القضية أن المدعو أحمد عيسى طه أمين الشرطة بحرس جامعة البحيرة قام بفقء عين الطالب محمد عبد المقصود الطالب بكلية التجارة بدمنهور وأحد طلاب الإخوان في 21 مارس 2007م؛ مما أدَّى إلى انفجارٍ بمقلة عينه اليمنى، وبروزٍ للجسم الزجاجي خلال الجرح الموجود بالقرنية، وفقد العدسة البلورية؛ مما أدَّى إلى نسبة عجز بصري.

 

إلا أن القضاءَ المصري العادل النزيه تصدَّى بقوة لهذا الحادث، وأصدرت محكمة جنايات الإسكندرية مأمورية دمنهور في حكم تاريخي بحبس أحمد عيسى طه لمدة 3 سنوات، وتغريمه 5001 جنيه على سبيل التعويض المؤقت في أول إجراء قضائي حاسم ضد عنف حرس الجامعة ووزارة الداخلية ضد المواطنين.

 

هذا الحكم التاريخي العادل يُسهم بشكلٍ كبيرٍ في تمسك الإخوان بمنهجهم السلمي، وعدم انتهاج العنف وسيلة للتغبير، وهذا منهج الإخوان منذ نشأتهم في بدايات القرن الماضي على يد الإمام الشهيد حسن البنا.

 

ومع تعرُّض جماعة الإخوان لسلسةٍ من الاضطهاد والإيذاء والتعذيب على يد الأنظمة المتتالية منذ العهد الملكي، ثم الحكام الذين تتابعوا بعد انقلاب 1952م.. هذا الكم من الإيذاء والاضطهاد والتعذيب لم يتعرض له تنظيم سياسي لدرجة أن كافة التنظيمات السياسة تحسد الإخوان على عظيم صبرهم وتحملهم للأذى.

 

سلسلة من الاضطهاد والتعذيب والقتل والسجن منذ اقتياد مجاهدي الإخوان من ساحة القتال مع الصهاينة على أرض فلسطين إلى سجون مصر، ثم اغتيال الشهيد حسن البنا، ثم التنكيل بالإخوان في بداية الخمسينيات، وقتل المئات منهم، ودفنهم في صحراء مدينة نصر، والتعذيب الشديد في السجن الحربي وغيره.. وقضى الكثير منهم في السجن أكثر من عشرين عامًا.. واستمر هذا المنهج في عهد السادات.. وقُتل الشهيد كمال السنانيري في محبسه، وسجن عشرات الألوف من الإخوان، ثم استمرَّ هذا النهج في عهد الرئيس الحالي مبارك، وما تعرض تنظيم سياسي لما تعرض له الإخوان من قتل في السجون مثل المهندس أكرم زهيري مواليد دمياط، والطالب محمد السقا في جامعة الإسكندرية، وفي مقر أمن الدول بالجيزة مثل الأخ المهندس مسعد البروي، وفي طلخا بالمسجد كما حدث لطارق الغنام الذي تم قتله على يد قوات الأمن بمسجد الغنام بطلخا.

 

 الصورة غير متاحة

الضحية محمد عبد اللطيف

ثم المهندس محمد عبد اللطيف الذي أُصيب بشللٍ رباعي على يد أحد الضباط في وقعة الاستيلاء على مدرسة الجزيرة بالإسكندرية.. ثم أخيرًا ما حدث لفارس بركات أحد إخوان البحيرة الذي ألقى به الضابط ناجي الجمال من الدور الرابع فسقط مدرجًا في دمائه مصابًا بكسورٍ في الحوض، وفي الفخذين، وفي الوجه، ويرقد بالعناية المركزة بين الحياة والموت.. لا لشيء؛ إلا أنه تجرَّأ وسأل الضابط حين اقتحم عليهم البيت: أين إذن النيابة..؟!!! سؤال بديهي وقانوني ودستوري..!! ولكن الضابط الذي تربَّى في ظل قانون الطوارئ؛ دراسة في كلية الشرطة، وممارسة في أقسام وزارة الداخلية لم يمارس العمل الأمني إلا في ظل قانون الطوارئ.. فنسي تمامًا الحقوق القانونية والدستورية للمواطنين، وكان الأولى به أن يفخر بجرأة فارس، وأنه بقي في الوطن مَن يعرف حقوقه، ويمتلك الشجاعة في التمسك بحقوقه القانونية والدستورية.. وإني لأسأل هذا الضابط وغيره من الذين يرتكبون هذه المظالم.. إن كنت لا تخاف من القانون لوعدٍ وعدك به واعد.. ألا تخاف الله وانتقامه منك في نفسك أو أولادك وذريتك... قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42)﴾ (إبراهيم) أتنام ملء جفنيك بعد أن تفعل ما تفعل؟.

