في تصعيد غير مسبوق شنَّت قوات أمن الدولة حملةً قبيل فجر الخميس 14/5 على بيوت وشركات عدد من قيادات الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم الدكتور أسامة نصر الأستاذ بطب الإسكندرية، ومنهم شخصيات بارزة ورجال أعمال ويعمل ثلاثةٌ منهم في سكرتارية المرشد العام الأستاذ محمد مهدي عاكف، وآخرون في الأقسام المركزية، خاصةً في مجال العمل العام.
وحتى الآن تمت مداهمة 3 شركات لبعضهم وأخرى ليست ملكًا لهم، بل يعملون فيها كمستشارين، لا يربطها شيء بالنشاط الفكري أو السياسي لهؤلاء الذين قضت نيابة أمن الدولة العليا- كالمعتاد دون تمحيص الأدلة أو القرائن- بحبسهم 15 يومًا!!، وسيقوا مظلومين إلى أبشع سجن في القاهرة سجن القاهرة الاحتياطي المعروف بسجن "المحكوم" بجوار "ليمان طرة" الشهير، الذي شهد في الخمسينيات المذبحة الشهيرة للإخوان، والتي قضى أكثر من 30 من الإخوان نحبه فيها.
من هؤلاء من سبق اعتقاله وحُكِمَ عليه بالسجن في قضية عسكرية، مثل د. محمد سعد عليوة استشاري جراحة المسالك والنقابي الشهير، الذي تمَّ الإفراج عنه في آخر مرة؛ بسبب أزمة قلبية دهمته كادت تودي بحياته أثناء زيارة أسرته له في سجن المزرعة، والذي مكث 3 سنوات معنا في القضية 11 جنايات عسكرية 1995، ثم حوكم عسكريًّا مرةً أخرى في قضية النقابيين الشهيرة بعد الإفراج عنه بسنة عام 1999، وقضى الضباط العسكريون ببراءته من نفس التهمة التي مكث بسببها سابقًا 3 سنوات.
ومنهم د. عصام الحداد الذي يحلُّ للمرة الأولى ضيفًا على سجون مبارك، وهو ناشط طلابي قديم، رأَس اتحاد طلاب جامعة الإسكندرية في السبعينيات، ثم اتجه إلى العمل الاقتصادي بعيدًا عن الطب، وله شقيق وشريك يقبع خلف الأسوار منذ أكثر من سنتين؛ هو المهندس مدحت الحداد الذي يقضي للمرة الثانية 3 سنوات جديدة بعد 3 سنوات قضاها مع النقابيين، وقد أُغلقت شركات أخيه وها هي شركاته يتم إغلاقها أيضًا.
ومنهم المهندس علي عبد الفتاح الذي تعب من عدِّ مرات اعتقاله، وقال لرئيس نيابة أمن الدولة في آخر مرة قبل أقل من سنة: هذا الفيلم شاهدته من قبل 11 مرة، وامتنع كغيره من الإجابة عن الأسئلة المكررة والمحفوظة التي يوجهها إليه عضو النيابة الذي أعتقد أنه ملَّ هو أيضًا من تكرار ذلك المشهد بصورة شهرية أو أسبوعية، عندما يمثُلُ أمامه أعضاءٌ لا ينكرون أنهم من الإخوان المسلمين، ولا يتم توجيه تهم بالإرهاب أو العنف ضدهم، وعندما يُصدر المحامي العام لنيابات أمن الدولة المستشار هشام بدوي قرارًا بإخلاء سبيل بعضهم لظروف صحية أو تُقرِّر محكمة الجنايات قبول تظلمهم من قرار حبسهم احتياطيًّا يتم اعتقالهم من جديد بقرار إداري من وزير الداخلية؛ في استخفافٍ تامٍّ بالقضاء المصري في صورة تُظهر عدم احترام أحكام القضاء أو حتى قرارات النيابة.
ومنهم الصديق د. إبراهيم مصطفى الذي يواجه هو وأسرته ذلك الموقف للمرة الأولى بعد اعتقالات سبتمبر الشهيرة في عام 1981، وليس له نشاط إخواني بارز، ويشغل موقع المدير التنفيذي لمشروع علاج الأطباء وأسرهم، ويديره بكفاءة عالية، ويعدُّ أحد الخبراء القلة في مصر في التأمين الصحي الخاص، وقد علمت بالخبر من شقيقته التي بادرت بالاتصال بي بحكم الخبرة السابقة وعلاقة العمل، تستشيرني كيف تتصرف!!.
