لم يعد إغلاق المسجد الأقصى حدثاً أمنياً عابراً يمكن إدراجه ضمن "إجراءات الطوارئ" التي اعتاد الاحتلال الصهيوني فرضها في أوقات التصعيد، بل بات مؤشراً مركباً على تحوّل أعمق في كيفية إدارة الصراع على القدس، وعلى طبيعة العلاقة التي يسعى الاحتلال إلى فرضها مع أحد أكثر المواقع حساسية دينياً وسياسياً في العالم.
الإغلاق الذي حرم مئات آلاف المسلمين من أداء الصلوات، بما فيها صلوات الجمعة خلال شهر رمضان وعيد الفطر، يتجاوز في دلالاته البعد الإجرائي ليطرح أسئلة تتصل بالسيادة، وإعادة تعريف "الوضع القائم"، ومستقبل المسجد الأقصى في ظل توازنات إقليمية مضطربة.
حين أعلنت سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى أواخر فبراير/شباط الماضي، ربطت القرار بحالة الطوارئ الناجمة عن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران. غير أن استمرار الإغلاق لأكثر من شهر، دون أي مؤشرات جدية على إعادة فتحه، يكشف أن المسألة لا تتعلق بإجراء مؤقت بقدر ما تعكس توجهاً لتكريس واقع جديد.
في قراءات نشرتها منصات إعلامية عديدة، جرى التأكيد على أن الاحتلال "يستثمر اللحظة الإقليمية لإعادة ترتيب السيطرة على القدس"، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب، وهو نمط سبق أن تكرر في محطات مفصلية، حيث تُستغل الأزمات الكبرى لفرض تغييرات تدريجية يصعب التراجع عنها لاحقاً.
الأقصى من الوصاية إلى السيطرة
برغم أن المسجد الأقصى شهد إغلاقات سابقة، إلا أن طول مدة الإغلاق الحالي واتساع نطاقه يجعلان منه حالة مختلفة. فحتى في أكثر الفترات توتراً، كان الاحتلال يلجأ إلى تقييد الدخول أو فرض قيود عمرية، لكنه نادراً ما أقدم على إغلاق شبه كامل وممتد.
ووفق محافظة القدس، فإن المسجد جرى إغلاقه أيام الجمعة خمس مرات منذ احتلال القدس عام 1967 هي:
9 يونيو 1967: بعد يومين من احتلال القدس، حين كانت قوات الاحتلال التي اقتحمت المسجد الأقصى لا تزال فيه.
14 يوليو 2017: عقب عملية إطلاق نار داخله، حيث أعلن الاحتلال إغلاق المسجد وبدأ التحضير لفرض البوابات الإلكترونية، قبل أن يُجبر على التراجع عنها بعد أسبوعين نتيجة الهبة الشعبية.
13 يونيو 2025: عندما طردت قوات الاحتلال المصلين وأغلقت المسجد الأقصى بالتزامن مع العدوان الذي استمر 12 يوما على إيران.
20 يونيو 2025: ضمن الإغلاق السابق.
6 مارس 2026: في اليوم السابع من الهجوم الأمريكي الصهيوني على إيران.
وتشير تحليلات إلى أن "تحويل الإغلاق إلى أداة قابلة للتكرار" يمثل أحد أخطر مخرجات المرحلة الحالية، إذ يفتح الباب أمام استخدامه مستقبلاً كوسيلة ضغط أو كآلية لإعادة ضبط العلاقة مع المسجد، وفق ما يخدم الرؤية الصهيونية.
على المستوى الديني، لا يمكن فصل الإغلاق عن كونه مساساً مباشراً بحرية العبادة. وقد عبّر خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري عن ذلك بوضوح حين قال إن "إغلاق المسجد الأقصى لا يجوز شرعاً ولا يمكن تبريره بأي ذريعة أمنية"، مضيفاً أن "منع المسلمين من أداء صلواتهم يتعارض مع أبسط الحقوق الدينية”.
هذا الطرح لا يقتصر على الموقف الديني، بل يتقاطع مع القانون الدولي الذي يكفل حرية العبادة، ما يجعل الإغلاق، من هذا المنظور، انتهاكاً مزدوجاً: دينياً وقانونياً.
أما أحد أكثر الأبعاد حساسية في هذا الإغلاق فيتمثل في ما يطرحه من مخاوف بشأن مستقبل إدارة المسجد الأقصى. فالتدخل الصهيوني المتزايد، سواء عبر شرطة الاحتلال أو عبر فرض القيود، يثير تساؤلات حول نية تقليص دور دائرة الأوقاف الإسلامية، في خطوة تمهيدية لفرض إدارة أمنية مباشرة على المسجد.
