د. حلمي محمد القاعود

في الوقت الذي كان فيه البابا- بنديكيت السادس عشر، زعيم الفاتيكان- متجهًا إلى فلسطين المقدسة وما حولها؛ كان المسلمون في أكثر من مكان يتم ذبحهم مثل النعاج، بأيدي القوات الاستعمارية الصليبية أو وكلائها في أفغانستان، وباكستان، والعراق، والصومال، فضلاً عن الذبح اليومي للفلسطينيين في غزة والضفة!.
الملاحظ أن البابا جاء إلى فلسطين المحتلة في زيارة وصفت بالشخصية، أو قيل: إنها زيارة حج يقوم بها البابا بنفسه، وليست زيارة سياسية، بحكم أن الرجل يعد رئيس دولة لها علاقات دولية ومواقف سياسية.
وقد جاءت الزيارة والإعلان عنها عقب المحرقة التي صنعها اليهود النازيون الغزاة لشعب فلسطين في غزة، ويبدو أن الغاية الحقيقية من الزيارة إلى جانب الحج؛ تتمثل في الاعتذار العملي للغزاة النازيين اليهود عن التصريحات التي أدلى بها أحد الأساقفة في الفاتيكان؛ حيث شكَّك في المحرقة اليهودية التي اتهم بها هتلر، وقد رفع البابا الحرمان عن الأسقف بعد طرده إلى الأرجنتين، ثم إن البابا متهم من جانب اليهود بأنه كان في شبيبته- وهو في الرابعة عشرة من عمره- ضمن التنظيمات النازية الألمانية!.
ويبدو أن البابا يريد تبييض صفحته، فالمحرقة بالنسبة لليهود صنم يجب أن يعبده الكون أجمع، وإلا استحق من يكفر به لعنة اليهود والميديا الصليبية والعالم الاستعماري جميعه.
ويا ويله من تحل عليه اللعنة اليهودية.. حيث يطارد ماديًّا ومعنويًّا، بالوسائل العلنية والسرية حتى يتم تدميره، ولو كان البابا نفسه، فالكيان النازي اليهودي، ليس مجرد كيان يضم مجموعة من المخلوقات تنتمي إلى شعوب العالم المختلفة؛ ولكنه "قاعدة" عسكرية استعمارية صليبية بالأساس، تقوم بترويع العرب والمسلمين جميعًا، بأحدث الأسلحة التي ترد إليها من عواصم العالم الاستعمارية، وفي مقدمتها واشنطن ولندن وبرلين وباريس. ومن ثمَّ فالغزاة لا يستمدون قوتهم من ذاتهم بقدر ما يأخذونها من قوى الشر والتوحش في عواصم الاستعمار الصليبي؛ ولأن القاعدة النازية اليهودية استأسدت بعد أن اغتنت وكبرت وتعملقت وتغولت؛ فقد صار المستعمرون المتوحشون حريصين على إرضائها، وتنفيذ طلباتها لتظل مخلصة في أداء الدور الإرهابي النازي ضد العرب والمسلمين المكلفة به، فهي تعرف كيف تستثمر المواقف المختلفة، وتبتز من يحتاجها أو يريد مساندتها!!.
بعض العرب المسلمين الموالين للعالم الاستعماري الصليبي من دون الله، ظنوا أن زيارة البابا ستكون فرصةً لتجميل وجوههم المشوَّهة أمام الشعوب العربية الإسلامية، ولكن البابا خيَّب ظنهم؛ فقد كان أول عمل قام به، أنه امتهن حرمة مسجد الملك حسين ودخله بحذائه مستهينًا بكرامة المسجد والعرب والمسلمين جميعًا، ولم يجد من ينبهه إلى سوء أدبه مع مكان إسلامي مقدس، ثم بكى قداسته أمام المحرقة اليهودية، وتذلل أمام النصب اليهودي، وذهب إلى حائط البراق عند المسجد الأقصى الذي سماه اليهود الغزاة القتلة باسم "هيكل سليمان" لأول مرة رسميًّا أمام الإعلام الدولي (كانوا من قبل يطلقون عليه اسم الحرم الشريف)، لم يشر قداسته إلى محرقة غزة بكلمة، وهي المحرقة التي لا يشكِّك فيها أحد لأن الناس جميعًا رأوها- بمن فيهم البابا- على شاشات التلفزة.
