البعض ألاّ ينهزم من الداخل؛ فيحاول إلحاق الهزيمة بالآخرين، وألا يعمل على غرس روح الهزيمة في الأجيال؛ حيث لا خيار أمامنا إلا خيار المقاومة وتعميم ثقافتها.
لقد نجح الملتقى في الدفاع عن شرعيّة المقاومة في ظلّ ظروفٍ قاسية وحملات إعلامية صهيونية وأمريكية وغربيّة وحتى عربيّة أحيانًا، تريد أن تسبغ عليها صفة الإرهاب، وتسحب عنها الشرعية، وتحمِّلها مسئولية تدمير السلام؛ فالمقاومة حق مشروع لمن تقع أرضه تحت الاحتلال، وهذا الحق المشروع ينبغي الدفاع عنه بقوّة وتفنيد حججه في المحافل والملتقيات وكافة وسائل الاتصال الجماهيرية.
وفي الصفحة الأولى لدورية "الأنباء" الصادرة يوم الثلاثاء 19 /1/ 2010م كتب السيد سعد كيوان: "شهد لبنان نهاية الأسبوع الماضي "عجقة" وضجيجًا وصراخًا وكلامًا على عواهنه عن الممانعة التي عقدت من أجلها المؤتمرات، وأطلقت التصريحات والعنتريّات والتحديات، وها هو السيد حسن نصر الله يُعلن عبر شاشة عملاقة من قصر الأونيسكو أنه سيُغيِّر وجه المنطقة إذا حصلت مواجهة بين المقاومة و"إسرائيل"، موحيًا أن حزب الله باتَ قادرًا على شنّ حربٍ استباقية، وليس الدفاع عن النفس فقط.. كلامٌ ردَّد صداه رفيقه في الممانعة والارتباط بالمرجعية ذاتها، خالد مشعل".
فقط نقول للسيد كيوان إن حديث المقاومة معمّد بدماء الشهداء، وبجهوزيّة المقاومة وقدرتها على ردّ أي عدوان "إسرائيلي"، وهذا الحديث بعيدٌ كل البعد عن العنتريات التي تحدث عنها.
وهنا نُحيله إلى مشهد تلاوة البيان الختامي للملتقى في بلدة مارون الراس؛ حيث شاركت فيه الشخصيات العربية والدولية على بعد أمتار قليلة من الاحتلال "الإسرائيلي" الذليل على حدود فلسطين المحتلة؛ بفعل الانتصارات العظيمة التي حقَّقها المقاومون الأبطال بقيادة السيد حسن نصر الله على رُبى جبل عامل وجنوب العرب عام 2000 وعام 2006م.
إننا نعيش في ظلِّ موقف العِزّة والكرامة والعنفوان، ولن يُؤَثِّر عليه أي تشويش من هنا أو هناك.
-----------
* عضو اللجنة الإعلامية للملتقى العربي والدولي لدعم المقاومة.