د. حسن الحيوان

يشهد المجتمع تصاعدًا خطيرًا لحوادث العنف التي باتت ظاهرةً لافتةً للنظر تستحق الرصد والتحليل، وتتعدد التفسيرات ومن بينها انسداد قنوات حرية التعبير، والضغط على شتى أنواع الحريات العامة، وصولاً لحالة الطوارئ التي أصبحت في حد ذاتها سببًا للعنف، وتراجع الأحوال الداخلية اقتصاديًّا واجتماعيًّا، فضلاً عن التراجع أمام التحديات الخارجية وصل بمصر لوضع خطير غير مسبوق، وإذا لم ينتبه له المسئولون بل والجميع نتوقع أن يستمر هذا الطوفان ويتزايد.
مشاجرات بدلاً من مناظرات:
الكبت يولد الانفجار مقولة لا تخطئ، ثقافة العنف أصبحت مترسخة في المجتمع
وعلى سبيل المثال وليس الحصر:
1- العلاقة مع بدو سيناء ومع أصحاب مزارع الخنازير:
عاد العنف الرسمي من جديد بعد قضية خلية حزب الله، مع تجاهل لعادات وتقاليد البدو، وبالرغم من أن الأمر على أعلى درجة من الخطورة فإن الدولة تتعامل من منظور أمني, فضلاً عن التصعيد غير المبرر الذي لم يحدث عالميًّا بقرار غير عملي وغير عادل بذبح الخنازير؛ مما أدى لصدامات عنيفة مع المجتمع وسنخصص مقالاً لذلك.
2- الأزمة بين نادي القضاة والدولة:
أهم قضايا الحريات العامة التي تخص المجتمع ككل من حيث استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية؛ الأمر الذي لا يختلف عليه أحد، وبالرغم من ذلك وصلت الأمور إلى أقصى درجة من العنف من طرف الدولة؛ لدرجة ضرب وإهانة أحد المستشارين في الشارع!!.
3- الفتنة الطائفية:
بدايةً من أحداث كنائس الإسكندرية، وتكرار الاحتقان الطائفي المتصاعد؛ نتيجة لإدارة الدولة لهذه القضية من منظور أمني فقط بمنتهى السلبية، ومحاولة بث رسالة اطمئنان من خلال وسائل الإعلام وكأنه لا توجد مشكلة، وصولاً إلى اللقاءات الودية بين الطرفين وترتيب مظاهرات الوحدة الوطنية؛ حيث التركيز على الشكل دون المضمون.
ثانيًّا: الطائفة البهائية، صحيح أن حرية الاعتقاد لا بد أن تكون مكفولة لكن اختراع دين جديد على أنه من الكتب السماوية والمطالبة باعتماده رسميًّا شيء آخر، أضف إلى ذلك قضية النوبة في الجنوب.
نستخلص من ذلك إهمال الدولة في معالجة جذور القضايا الطائفية؛ مما أدي لاستفحال الأمر بخطورة بالغة تهدد النسيج الوطني، وصولاً لاحتمال التدخل الخارجي الذي أصبح قانونًا دوليًّا نافذًا في مثل هذه القضايا.
4- الانتخابات البرلمانية 2005م: استخدم الحزب الوطني فيها درجة غير مسبوقة من العنف لمنع الناخبين بالقوة من حق الانتخاب، وكذلك منع المرشحين من حق التنافس.
5- حل النزاعات والصراعات بين رجال الأعمال ورموز الفن والمجتمع وقيادات المؤسسات الرياضية الكبرى مثل نادي الزمالك بأقصى درجة من العنف.
6-الاعتداء على العدالة، الهجوم على منصة القضاة ورئيس محكمة الجنايات بالكراسي، وتدمير أجزاء من قاعة المحكمة، قام بذلك أهالي المتهمين فور النطق بحكم عدة سنوات في قضية اغتصاب مع سبق الإصرار والترصد، ألا يتطلب ذلك حكمًا مشددًا؟!
7- الخبز والمحليات وغلاء الأسعار: وصل العنف لحالات القتلى في طوابير الخبز كأزمة اقتصادية وإدارية، وكذلك طوابير انتخابات المحليات الأخيرة كأزمة سياسية، هل نعود لنبدأ من الخبز وغلاء الأسعار وتدمير شامل للفقراء بل للطبقة الوسطى التي تعد أساس المجتمع.
* لجنة شئون الأحزاب تعرقل تأسيس الأحزاب الجديدة، خصوصًا التي يحتمل أن يكون لها تأثير حقيقي مثل أحزاب الوسط والكرامة؛ مما أدى لصراع القيادات الحزبية عند الاختلافات؛ حيث استحالة الحصول على رخصة حزب جديد، فمثلاً الخلاف الذي حدث في الوفد والأحرار نزاع سياسي لا بد من حسمه بالطرق السلمية، وعند تعذر ذلك في الدول الديمقراطية تتجه القيادات للانفصال عن الحزب المتنازع عليه وتأسيس حزب جديد طالما تتوافر مؤهلات قيادة الأحزاب؛ حيث البقاء للأصلح من حيث الوجود في الشارع.
إن شرعية الدولة لا بد أن تشمل شرعية الأحزاب السياسية التي قامت الدولة بترخيصها، مع ضرورة توفير الحماية القانونية والأمنية لهذه الأحزاب (في مواجهة القوى غير المشروعة التي تدعي الدولة أنها متطرفة)، حتى لا تتفاقم الخلافات كما حدث مثلاً في حزب الوفد.
- ربع قرن لم يفرز لنا زعيمًا سياسيًّا واحدًا لحزب واحد مرخص له من لجنة شئون الأحزاب، ويستحق هذا الزعيم دعم الجماهير، ويستطيع التنافس بقوة وبشرف على انتخابات الرئاسة, إما أن تكون مصر ليست ولادة أو يكون العيب في الدولة التي تقوم بدفن هذه القيادات من خلال فعاليات لجنة شئون الأحزاب وبقية الأجهزة الأخرى!!.
* هل نداري يا سادة أو نداوي، العنف أصبح من شتى عناصر المجتمع من الدولة ضد المجتمع، خصوصًا المعارضين، ومن المجتمع- إذا تمكن- ضد رموز ومؤسسات الدولة وفيما بين شرائح المجتمع المختلفة.
* مناخ العمل العام في مصر يهدد بكارثة؛ فالوسائل لحل الاختلاف والخلاف ليست مشروعة ولا مسبوقة، ولا يوجد سبب لذلك إلا أن الأهداف ليست نزيهة.
* لقد بدأ الحراك السياسي في مصر منذ بداية 2005م بمبادرة الرئيس الإيجابية بتعديل المادة 76 من الدستور، وبالرغم من أن كل التعديلات تحتاج لتعديلات أخرى إلا أن المبادرة كانت نقطة بداية الحراك الذي لن يتوقف، ولا بد أن ينتبه المسئولون والجميع لضرورة وجود قنوات لهذا الحراك، وانسداد القنوات لا يمكن أن يفرز غير الانفجار الذي لا يستطيع أحد أن يتوقع كيفيته وتوقيته، فمن البديهي أن يكون الانفجار غير مسبوق طالما أن العنف كان كذلك.
---------------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة الحوار