آخرون من كرام الناس وأفضل المصريين دُهِمَت بيوتُهم بليل وهي تحوي الكَرِيمات والشَّرِيفَاتِ، ورُوِّع أولادُهم في جنح الظلام، وبعضهم انحنت ظهورهم على المكاتب يستذكرون دروسهم استعدادًا للامتحانات التي طرقت أبوابهم أو على وشك البدء.
ولا أنسى عندما اتصلت ببيت الأخ الحبيب د. محمد سعد فردَّت عليَّ ابنته "آلاء" وهي تحبس دموعها وتقول: "حسبنا الله ونعم الوكيل".. آلاء اليوم تستعد لامتحان الشهادة الإعدادية وهي التي وفدت على دنيا الناس وأبوها محبوس في القضية العسكرية وأمها حامل فيها، ثم كانت زينة الزيارة نحملها أثناء تجوُّلها في مكان الزيارة بين الأسر المكلومة، تتقاذفها الأيادي وتتعالى ضحكاتها البريئة.
ما الجديد في تلك الهجمة البربرية؟!
تأتي هذه الحملة قبل واحد من "يوم الغضب" الذي اتفقت عليه جميع القوى الوطنية الموافق لذكرى النكبة الأولى، ليتزامن معها ومع مشروع قرار صهيوني يمنع فلسطينيِّي 1948 من الاحتفال بذكرى النكبة، فهل هذا مجرد توافق أم أنه اتفاق؟! هل الهدف هو إجهاض غضب المصريين، وفي القلب منهم الإخوان المسلمون، ضد العدو الصهيوني واحتلاله لأرض فلسطين؟!
وتأتي هذه الحملة بعد تحريض إعلامي غير مسبوق ضد المرشد العام للإخوان شخصيًّا، قاده صحفيو الأمن ورجال لجنة السياسات الذين تم تعيينهم مؤخرًا في مواقع رئاسة تحرير صحف ومجلات قومية، بل على صفحات (الأهرام) شبه الرسمية، حملات صحفية على الإخوان في (روزاليوسف) التي نشرت قبيل القبض على المجموعة نص مذكرة مباحث أمن الدولة والتي تمَّ مواجهة الإخوان أمام النيابة بما جاء فيها من اتهامات، وفي (المصور) في عهدها الجديد برئاسة رئيس تحرير كان شغله الشاغل قبل ذلك ملفين: الإخوان والسودان، فإذا به يتفرغ تمامًا للإخوان، وكذلك (المصري اليوم) التي كان لها سبق صحفي بإدارة قضية عسكرية للإخوان هي ما شنعت عليه باسم "ميليشيات طلاب الأزهر" الذين تم إخلاء سبيلهم جميعًا، بينما تمت مصادرة أموال وشركات عدد ضخم من رجال الأعمال، وتم تخريب شركات من تمَّ الإفراج عنه منهم؛ بسبب حملة صحفية كاذبة لصحيفة يملكها عدد من أكبر رجال الأعمال الجدد الذين يقودون حملة التطبيع مع العدو الصهيوني.
هناك صحف أخرى ومواقع إلكترونية كذلك تقوم بنفس الدور المشبوه في التحضير للهجمات الأمنية ضد الإخوان، وهذا يحتاج إلى قراءة التحليلات التي كتبها متخصصون حول العلاقة المشبوهة بين أجهزة الأمن والمخابرات وبين الإعلام في مصر وفي غيرها، وعلاقة ذلك بالإستراتيجية الصهيونية والأمريكية لتحويل انتباه الشعوب عن الخطر الصهيوني إلى أخطار أخرى؛ مما تؤكده تصريحات "نتنياهو" و"فيلتمان" المرشح لشغل سفير لأمريكا بالمنطقة، ويشغل مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية، التي أوضحت أن غالبية الحكومات والنظم العربية في تطور غير مسبوق، باتت ترى الخطر الإيراني أهم من الخطر الصهيوني، ويتحدثون إلى الدبلوماسيين الأمريكيين حول قلقهم من إيران أكثر من حديثهم عن القضية الفلسطينية.