ويقول الشيخ صبري، إن "لا مبرر لإغلاق المسجد الأقصى بهذا الشكل، وما يجري هو محاولة واضحة لفرض الهيمنة عليه وسحب صلاحيات الأوقاف الإسلامية، في انتهاك صريح للوضع التاريخي والقانوني القائم”.
ويضيف أن "استمرار الإغلاق يعني أن الاحتلال يتعامل مع الأقصى باعتباره تحت سيادته المطلقة، وليس مكانًا خاضعًا لإدارة إسلامية”.
خرق متعدد المستويات
تاريخياً وسياسياً، عرف الوضع القانوني للمسجد الأقصى ترتيبات معقدة تعرف بـ"الوضع القائم"، والتي تنظم استخدام المكان وتضمن حرية العبادة للمسلمين. كما أن اتفاقيات جنيف تلزم قوة الاحتلال بضمان وصول السكان إلى أماكن عبادتهم، وهو ما يجعل استمرار الإغلاق عرضة لانتقادات قانونية، حتى وإن لم تُترجم إلى إجراءات عملية على الأرض، وفق المحاضر في جامعة بير زيت، وائل عواد.
ويشدد على أن الإغلاق يطرح تساؤلات حادة أسباب إغلاق المسجد الأقصى فيما تؤدي المساجد الأخرى الصلوات بانتظام، "فلماذا يُغلق المسجد الأقصى؟ ولماذا يُمنع الاعتكاف في المصلى المرواني الآمن تحت الأرض؟”
ويرى المحلل السياسي، أن "إغلاق الأقصى لا يمكن فصله عن سلسلة إجراءات سابقة، مثل الاقتحامات المتزايدة وفرض القيود على المصلين، ما يعني أننا أمام سياسة تدريجية لتغيير الوضع القائم، بفرض فرض وقائع ميدانية ثم تثبيتها مع الوقت”.
ويُعرف أستاذ دراسات بيت المقدس الدكتور عبد الله معروف، اتفاق الوضع القائم بأنه "بقاء الوضع على ما كان عليه في القدس قبيل الاحتلال"، مبيناً أن كثيرا من التغييرات طرأت على الاتفاق منذ النكسة 1967، حيث لم يعد يطبق بالذات في المسجد الأقصى.
ويستدل على ذلك بأن عددا من المستوطنات بُنيت على أراضي القدس بعد احتلالها، إلى جانب هدم حارة المغاربة بالكامل وتهجير أهلها واحتلال حائط البراق رغم أنه وقف إسلامي، إضافة إلى فرض التقسيم الزماني بالقوة، وتأمين صلاة المستوطنين في المسجد الأقصى.
كما أجرى الاحتلال العديد من الحفريات، وافتتح أنفاقا في محيط المسجد الأقصى وأسفل البلدة القديمة وحول سور القدس، متسببا في أضرار للبنية التحتية الأثرية، وتصدع لبعض معالم المسجد الأقصى.
ويقول معروف: "لم يعد أحد يتحدث عن هذه التغييرات وكأنها أصبحت أمرا واقعا غير مطروح للنقاش”.
وتُظهر البيانات التراكمية المُسْتَلَّةُ من تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان خلال الأعوام الماضية تحولاً نوعياً في أدوات السيطرة؛ إذ ركزت السياسات الصهيونية سنة 2022 على التمكين البنيوي عبر رصد الميزانيات الضخمة للمشاريع الهيكلية، كالمتاحف والقطارات الهوائية لتطويق البلدة القديمة.
وتشير المعطيات إلى أن عام 2023 شهد تصعيداً في كثافة التواجد البشري للمستوطنين المقتحمين للمسجد الأقصى، ما مهد الطريق في الفترة 2024-2025 لفرض طقوس تلمودية علنية وإجراءات تقييدية حادة على دخول المصلين الفلسطينيين.
ويعكس هذا التدرج سعياً حثيثاً لنمذجة تجربة الحرم الإبراهيمي في الخليل، عبر تحويل التواجد اليهودي في الأقصى من اقتحام طارئ خلال ساعات محددة من اليوم إلى حق مكتسب محمي بقوة السلاح والقانون الصهيونيين، أو حتى أمر واقع وطبيعي.
