بعد مصر والسودان نتناول اليوم ما ورد عن العراق في محاضرة وزير الأمن الداخلي الصهيوني "آفي ديختر"، التي ألقاها يوم 4 سبتمبر 2008م، في معهد أبحاث الأمن القومي "الإسرائيلي"، والتي كان أهم ما جاء فيها:
- أن تحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس أقل أهميةً وحيويةً عن تكريس وإدامة تحييد مصر.
- وإن كان تحييد مصر قد تحقق بوسائل دبلوماسية، لكن تحييد العراق يتطلب استخدام كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة؛ حتى يكون التحييد شاملاً كاملاً.
- وإن المعادلة الحاكمة لـ"إسرائيل" في البيئة العراقية تنطلق من مزيدٍ من تقويض حزمة القدرات العربية في دولها الرئيسية من أجل تحقيق المزيد من الأمن القومي لـ"إسرائيل".
- العراق الذي ظل في منظورنا الإستراتيجي التحدي الإستراتيجي الأخطر بعد أن تحول إلى قوة عسكرية هائلة, فجأةً تلاشى كدولة، وكقوة عسكرية بل وكبلد واحد متحد, العراق يُقسَّم جغرافيًّا، وانقسم سكانيًّا، وشهد حربًا أهلية شرسة ومدمرة أودت بحياة بضع مئات الألوف.
- وإن تحليلنا النهائي وخيارنا الإستراتيجي هو أن العراق يجب أن يبقى مُجَزَّأً ومنقسمًا ومعزولاً داخليًّا بعيدًا عن البيئة الإقليمية.
- وليس بوسع أحد أن ينكر أننا حققنا الكثير من الأهداف في العراق أكثر مما خططنا وأعددنا له.
فنحن لم نكن بعيدين عن التطورات هناك منذ عام 2003م.
- وما زال هدفنا الإستراتيجي هو عدم السماح لهذا البلد أن يعود إلى ممارسة دور عربي وإقليمي؛ لأننا سنكون أول المتضررين.
- ونحن نستخدم في ذلك كل الوسائل غير المرئية على الصعيد السياسي والأمني لتحقيق أهدافنا.
- وذروة أهداف "إسرائيل" هو دعم الأكراد بالسلاح والتدريب والشراكة الأمنية من أجل تأسيس دولة كردية مستقلة في شمال العراق تسيطر على نفط كركوك وكردستان.
- ولقد كان من المستحيل أن تنجح إسرائيل في تحقيق ما حققته الولايات المتحدة في العراق إلا باستخدام عناصر القوة لديها بما فيها السلاح النووي.
- وإن استمرار وجود الولايات المتحدة في العراق لعقد أو عقدين سيكون ضمانة لـ"إسرائيل" ضد عودة العراق لمواجهة "إسرائيل".
- وإن الاتفاقية الأمنية الأمريكية العراقية ستتضمن بنودًا تضمن تحييد العراق في أي حرب مع سوريا أو لبنان أو إيران، كما تضمن عدم السماح للعراق بالالتزام بأي مواثيق تعادي "إسرائيل" مثل معاهدة الدفاع العربي المشترك.
*****
وقبل أن نعرض نص المحاضرة، نراجع معًا ما جاء في وثيقة صهيونية أخرى حول العراق، نشرتها مجلة (كيفونيم) لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية عام 1982م تحت عنوان "إستراتيجية إسرائيل في الثمانينات"، ونشرناها نحن بعنوان: "الوثيقة الصهيونية لتفتيت الأمة العربية"؛ حيث جاء فيها ما يلي:
- إن العراق لا تختلف كثيرًا عن جارتها؛ ولكن الأغلبية فيها من الشيعة، والأقلية من السنة؛ حيث إن 65% من السكان ليس لهم أي تأثير على الدولة التي تشكل الفئة الحاكمة فيها 20% إلى جانب الأقلية الكردية الكبيرة في الشمال.
- ولولا القوة العسكرية للنظام الحاكم، وأموال البترول؛ لما كان بالإمكان أن يختلف مستقبل العراق عن ماضي لبنان وحاضر سوريا.