 

أقول لك إنك لا تشعر بالأمن والأمان في سيارتك.. في مكتبك.. في بيتك.. ليس من الإخوان؛ لأنك أول مَن تعلم أن نهجهم سلمي، وليس من خلقهم الانتقام، وأنهم يحتسبون ما يحدث لهم عند الله؛ ولكن لأن الله سلبك الشعور بالأمن والأمان لما ترتكبه من ظلم؛ لأن مصدر الأمن وصلاح البال هو.. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82)﴾ (الأنعام).

 

- ألا تتذكر يوم أن تُحال إلى التقاعد، ويتخلى عنك من تُدافع عنه، وقد يتخلى عنك حتى أقرب الأقربين منك واسأل مَن سبقوك؟!.

 

- ألا تتذكر يوم تبلغ من العمر عِتِيًّا وترتعش يداك ولا تقوى قدماك على حملك؟!

 

- ألا تتذكر يوم تلقى الله بهذه المظالم ولن ينفعك حينئذٍ الندم.

كل هذه الوقائع فضلاً عن كم الظلم الذي وصل حد الطغيان من محاكمات عسكرية، ومصادرة الأموال التي اكتسبها أصحابها من الجهد والتعب، واتهام أصحابها بغسيل الأموال.. أكثر من ستين عامًا والإخوان يُمارَس ضدهم كل هذا الكم الهائل من الاعتقالات والتعذيب والقتل ومصادرة الأموال والاتهام الباطل في وسائل الإعلام الحكومية وغيرها... ولم يثبت أن قام أحد أفراد الإخوان بعملٍ فيه عنف أو إرهاب، ومع ذلك يصرُّ النظام والدائرين في فلكه على اتهام الإخوان بالتطرف والإرهاب..!!.

 

- أقول كل هذا الكم من الظلم والطغيان يمثل ضغوطًا عنيفةً على أفراد الإخوان وهم بشر.. فيظل الإخوان في صراعٍ شديدٍ بين التفكير في الانتقام وأخذ حقوقهم.. وبين الالتزام والانضباط بنهج جماعتهم في عدم انتهاج العنف كوسيلةٍ للتغيير والإصلاح.

 

- والنظام يمارس الضغط على أفراد الإخوان بهذه الأساليب البشعة؛ لكي يتخلوا عن منهجهم السلمي؛ والإخوان مصرون على التمسك بمنهجهم.. وكان الأولى بالنظام أن يكون على مستوى المسئولية من الالتزام بالقانون والدستور ويتوقف عن هذه السياسة؛ بل يحاسب هؤلاء الضباط ويردعهم؛ ولكن لم نرَ أي بوادر لذلك؛ بل ما يحدث يدل على أن ما يجري سياسة ومنهج للنظام يتبناها وينفذها هؤلاء الضباط.

 

- يظل الإخوان في صراعٍ بين هذه الضغوط، وبين تربيتهم القرآنية التي تحضهم على الصبر والاحتساب عند الله على ما ينالهم من أذى في سبيل الله.

 

- وها هو رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعرض للتعذيب والإيذاء والطرد والاضطهاد والحصار على يد قريش، فيضيق صدره صلى الله عليه وسلم لما تعرض له، فينزل التوجيه الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم... قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَأِ المُرْسَلِينَ (34)﴾ (الأنعام).

 

 الصورة غير متاحة

 سيد قطب

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: "هذه الكلمات يقولها الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم للتسرية والمواساة والتأسية، كلمات ترسم للدعاة من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقهم واضحًا، ودورهم محددًا، كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته، ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق.

 

إنها تعلمهم أن سنة الله في الدعوات واحدة؛ دعوة تتلقاها الكثرة بالتكذيب، وتتلقى أصحابها بالأذى، وصبر من الدعاة على التكذيب، وصبر كذلك على الأذى.

 

وسنة تجري بالنصر في النهاية؛ ولكنها تجيء في موعدها لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء الطيبين المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب, ولا أن المجرمين الضالين والمضلين يقدرون على أذى المخلصين الأبرياء الطيبين، ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد من ذاته وشهواته إنما يرغب في هدي قرآنهم وسنة نبيهم فإن الله لا يعجل لعجلةِ أحدٍ من خلقه ولا مبدل لكلماته".

 

- ومع ذلك قد يكبر على نفس الدعاة إعراض المعرضين، ويشتد عليهم التعذيب والإيذاء والانكسار والإعراض؛ فيتعجلون النصر فيخاطبهم ربهم بقوله سبحانه: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ (35)﴾ (الأنعام).

 

وخطاب الله عزَّ وجل للدعاة المخلصين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العظِيمُ (111)﴾ (التوبة).

 

على هذه الكلمات والمعاني من الهدي القرآني تربى الإخوان من الشباب إلى المشيب.

 

ومن هنا يأتي هذا الحكم العادل للقضاء المصري بالاقتصاص من الظالمين والطغاة، معينًا للإخوان على التمسك بمنهجهم ونهجهم السلمي في التغيير والإصلاح.