اتشح عيد الفطر وشاحه الأسود في بيوت العائلات الغزية، التي لم يجف جرحها الغائر رغم مرور ثمانية أشهر على انتهاء الحرب الصهيونية التي دفنت أحلامهم تحت أنقاض منازلهم.
مشاعر غلبها الألم والفراق غزت عيون النساء اللواتي احتضن صور أبنائهم الأسرى والشهداء في العيد علها تداوي جرحًا عجزت الأيام من مداواته، بينما توجهت بعض النسوة إلى المقابر وافترشن التراب أمام قبور أبنائهن في جوٍّ مهيب.
فرحة العيد لم تطرق أبواب آلاف المشردين في قطاع غزة، الذين يسكنون في خيامٍ بالية بالكاد تتسع لما تبقَّى من مستلزماتهم المنزلية، فلا يوجد لديهم مقاعد أو أماكن لاستقبال المهنئين بالعيد.
النصيب الأكبر للعيد عبَّر عنه الأطفال الذين انتشروا في شوارع غزة يشهر كل منهم سلاحًا بلاستيكيًّا مختلفًا، وأطلقوا رصاصاتها الوهمية في فرحةٍ مكبوتة.
ورغم مشاعر الحزن والألم التي طفت على الغزيين، إلا أنهم تغلبوا على جرحهم النازف، واحتفلوا بالعيد على طريقتهم الخاصة.
دموع الحزن
في صبيحة يوم العيد بينما كانت نسوة غزة يزين موائد العيد بالحلوى كانت السيدة الأربعينية أم محمود تكفكف دموعها وتستعد للتوجه إلى المقبرة.
أم محمود أبت إلا أن تقرأ الفاتحة على روح نجلها الشهيد بجوار ضريحه الذي غطته أكاليل الورد الملون، كتعبيرٍ عن عظيمِ حبها لفلذةِ كبدها.
وفاضت مقابر القطاع عقب انتهاء صلاة العيد، بزوار جاءوا لقراءة الفاتحة على أرواح ذويهم الشهداء، الذين ارتقوا خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة مطلع العام الحالي.
![]() |
|
الحواجز الأمنية في الضفة المحتلة تضيع بهجة العيد |
يقول ممدوح أحمد: "ترى هل سيكون هناك طعم لشيء، ونحن نفتقد في هذا العيد أحبتنا.. أي عيدٍ هذا؟!".
ويعتبر عيد الفطر هذا العام، من أقسى الأعوام التي تمرُّ على الغزيين، ويضيف أحمد: "هذا العام فقدنا ما يزيد عن 1700 شهيد، ولم يبق الحزن والدمار بيتًا إلا ودخله.. فرحتنا
الحقيقية لن تكتمل إلا بسحقِّ الاحتلال وإجلائه عن أرضنا".
ذكرى الأحبة
فرحة العيد فشلت في رسم الابتسامة على وجوه الأطفال، فالطفلة "رؤى" ابنه الشهيد "أكرم أبو زريبة" وقفت أمام صورة والدها التي عُلقت في صدر البيت تعرض ما اشترته من ملابس وهدايا للعيد وتحدثه ببراءة: "هل هذه جميلة يا بابا.. ما بدك تيجي لتشوفها"، وتلتفت حولها كي تنادي على أخيها "مجد الإسلام" تعال فرجي بابا أواعي العيد" فيفاجئها شقيقها "بابا راح الجنة"، وتترقرق الدموع من عينيها وهي تتذكر حنان والدها في العيد.
وتقول زوجته أم المجد: كان أكرم رحمه الله يحتفل على طريقته في العيد؛ حيث يخرج لصلاة الفجر ومَن ثَمَّ يقوم بالتكبير للعيد مع أبناء المسجد وأصدقائه، ومن ثَمَّ يعود إلى البيت ويجهز نفسه لزيارة صلة الأرحام، مشيرةً إلى أنه كان يصف يوم العيد بالطويل والممتع.
وتضيف: لقد استشهد أكرم قبل أن يحتفل بعيد الفطر السعيد مع أبنائه وعائلته فكان عيدًا حزينًا علينا بفراقه.
حال المواطن أنس وهبة شقيق الشهيد عبد الكريم سعيد وهبة من مخيم النصيرات لم يكن أفضل من سابقيه؛ لأن هذا العيد الأول الذي سيمر على عائلته بعد استشهاد شقيقه الكبير.