- إن بشائر الفرقة والحرب الأهلية تلوح فيها اليوم، خاصةً بعد تولي الخميني الحكم، والذي يعتبر في نظر الشيعة العراقيين زعيمهم الحقيقي، وليس صدام حسين.
- إن العراق الغنية بالبترول والتي تكثر فيها الفرقة والعداء الداخلي هي المرشح التالي لتحقيق أهداف "إسرائيل".
- إن تفتيت العراق هو أهم بكثير من تفتيت سوريا؛ وذلك لأن العراق أقوى من سوريا.
- إن في قوة العراق خطورة على "إسرائيل" في المدى القريب أكبر من الخطورة النابعة من قوة أية دولة أخرى.
- وسوف يصبح بالإمكان تقسيم العراق إلى مقاطعات إقليمية طائفية كما حدث في سوريا في العصر العثماني.
- وبذلك يمكن إقامة ثلاث دويلات أو أكثر حول المدن العراقية: دولة في البصرة، ودولة في بغداد، ودولة في الموصل، بينما تنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن الشمال السني الكردي في معظمه.
*****
نص المحاضرة
ليس بوسع أحد أن ينكر أننا حققنا الكثير من الأهداف على هذه الساحة؛ بل وأكثر مما خططنا له، وأعددنا في هذا الخصوص، يجب استحضار ما كنا نريد أن نفعله، وننجزه في العراق منذ بداية تدخلنا في الوضع العراقي منذ بداية عقد السبعينيات من القرن العشرين, جل وذروة هذه الأهداف هو دعم الأكراد؛ لكونهم جماعة أثنية مضطهدة من حقها أن تقرر مصيرها بالتمتع بالحرية، شأنها شأن أي شعب.
في البداية كان المخططون في الدولة وعلى رأسهم "أوري ليبراني" المستشار الأسبق لرئيس الوزراء ثم سفيرنا في تركيا وإثيوبيا وإيران؛ قد حدد إطار وفحوى الدعم "الإسرائيلي" للأكراد، هذا الدعم كان في البداية متواضعًا (دعم سياسي وإثارة قضية الأكراد وطرحها فوق المنابر)، لم يكن بوسع الأكراد أن يتولوها في الولايات المتحدة وفي أوروبا وحتى داخل بعض دول أوروبا، كان دعمًا ماديًّا أيضًا؛ ولكنه محدود.
التحول المهم بدأ عام 1972م، هذا الدعم اتخذ أبعادًا أخرى أمنية؛ مدَّ الأكراد بالسلاح عبر تركيا وإيران، واستقبال مجموعات كردية لتلقي التدريب في "إسرائيل" بل وفي تركيا وإيران.
هكذا أصبح هذا الدعم المحرك لتطور مستوى العلاقات الإستراتيجية بين إسرائيل والأكراد, وكان من المنتظر أن تكون له نتائج مهمة؛ لولا أن إيران الشاه والعراق توصلا إلى صفقة في الجزائر عام 1975م, هذه الصفقة وجهت ضربة قوية إلى الطموح الكردي؛ لكن- وفق شهادات قيادات "إسرائيلية"- ظلت على علاقةٍ بزعيم الأكراد مصطفى البرزاني، الأكراد لم يتملكهم اليأس, على العكس ظلوا أكثر إصرارًا على الاستمرار في صراعهم ضد السلطة في بغداد.
بعد انهيار المقاومة الكردية كنتيجةٍ للاتفاق مع إيران؛ توزعت قياداتهم على تركيا وسوريا و"إسرائيل"، "إسرائيل"- وانطلاقًا من التزام أدبي وأخلاقي- كان من واجبها أن تظل إلى جانب الأكراد، وتأخذ بأيديهم إلى أن يبلغوا الهدف القومي الذي حددوه؛ تحقيق الحكم الذاتي في المرحلة الأولى ومرحلة الاستقلال الناجز بعد ذلك.
لن أطيل في حديثي عن الماضي, يجب أن ينصبَّ حديثي على أن ما تحقق في العراق فاق ما كان عقلنا الإستراتيجي يتخيله.