تفكيك البنية الاجتماعية بالقدس
لم يقتصر تأثير إغلاق الأقصى على الجانب الديني، بل امتد إلى البنية الاجتماعية في القدس. فالمسجد يشكل مركزاً جامعاً للحياة اليومية، وغيابه عن المشهد يعني عملياً تفكيك أحد أهم الفضاءات العامة للفلسطينيين.
ويرى الكاتب علي إبراهيم أن المقدسات في القدس، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، لا تمثل فقط فضاءً دينيًا لأداء الشعائر، بل تشكّل ما يشبه "الحيّز العام" للفلسطينيين في المدينة؛ أي المساحة الجامعة التي تتقاطع فيها الأبعاد الاجتماعية والثقافية والرمزية. ومع عزل القدس عن محيطها بفعل الجدار والحواجز، تعاظمت هذه المركزية، ليصبح الأقصى بمثابة "القلب النابض" للمجتمع المقدسي، وحجر الأساس في تماسكه.
ضمن هذا السياق، يؤكد أن إغلاق الأقصى لا يُفهم كمنع للصلاة فحسب، بل كضربة مباشرة لهذه البنية، عبر عدة مسارات متداخلة:
ضرب ما يُعرف بـ”الأمن الوجودي”، إذ يخلق الإغلاق المتكرر حالة من الصدمة المستمرة لدى المقدسيين، تتجاوز الحدث الآني إلى ترسيخ شعور بالعجز عن حماية المقدسات، وهو ما يفضي تدريجيًا إلى حالة من الاغتراب داخل المدينة نفسها. فالمقدسي، وفق هذا التصور، يُدفع ليشعر بأنه غريب في فضائه الأكثر رمزية.
الرسالة النفسية الضمنية التي تسعى سلطات الاحتلال إلى تكريسها، ومفادها أن الوجود الفلسطيني في القدس مؤقت وهش. هذا المعنى لا يُقال بشكل مباشر، لكنه يُبنى عبر الممارسة اليومية للإغلاق والمنع، ما يغذي قلقًا جماعيًا عميقًا مرتبطًا بإمكانية فقدان ما تبقى من الحيز المكاني، وفي مقدمته الأقصى.
“عسكرة الزمن وتشويه الذاكرة الجمعية”، حيث تتحول المواسم الدينية التي تشكل تقليديًا لحظات ترميم للنسيج الاجتماعي وتعزيز التضامن، إلى محطات قمع وتوتر. فبدل أن يكون شهر رمضان أو الأعياد مناسبات للفرح والتكافل، تُعاد صياغتها كأزمنة للخوف والاقتحام والحواجز، بما يؤدي إلى تشويه الذاكرة الجمعية وإضعاف المناعة النفسية للمجتمع على المدى الطويل.
تفتيت النسيج الاجتماعي كأحد أخطر التداعيات، إذ إن منع الوصول إلى الأقصى وكنيسة القيامة يعني عمليًا تعطيل أحد أهم فضاءات اللقاء الاجتماعي. فهذه الأماكن لم تكن مجرد مواقع دينية، بل نقاط التقاء للعائلات والأحياء، ومراكز لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية. ومع إغلاقها، تُعزل الأحياء عن بعضها، وتُفكك الروابط اليومية، ويتحوّل المجتمع إلى وحدات متباعدة يسهل التحكم بها.
ولا يتوقف التأثير عند البعد الاجتماعي المباشر، بل يمتد إلى الدورة الاقتصادية المرتبطة بهذه المواسم، حيث تتضرر الأنشطة التجارية والخدماتية التي تعتمد على الحضور الكثيف للمصلين والزوار، ما يعمّق من هشاشة المجتمع المقدسي على المستويين الاقتصادي والاجتماعي معًا.
الإغلاق كرسالة فرض السيادة
سياسياً، يصعب فصل الإغلاق عن كونه رسالة لفرض السيادة، ففرض السيطرة على الأقصى، ولو بشكل مؤقت، يحمل دلالات تتجاوز المكان ذاته، ليصل إلى جوهر الصراع على القدس.
وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في شئون القدس زياد بحيص، إن ما يشهده المسجد الأقصى في سنة 2026 ليس مجرد إجراء أمني عابر اقتضته أوضاع العدوان على إيران وخياراتها، بل أيضاً هو عمل من أعمال الحرب المدروسة ضد المسجد، وتجسيد لسياسة التقسيم الزماني والمكاني التي سعى لها الاحتلال عبر "عقود من التدرج الاستعماري الزاحف”.