وأشار أنس إلى حال والديه الصحية والنفسية التي يمران بها بعد استشهاد أخيه الكبير، ويضيف:" أنا اليوم أسأل الله اللطف لهما، وأن يخفف الله عنهما في أول عيدٍ سيمر علينا دون أخينا " أبا السعيد " الذي يحمل كنية والدي".
غربة وحنين
أمهات الأسرى الفلسطينيين يطالبن بإطلاق سراح أبنائهن من سجون الاحتلال
ويعيش أهالي وأبناء الأسرى في سجون الاحتلال أيضًا لحظاتٍ من نوعٍ خاص في العيد، يستشعرون فيها ألم الفراق والحرمان والبعد عن الأب أو الأخ أو الزوج، ففي الوقت الذي استقبل فيه الموطنون العيد بالبهجة والفرح كان المشهد مغاير لدى 11 ألف عائلة غزية يقبع فلذات أبنائها في السجون الإسرائيلية، و يتقون لتنسم عبير الحرية، فقد استقبلوا العيد بالدموع والآلام وحسرة الفراق وجميع أشكال الحرمان، ما بعث لهيب الشوق لمحبيهم وعائلتهم.

ويتمنى الأسرى في تلك اللحظات أن يكونوا بين أطفالهم وعائلاتهم يعيشون معهم بهجة العيد بعيدًا عن قيد السجان وظلم الاحتلال، وتدور بأذهانهم مجموعة من الأسئلة عن كيفية قضاء أسرتهم للعيد وشرائهم الكسوة لأطفالهم.
خالد وليد عقل النجل الأكبر للأسير القسامي وليد عقل والمحكوم بالسجن مدى الحياة يقول: "منذ سنين طويلة وبالتحديد عندما بلغت سن البلوغ، وبدأت أعي قيمة الوالد وأستشعر فرحة العيد، فحينها وجدتُ بيتنا خاليًا من الفرحة والسعادة؛ لأن كبير البيت ليس موجودًا، ولأنه الوالد فله الحب والحنين منا".
وقال خالد بكلمات الحسرة والألم: "أذهب وحدي لزيارة شقيقاتي المتزوجات لعلي أعوضهن عن زيارةِ أبي، الذي لم نسمع عنه سوى أخبار المرض والتعب".
ويقول الأسير السابق رأفت حمدونة "في العيد يحاول الأسرى رسم السعادة والفرحة فيما بينهم بأقل الإمكانيات، ويستعلون على الجراح ويخفوا آلامهم والدعاء "اللهم تقبل صيامنا وصلاتنا وجهادنا، اللهم فرِّج كربنا، واجمع شملنا، وردنا إلى أهلينا سالمين غانمين".
شوق اللقاء
أما والدة الأسير فارس بارود فقد أجهشت بالبكاء عند سؤالها عن العيد، وولدها في الأسر وقالت: "أين العيد بدون فلذة كبدي فارس، عشرون عامًا لم أذق طعم العيد، فقدت بصري من كثرةِ بكائي على فارس، ولا عيد بدون ابني".
وتذكرت بارود ما كان يقوم به فارس استعدادًا للعيد حينما كان يحضر الحلويات، ويساعدها في تحضير كعك العيد الذي بات لا طعمَ له منذ اعتقاله، مشيرةً إلى أنه كان يساعدها في تنظيف وترتيب البيت ثم يستقبل الضيوف.
والدة الأسير هاني داوود المحكوم عشرة سنوات لم تتذوق طعم العيد منذ أن اعتقل ولدها، موضحةً أنها وعائلتها لم يهنئوا بعيدٍ من بعده فهم يقضون العيد في جوٍّ من النكد- حسب قولها.
وترنو إلى أجواء الضحك والمزاح التي كان يفتعلها أصدقاء هاني عند زيارته في العيد، والتي عادت إلى ذاكرتها بمجرد زيارتهم لها في العيد.
في حين اعتبرت والدة الأسيرين رامي ولؤي الزعانين أن الاحتلال الصهيوني حرمها من بهجةِ العيد باعتقال ابنيها، موضحةً أن فرحة العيد في بيتهم منقوصة رغم ما يأتيهم من زائرين للتخفيف عنهم.