الآن في العراق دولة كردية فعلاً, هذه الدولة تتمتع بكل مقومات الدولة: أرض، شعب، دولة، وسلطة، وجيش، واقتصاد ريعي نفطي واعد, هذه الدولة تتطلع إلى أن تكون حدودها ليست داخل منطقة كردستان؛ بل ضم شمال العراق بأكمله؛ مدينة كركوك في المرحلة الأولى، ثم الموصل، وربما إلى محافظة صلاح الدين، إلى جانب جلولاء وخانقين.
الأكراد؛ حسب ما لمسناه خلال لقاءات مع مسئولين صهاينة؛ لا يدعون مناسبة دون أن يشيدوا بنا، وذكروا دعمنا، وثمنوا مواقفنا، والانتصار الذي حققوه في العراق فاق قدرتهم على استيعابه.
وبالنسبة لنا لم تكن أهدافنا تتجاوز دعم المشروع القومي الكردي؛ لينتج كيانًا كرديًّا أو دولة كردية، لم يدر بخلدنا لحظةً أن تتحقق دفعة واحدة مجموعة أهداف نتيجة للحرب التي شنتها الولايات المتحدة، وأسفرت عن احتلاله، العراق الذي ظل في منظورنا الإستراتيجي التحدي الإستراتيجي الأخطر بعد أن تحول إلى قوة عسكرية هائلة, فجأةً العراق يتلاشى كدولة وكقوة عسكرية؛ بل كبلد واحد متحد, العراق يُقَسَّم جغرافيًّا، وانقسم سكانيًّا، وشهد حربًا أهلية شرسة ومدمرة أودت بحياة بضع مئات الألوف.
إذا رصدنا الأوضاع في العراق منذ عام 2003 فإننا سنجد أنفسنا أمام أكثر من مشهد:
1- العراق منقسم على أرض الواقع إلى ثلاثة كيانات أو أقاليم رغم وجود حكومة مركزية.
2- العراق ما زال عرضة لاندلاع جولات جديدة من الحروب والاقتتال الداخلي بين الشيعة والسنة، وبين العرب والأكراد.
3- العراق- بأوضاعه الأمنية والسياسية والاقتصادية- لن يسترد وضعه كم كان قبل 2003م.
نحن لم نكن بعيدين عن التطورات فوق هذه الساحة منذ عام 2003م, هدفنا الإستراتيجي ما زال عدم السماح لهذا البلد أن يعود إلى ممارسة دور عربي وإقليمي؛ لأننا نحن أول المتضررين، سيظل صراعنا على هذه الساحة فاعلاً ما بقيت القوات الأمريكية التي توفر لنا مظلة وفرصة لكي تحبط أية سياقات لعودة العراق إلى سابق قوته ووحدته، نحن نستخدم كل الوسائل غير المرئية على الصعيد السياسي والأمني، نريد أن نخلق ضماناتٍ وكوابح ليس في شمال العراق؛ بل في العاصمة بغداد، نحن نحاول أن ننسج علاقات مع بعض النخب السياسية والاقتصادية؛ حتى تبقى بالنسبة لنا ضمانة لبقاء العراق خارج دائرة الدول العربية التي هي في حالة حرب مع "إسرائيل", العراق حتى عام 2003م كان في حالةِ حربٍ مع "إسرائيل"، وكان يعتبر الحرب مع "إسرائيل" من أوجب واجباته، "إسرائيل" كانت تواجه تحديًّا إستراتيجيًّا حقيقيًّا في العراق, رغم حربه مع إيران لمدة ثمانية أعوام واصل العراق تطوير وتعزيز قدراته التقليدية والإستراتيجية بما فيها سعيه لحيازة سلاح نووي.
هذا الوضع لا يجب أن يتكرر، نحن نتفاوض مع الأمريكان من أجل ذلك, من أجل قطع الطريق أمام عودة العراق ليكون دولةً في مواجهةٍ مع "إسرائيل".
الإدارة الأمريكية حريصة على ضمان مصالحنا، وعلى توفير هذه الضمانات عبر وسائل مختلفة.
1- بقاء القوات الأمريكية في العراق لفترة لا تقل عن عقد إلى عقدين حتى في حالة فوز باراك أوباما الذي يحبذ سحب القوات الأمريكية حتى نهاية عام 2009م.