وتأتي هذه الحملة في إطار حديث الرئيس مبارك عن أن الإخوان يمثلون خطرًا على الأمن القومي المصري، وبعد الحملة التي واكبت القبض على ما يُعرف بـ"خلية حزب الله" من حديث في (الأهرام) عن محور يضمُّ دول "إيران وسوريا وقطر" ومنظمات شعبية كالإخوان وحزب الله وحماس وقنوات فضائية كـ(العالم) و(المنار) و(الجزيرة)، في خلطة عجيبة تنبني بالمثل المعروف: "يكاد المريب يقول خذوني" أو المثل العربي القديم "رمتني بدائها وانسلت"؛ لأنك ببساطة يمكنك استبدال كل الأسماء السابقة بأخرى لتتبيَّن لك حقيقة الأمر.
ثم تأتي هذه الحملة قبل زيارة الرئيس الأمريكي "أوباما" إلى مصر ليقول له النظام إن التعامل مع الإخوان خط أحمر، وإن الحديث إلى الإخوان من المحرمات، وإن هيئةً تشغل 20% من مقاعد البرلمان ويؤيدها حوالي 30- 40% من الشعب المصرى خارج الإطار.
فخشية النظام من الإخوان مثل خشيته تمامًا من إيران، وحوار أمريكا مع إيران استدعى زيارةً من وزير دفاع أمريكي لطمأنة المذعورين، فما بالك بحوار أمريكي مع الإخوان؟ إنه يستدعي زيارة أوباما شخصيًّا.
بعد قراءة مذكرة التحريات وأحد التحقيقات مع الأستاذ العزباوي؛ تبين أن الهدف كان ما شاع عنه اسم "التنظيم الدولي" والذي أوضحت التحليلات الرصينة أنه ليس أكثر من مجرد إطار تنسيقي بين الإخوان في البلاد المختلفة والتي يجمعها إطار فكري واحد تنتمي إلى مدرسة منهجية واحدة، ولها مرجعية واحدة، ولكنها مستقلة في قراراتها وسياستها المحلية والإقليمية والدولية، وهذا ما تبين جدليًّا في الأزمات المتتالية من "غزو الكويت" انتهاءً بما حدث في الجزائر مؤخرًا.
وعلى هامش ذلك الهدف الجلي كان استهداف سكرتارية المرشد شخصيًّا في رسالة واضحة، لعل الضجر من تصريحات المرشد القوية هو السبب.
الجديد أيضًا هو توجيه تهمة ثبَت أمام المحكمة العسكرية تهافتها، وهي "غسيل الأموال".
الواضح أن الرسالة هذه المرة مرتبطة بالحملة الإعلامية الأمنية التي استمرت خلال الشهور الماضية ضد 3 دول "إيران وسوريا وقطر" و3 هيئات إسلامية هي "حزب الله والإخوان المسلمين وحماس" و3 قنوات فضائية هي "الجزيرة والعالم والمنار"، وهي حملة عجيبة وشاذة؛ حيث ارتبطت بمفهوم أغرب للأمن القومي والوطني، وحدَّدت أعداءً جددًا لمصر لم تعرفهم طوال تاريخها، وتدنَّت فيها مكانة مصر إلى مستوى غير مسبوق في تاريخها؛ حيث تدخل صراعات مع كيانات لا تستوي معها في المكانة أو التاريخ.
هل هي الهيستريا التي أصابت معسكر المعتدلين بعد التقارب الأمريكي الإيراني وفتح قنوات حوار مع حزب الله وحماس واتجاه سوريا لبناء حلف سوري- إيراني- تركي، رغم نفي الرئيس السوري ذلك.
هل ضاعت آمال مصر في دور إقليمي بعد 30 سنة من معاهدة السلام؟ وهل كان الثمن لمصر هو المعونة الأمريكية التي بدأ العد التنازلي للتخلي عنها، وبذلك تكون الفاتورة الأمريكية قد تم سدادها؟
إلى أين تسير مصر؟ هذا هو السؤال.. أما الإخوان فكثيرًا ما تعرضوا لمثل هذه الحملات، وكانت النتيجة مزيدًا من التعاطف الشعبي ومرور العواصف وبقاء الإخوان ثابتين على مبادئهم ومنهجهم.