وأضافت أنه لا يوجد اتصال بينها وبين أبنائها، وهذا ما دفعها للمجيء للصليب الأحمر علها تستطيع أن توصل تهنئتها لهم بالعيد عبر الإذاعات لتطمئنهم وتشعرهم بأنه لا عيد بدونهم، مشيرةً إلى أن ابنيها كانا في سجنٍ واحد، وهذا ما كان يهون عليها، لكن مؤخرًا وُضع كل منهما في سجنٍ بعيدًا عن الآخر.
آلاف من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني
أما أخت الأسير محمد جابر فقالت: "إن العيد وقلته واحد بسبب بعد أخيها، ووفاة والدها وأمها المريضة التي لا تقوى على الحركة، مشيرةً إلى أنهم يفتقدون محمد لا سيما أنه الوحيد الذي كان يشعرهم بجوٍّ العيد.

وتضيف بعيونٍ دامعة قالت: ننتظر منه مكالمة تلفونية بعدما أبلغنا الصليب الأحمر قبل فترة بأنه سيسمح لنا بمكالمته بسبب وفاة والدي لكنه حتى اللحظة لم يسمح له بالاتصال.
عيد بين الخيام
أصحاب البيوت المدمرة لم يكونوا بمنأى عن تلك الأحزان، ففرحة العيد خجلت من الدخول إلى خيامهم البائسة التي بالكاد تتسع لما تبقى من مستلزماتهم المنزلية وفراشهم.
يقول المواطن حسن أبو خبيزة الذي دمر الاحتلال الصهيوني منزله المكون من ثلاثة طبقات في الحرب الأخيرة على غزة: "في المحافل واللقاءات كنا نردد دائمًا "عيدنا يوم عودتنا"، ولكن اليوم وبعد الحرب، وما آل إليها وضع القطاع نقول عيدنا يوم بناء بيتنا، ولم شمل عائلتي المفرقة والموزعة علي شقق الإيجار".
في ساعةٍ مبكرةٍ من أول أيام العيد، جلس كمال عواجة (48 عامًا)، على كرسي بلاستيكي أبيض أمام خيمته الرثة ليستقبل عشرات المهنئين في العيد من الأقارب والجيران.
ويقول عواجة بحزن "أشعر أن هذا اليوم غريب لا كأنه عيد"، ويضيف "لم تدخل الفرحة إلى قلبي وقلب أفراد أسرتي، فاليوم يتجدد الحزن وتتفتح الأوجاع التي نحاول أن ننساها منذ الحرب والعيد يُذكرنا بالذي فقدناه من جديد".
وتنتصب خيمة أبو ربيع على أنقاض بيته المدمر قرب "مستوطنة دوغيت" السابقة قرب بلدة بيت لاهيا في شمال قطاع غزة. وفي واحدة من زوايا الخيمة وضع تلفزيون صغير يعلوه مصباح يشكل أداة الإنارة الوحيدة فيها.
ويشعر أبو ربيع بالفخر لأنه ما زال صامدًا، ويقول "في خيمتي التي أُجبرت على العيش فيها لن نتخلى عن حقنا في إعادة إعمار البيت والحياة بأمانٍ وسلامٍ مثل العالم".
آلاف الغزاويين يطالبون بإنهاء الحصار الظالم
ولم يرَ مشروع إعادة إعمار غزة الذي تعهَّدت به الدول المانحة، النور بسبب تعقيدات الوضع السياسي واستمرار تشديد الحصار والإغلاق الصهيوني على قطاع غزة.

وفي حي الزيتون شرق غزة تقيم عائلة السموني التي فقدت عشرات من أبنائها في الحرب، في خيمة كبيرة من القماش فوق ركام منازل مدمرة لاستقبال المهنئين في العيد.
ويقر محمد السموني بأن محاولاته للفرح بالعيد باءت بالفشل، ويقول "نعيش في خيامٍ ممزقة، الناس تأتي لمواساتنا وتهنئتنا.. أي تهنئة ونصف العائلة ماتوا شهداء في الحرب ولا زلنا بدون بيوت تؤينا؟ العائلة تشردت ويبدو لا مستقبل لها".
فرحة مكبوتة
وحرم أطفال غزة من وسائل الترفيه في العيد لأن الاحتلال الصهيوني دمَّرها في حربه الأخيرة؛ لذلك انتشرت الشوارع بمئات الأطفال في شوارع مدينة غزة يشهرون في قبضاتهم أسلحة بلاستيكية مختلف الشكل على نقيض الأسلحة النارية مع إطلالة شمس عيد الفطر السعيد.