2- الحرص على أن تشمل الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية أكثر من بند يضمن تحييد العراق في النزاع مع "إسرائيل" وعدم السماح له بالانضمام إلى أية تحالفات أو منظومات أو الالتزام بمواثيق تتأسس على العداء ضد "إسرائيل"؛ كمعاهدة الدفاع العربي المشترك، أو الاشتراك في أي عملٍ عدائي ضد "إسرائيل" إذا ما نشبت حرب في المنطقة مع سوريا أو لبنان أو إيران.
إلى جانب هذه الضمانات، هناك أيضًا جهود وخطوات نتخذها نحن بشكل منفرد؛ لتأمين ضمانات قوية، لقطع الطريق على عودة العراق إلى موقع الخصم.
استمرار الوضع الحالي في العراق ودعم الأكراد في شمال العراق ككيانٍ سياسي قائم بذاته, يُعطي ضمانات قوية ومهمة للأمن القومي "الإسرائيلي" على المدى المنظور على الأقل.
نحن نعمل على تطوير شراكة أمنية وإستراتيجية مع القيادة الكردية رغم أن ذلك قد يثير غضب تركيا الدولة الصديقة، نحن لم ندخر جهدًا في سبيل إقناع الزعامة التركية؛ وعلى الأخص رجب أردوغان، وعبد الله جول، بل القادة العسكريون أن دعمنا للأكراد في العراق لا يمس وضع الأكراد في تركيا.
أوضحنا هذا أيضًا للقيادة الكردية وحذرناها من مغبة الاحتكاك بتركيا أو دعم أكراد تركيا بأي شكلٍ من أشكال الدعم, أكدنا لهم أن الشراكة مع "إسرائيل" يجب أن لا تضر بالعلاقة مع تركيا، وأن ميدان هذه الشراكة هو العراق في الوقت الحالي, وقد يتسع في المستقبل؛ لكن شريطة أن يتجه هذا الاتساع نحو سوريا وإيران.
مواجهة التحديات الإستراتيجية في البيئة الإقليمية يحتم علينا أن لا نغمض العين عن تطورات الساحة العراقية وملاحقتها؛ لا بالوقوف متفرجين، بل بالمساهمة بدور؛ كي لا تكون تفاعلاتها ضارة ومفاقمة للتحديات.
تحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس أقل أهميةً وحيويةً عن تكريس وإدامة تحييد مصر, تحييد مصر تحقق بوسائل دبلوماسية؛ لكن تحييد العراق يتطلب استخدام كل الوسائل المتاحة، وغير المتاحة حتى يكون التحييد شاملاً كاملاً.
لا يمكن الحديث عن استخدام خيار القوة؛ لأن هذا الشرط غير قائم بالنسبة للعراق، ولأن هذا الخيار مارسته القوة الأعظم في العالم, الولايات المتحدة, وحققت نتائج تفوق كل تصور, كان من المستحيل على "إسرائيل" أن تحققه إلا بوسيلة واحدة، وهي استخدام عناصر القوة بحوزتها بما فيها السلاح النووي.
تحليلنا النهائي أن العراق يجب أن يبقى مجزأً ومنقسمًا ومعزولاً داخليًّا بعيدًا عن البيئة الإقليمية, هذا هو خيارانا الإستراتيجي، ومن أجل تحقيقه سنواظب على استخدام الخيارات التى تُكرِّس هذا الوضع, دولةٍ كرديةٍ في العراق تُهيمن على مصادر إنتاج النفط في كركوك وكردستان.
هناك التزام من القيادة الكردية بإعادة تشغيل خط النفط من كركوك إلى خط IBC سابقًا عبر الأردن، وقد جرت مفاوضات أولية مع الأردن، وتم التوصل إلى اتفاقٍ مع القيادة الكردية, وإذا ما تراجع الأردن فهناك البديل التركي أي مدِّ خط كركوك ومناطق الإنتاج الأخرى في كردستان تتم إلى تركيا وإسرائيل, أجرينا دراساتٍ لمخطط أنابيب للمياه والنفط مع تركيا ومن تركيا إلى إسرائيل.
المعادلة الحاكمة في حركتنا الإستراتيجية في البيئة العراقية تنطلق من مزيدٍ من تقويض حزمة القدرات العربية في دولها الرئيسية من أجل تحقيق المزيد من الأمن القومي للكيان الصهيوني.
-------------