المراقب من الخارج لمجريات الملف المصري الإيراني وتسخينه خاصةً بعد الإعلان عن قضية حزب الله في مصر؛ لا بد أن يقرأ هذا الملف بصور مختلفة.

 

فمن ناحية، يلاحظ ارتفاع نغمة العداء لإيران في مصر، واتهام إيران بأنها تخطط من خلال حزب الله للإضرار بالأمن القومي المصري، رغم تأرجح الموقف المصري من قبل بين نغمة التصالح ونغمة العداء، ولا شك أن هذا الملف مُربِكٌ للدارسين خاصة، وهم يدرسون تصريحاتٍ متناقضةً في نفس الوقت بين كبار المسئولين ولنفس المسئولين؛ يدخل في هذا المسار تصريح منسوب لبعض المسئولين بأن هناك "خلافات جذرية" بين مصر وإيران، ومع ذلك فإن الحزب الحاكم يدرس فرص التقارب المصري الإيراني إذا جاءت فرصته ذات يوم، ثم راح البعض يسهم في تصور ما عساه أن يكون "خلافات جذرية" فاعتبر من هذه الخلافات الجذرية معاداة إيران للكيان الصهيوني ورفض الاعتراف بها، ومعنى ذلك أن إيران إذا اعترفت بالكيان الصهيوني فسوف يزول أحد هذه الخلافات الجذرية، وكأن من يعادي الكيان  يعادي مصر بالتبعية، ثم يعلن نتنياهو بعد رحلته إلى مصر والأردن أنه لأول مرة منذ قيام "إسرائيل" يحدث توافق عربي "إسرائيلي" على مواجهة إيران وانحسار ملف الصراع العربي "الإسرائيلي" ليعطي الأولوية المطلقة في هذه النظرة الإستراتيجية الجديدة للملف الإيراني.

 

ولما كانت علاقة مصر بإيران من المصالح التي تهم كل الشعب المصرى فإنني لا أمانع في أن تجتهد الحكومة كما تشاء، دون أن تجور على القَسَمات الأساسية للمصالح المصرية كما نراها، وتراها النخبة التي لا ترى سوى المصلحة المصرية تعلو على الألوان المصلحية الأخرى الداخلية والخارجية، مع ملاحظة أن أصحاب هذه الرؤى الملونة هم المصدر الرئيسي لتحديد الحكومة لموقف مصر كلها من هذا الملف، أي أن هذا التيار الملون هو الذي يُملي على كل المصريين رؤيته، ويلزمهم بدفع الثمن لهذه الرؤية الجزئية.

 

ونظرًا لخطورة القضية فإنني أقترح أن نبحث عن المصلحة المصرية في خمس قراءات للملف المصري الإيراني.

 

القراءة الأولى: أن استمرار الشقاق المصري الإيراني سببه الأساسي الخلاف الأمريكي الإيراني، ونحن على قناعةٍ مطلقة بأن العلاقات المصرية الإيرانية سوف تصبح في أزهى عصورها إذا تم التوافق الأمريكي الإيراني، وهو بطبيعته على حساب العالم إذا نظرنا إلى الصراع الأمريكي الإيراني على أنه صراعٌ بين مشروعين، وتكالب على مساحة واحدة هي جسد العالم العربي.

 

هذا الانسجام المصري الإيراني سيزيل كل "الخلافات الجذرية الحقيقية"، وهي التخلي عن مقاومة "إسرائيل" بما تسببه من احتكاكٍ بين مصر والمقاومة، وتفاهم إيران مع "إسرائيل" مما يُزيل حرجًا عن مصر بسبب استمرار الصراع بين إيران و"إسرائيل"، وهو في الحقيقة تكالب على حصة مصر فى المنطقة التي قبلت مصر طواعية التخلي عنها.

 

فإذا زال الخلاف الأمريكي الإيراني، و"الإسرائيلي" الإيراني، وانطفأت المقاومة، وخرجت أمريكا سالمة بترتيبات لضمان مصالحها فى العراق مع وجود عربي إسلامي لحماية تركيبة السلطة التي زرعتها واشنطن في العراق، تكون واشنطن قد رسمت نظامًا للتوازن الإقليمي ينطلق فيه المشروع الإيراني والصهيوني، ويقف فيه العرب حراسًّا لهذين المشروعين.

 

فجوهر الخلافات الجذرية بين مصر وإيران متغير؛ فعندما كانت إيران الشاه تتابع مشروعها فى الخليج خاصة بعد إعلان الانسحاب البريطاني، كان الاحتكاك مستمرًّا بين مصر الناصرية وإيران الشاهية، ثم صارت مصر وإيران فى شهر العسل في ظل واشنطن أيام السادات والشاه؛ ولكن العداء الأمريكي لثورة إيران، وموقف الثورة من "إسرائيل" ومشروعها، وانعكاسات ذلك على مصر المتعاهدة مع "إسرائيل"؛ أدى إلى هذا الملف الشائك بين مصر مبارك وإيران الثورة.

 

القراءة الثانية: ترى أن موقف مصر تجاه إيران يتحدد أساسًا بعلاقة واشنطن بإيران من منطلق القواسم المشتركة والمتقاربة بين مصر وواشنطن خاصة فى هذه المرحلة، ومعنى ذلك أن كل الخلافات الجذرية "تزول بمجرد الوفاق الأمريكي الإيراني".

 

القراءة الثالثة: ترى أن إيران أخطر على مصر فى طموحاتها من "إسرائيل"، وأن المشروع الإيراني يهدد مصر و"إسرائيل" معًا، وأن دعم المقاومة من جانب إيران هو جزء من هذا المشروع، فتكون مصلحة مصر بالتوافق مع إسرائيل ضد إيران إلى أي درجة حتى لو كانت إسرائيل تنوي إنهاء المشروع الإيراني بالقوة العسكرية، وربما كانت هذه القراءة تفسر في جزء منها ما صرح به نتنياهو من وجود تناغم عربي نادر مع "إسرائيل" ضد إيران.

 

القرءاة الرابعة: ترى أن مشروع إيران قد تمدد على حساب مصر، وهذه القراءة تفترض أن لمصر مشروعها، الذي انطوى وتراجع أمام تقدم المشروع الإيراني، وهذه القراءة تؤدي إلى أن تدافع مصر عن مشروعها أمام الالتهام الإيراني، وتتحالف حتى مع إسرائيل لتحقيق هذا الهدف.

 

القراءة الخامسة: ترى أن مصر قد انسحبت من المنطقة كلها، ولم يعد لها سوى رجع الصدى والتعلق بأهداب مرحلة انقضت تمامًا بالتدريج منذ 1967م حتى الآن، وأن الدور المصري بالمعنى الفني ليس موجودًا إلا بما ينسجم مع التوجهات الأمريكية فيصبح موقفًا معلنًا وليس دورًا. ومع انسحاب مصر تقدم؛ محلها وعلى حسابها؛ المشروعان الإيراني والصهيوني ثم التركي، ومن خلفهم جميعًا الأمريكي.

 

الحق أن هذه القراءات الخمس تلامس كل منها الحقيقة؛ لكنها لا تمثلها بالكامل؛ ولذلك فنحن في مصر بحاجةٍ إلى عقليات جادة تحدد لمصر مصلحتها إزاء إيران، وتفرق بين الطارئ المتغير من السياسات، وبين الراسخ من الإستراتيجيات؛ على ألا تعميها المرايا العاكسة عن الرؤية الثابتة.