ويوضح بحيص أن انتقال الاحتلال من سياسات الضبط والتحكم والسيطرة التي شهدناها في الأعوام السابقة إلى الإغلاق التام الشامل يمثل محاولة لكسر الرمزية السيادية للفلسطينيين في القدس، وتحويل الحرم القدسي من حيز عام جامع إلى منطقة عسكرية معزولة ومغلقة وفق الإرادة الصهيونية.
ويحذر من أن الأقصى لم يعد اليوم في مرحلة التقدم البطيء والتمهيد للتهويد، بل انتقل اليمين الصهيوني إلى مرحلة استعجال قطف النتائج بتكرار محاولات ذبح القرابين الحيوانية في المسجد، والوصول إلى النهايات باستثمار الحرب الحالية لتحقيق ذلك”.
وتوضح ورقة موقف نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية، أن التحول اللافت في سياسة الاحتلال تجاه المسجد الأقصى تجلت في الفترة 2023-2026؛ فبينما اعتمدت في رمضان 2023 سياسة الضبط والمراقبة التي تسمح بمرور حشود كبيرة مع ممارسة قمع انتقائي (تأمين دخول المستوطنين واعتقال المعتكفين)، انتقلت سنة 2026 إلى استراتيجيا الإغلاق التام.
وتبين الورقة الموسومة "صمت المآذن: بلاغة الصلاة عند أعتاب الأقصى!”، للباحث أحمد عز الدين، أن هذا التحول يهدف إلى استغلال الحالة الاستثنائية والطارئة التي فرضتها الحرب الإقليمية مع إيران، لتمرير واقع جديد يتم فيه التحكم بمسألة فتح المسجد الأقصى وإغلاقه كأحد أدوات تطبيق سياسات تقسيم المسجد، وتحويله من فضاء وحيز للعبادة إلى منطقة عسكرية مغلقة تخضع لإدارة أمنية وعسكرية وسياسية صهيونية في الوقت الذي تجري فيه التجمعات الصهيونية الدينية وغير الدينية بلا أي قيود كما هي على المسجد الأقصى.
ويلفت تحليل مؤسسة الدراسات إلى أن الفارق بين سنتَي 2023 و2026 يكمن في انتقال الاحتلال من سياسات إدارة الصراع داخل المسجد إلى محاولة حسم الصراع عبر الإغلاق التام وتطبيق سياسات أكثر جدية في مسألة التقسيم، مستغلاً الحرب وحالة الاستكانة والوهن لدى الفلسطينيين المنهكين من حرب الإبادة والحكم العسكري الإسرائيلي في الجغرافيات الاستعمارية الفلسطينية.
سيناريوهات مفتوحة
وتؤكد تقديرات أن التحولات المتواترة في السياسات الممنهجة التي تتبعها حكومة الاحتلال لفرض الهيمنة والسيطرة على الأقصى منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023، تجعل مستقبل الإغلاق مفتوحاً على عدة احتمالات. فقد يُعاد فتح المسجد تحت ضغط معين، أو قد يستمر الإغلاق بما يكرس واقعاً جديداً، لا يراكم فيه القمع ولا يقود إلى الاستكانة والكمون بقدر ما يؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة والتمرد والفاعلية، فلم تعد المعركة تدور حول بوابات إلكترونية أو مصلى بعينه، بل حول جوهر الوجود في المدينة ورموزها وهويتها الجامعة، كما يرى الباحث عز الدين.
ويقول إن اللحظة الراهنة تدفع إلى احتمالية الانفجار والخروج وكسر حالة الرتابة والهدوء، الذي قد يتخذ شكل عصيان مدني واسع، لن يكون مفاجئاً أو عفوياً وحسب، بل أيضاً نتاج وعي جمعي تشكَّل عند الأعتاب، ومداده في الجغرافيات المساندة في مداد الأرض.
ويضيف أن "صمت المآذن لا يعني صمت الشارع وجماهيره، فبلاغة القدس وتمردها أعلى من صوت البارود والحرب والإبادة”.
غير أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تحويل الإغلاق إلى سابقة قابلة للتكرار، ما يعني عملياً إعادة تعريف العلاقة مع المسجد الأقصى على المدى الطويل. وفي المحصلة، لا يمكن قراءة إغلاق المسجد الأقصى بوصفه إجراءً أمنياً معزولاً، وإنما كجزء من مسار أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل السيطرة على القدس. وبينما تتداخل الأبعاد الدينية والسياسية والقانونية في هذا الحدث، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام لحظة عابرة في سياق الحرب، أم أمام تحول تدريجي في واحد من أكثر ملفات الصراع حساسية؟