وشهدت شوارع غزة قتالاً "صوريًّا" بين مجموعات الصبية، الذين حاولوا تجسيد مشهدين: الأول للحرب الصهيونية الأخيرة على غزة، بينما صوَّر الأخير مشهدًا دراميًّا للأحداث الساخنة التي شهدها مسلسل "باب الحارة" بين رجال المقاومة وعناصر "الدرك الفرنسي".
وتعالت صيحات الصبية من أزقة القطاع بهتافات رجال المقاومة في المسلسل السوري "قولوا الله يا رجال"، "وحيوا روح الشهيد يا رجال"، فيما أطلق بعضهم رصاصاته البلاستيكية صوب أجساد الآخرين غير مكترثين لما قد تُحدثه من مكروه.
وكانت وزارة الداخلية والأمن الوطني حذَّرت أصحاب المحال التجارية من بيع المفرقعات النارية في العيد والأسلحة البلاستيكية لما فيها من خطرٍ على أرواح الأطفال، وتوعَّدت من لم يمتثل لقرارها بالمحاسبة القانونية.
تحذيرات الداخلية لم تشفع لأطفال غزة الذين يعانون حالةً نفسيةً شديدةً من جرَّاء الحرب العدوانية التي قضت على أكثر من 477 طفلا، ومزقتهم إلى أشلاء بصواريخ الموت، وتركت بعضهم في حالةٍ يرثى لها لفقدانه والديه وأشقاءه، فقد اكتظت الشوارع بالصبية الذين حاولوا تفريغ ما بداخلهم من كبتٍ وحزنٍ بإطلاق رصاصات "الدمدم".
ووفقًا لإحصائيات مسجلة من وزارة الصحة، فإن أكثر من 150 طفلاً أصيبوا برصاص "الدمدم" البلاستيكي العام الماضي خلال فترة العيد من جرَّاء استخدامهم لهذه البنادق، ووصفت إصابتهم بالخطيرة لفقدان نسبة كبيرة أعينهم بطلقات "الدمدم".
وينتاب أولياء الأمور مخاوف من تجدد تلك الحادثة المؤسفة، فعلامات التوتر خيمت على ملامح المواطن أبو البراء (31 عامًا) من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، بعد عودة طفله براء ذو الثلاثة أعوام إلى البيت والدماء تنزف من جبينه.
تمالك أبو البراء غضبه، وعصب جرح طفله بشريطٍ لاصق، فليس بيده حيلة أمام تلك اللعبة المفضلة التي غزت شوارع القطاع في العيد.
وتعد تلك الأسلحة تجارة رائجة للتجار، لا سيما في موسم العيد؛ حيث يتهافت الأطفال على شرائها بمجرد حصولهم على "العيدية".
وتمكَّن التجار من جلب كمياتٍ كبيرة من الأسلحة البلاستيكية من الأنفاق خلال شهر رمضان المبارك رغم التحذيرات التي أطلقتها وزارة الداخلية.
وأكد الخبير النفسي الدكتور جميل الطهراوي أن تلك اللعبة أصبحت مفضلةً للأطفال بحكم الظروف البيئية التي يمرون بها من قتالٍ وحروب، مشيرًا إلى تأثيرها السلبي على سلوكيات الأطفال الذي يميل عادةً للعدوانية.
وقال الطهراوي: الأطفال يبحثون عن رسم شخصيتهم من خلال تلك الأسلحة البلاستيكية، لذلك هم يشعرون بالرجولة لتقليد ما يعرضه التلفزيون من مشاهد عنيفة، لاسيما الذين يقضون وقتًا طويلاً أمام الشاشة.
وأوضح الطهراوي أن منع استخدام تلك الألعاب بحاجةٍ إلى جهدٍ جماعي، من خلال الضغط على التجار بعدم إدخال كميات كبيرة منها، حتى لا يصاب الأطفال بنوع من العزلة الاجتماعية بسبب حرمانهم من شرائها.
فرحة العائلات الغزية وان كانت منقوصة في العيد، إلا ِأنها نكأت جراحهم وعذاباتهم، فلم يعد بصدورهم متسعًا لتلك الأحزان التي فاضت ِأنهارًا في الماضي.