لقد اكتفى البابا بالكلام العائم عن السلام والمحبة، وقال لرئيس سلطة رام الله: "يجب على الفلسطينيين مقاومة غواية العنف والإرهاب!"، يعني قداسته يدين الفلسطينيين عشاق العنف والإرهاب أو ما يسمى المقاومة، ويفتح الطريق لمزيد من محارق الفلسطينيين.. لم يقل البابا للقتلة النازيين اليهود كفوا عن قتل الفلسطينيين، وتدمير بيوتهم، ومساجدهم، ومستشفياتهم، ومدارسهم، وجامعاتهم بالطائرات النفاثة والأباتشي والدبابات والمدفعية والرشاشات.
البابا رجل عملي بكل تأكيد، ويعلم أنه الأب الروحي للعالم الاستعماري الصليبي المتوحش، وهدفه المعلن هو تنصير العالم الإسلامي، وإدخال المزيد من الوثنيين إلى دائرة الإيمان الصليبي- لا أقول المسيحي؛ لأن قداسته لا ينفذ تعاليم المسيح عليه السلام الذي يأمر بعدم القتل والظلم- وكان أمرًا جيدًا بالنسبة له في أثناء الزيارة؛ أن يعلم الناس عن وجود شبكة تنصير ضخمة في أفغانستان، تستغل فقر الشعب المسلم ومأساته؛ لتنشر الدعوة إلى الإيمان الصليبي، وتكوين قاعدة شعبية صليبية متعصبة في البلد الذي لا يوجد به "صليبي" واحد!.
ويعلم الناس- وإن كانوا لا يتكلمون- أن أفغانستان وباكستان وبنجلاديش والهند- فضلاً عن العراق- تشهد عملية تنصير واسعة النطاق، منذ بداية قدوم القوات الهمجية الاستعمارية الصليبية إلى كابول وبغداد، وكان في مقدمة دبابات الغزو آلاف المنصِّرين الذين راحوا- وما زالوا- يعملون بهمة ونشاط من أجل زيادة المؤمنين بالإيمان الصليبي.. وفي الوقت الذي يستمر فيه ذبح المسلمين بمنتهى الضراوة والوحشية؛ تجري عملية التنصير في أرجاء البقع الإسلامية الفقيرة تحقيقًا لخطة البابا الذي لم يخف حقده على الإسلام، واتهامه علنًا بنشر عقيدته بالسيف منذ تنصيبه بابًا للفاتيكان!!.
ونسي أن أوروبا المعاصرة تواجه اليوم مسلمين لا يعرفون السيف ولا علاقة لهم به، ويزداد عددهم حول الفاتيكان مع مطلع كل يوم دون قطرة دم واحدة!!.
السيف الصليبي يعمل الآن بهمة ونشاط في قطع رقاب المسلمين دون رحمة أو هوادة، فهو يصف المسلمين بالإرهابيين الذين يجب استئصالهم وتصفيتهم تقربًا إلى "الصليب المقدس" في الفاتيكان، وإن كان البابا يرسل كلامًا حلوًا عذبًا عن السلام والمحبة والأخوة بين الشعوب والإنسانية التي تسع العاصي والتائب جميعًا.
في أفغانستان يتم القتل بنسف البيوت على رءوس من فيها بوساطة القصف الجوي المستمر، واقتحام مشاة البحرية لبيوت الفقراء البائسين؛ بحثًا عن الإرهابيين المزعومين، فيتم القتل والتدمير دون تفرقة بين مريض وعجوز، وطفل وشيخ، وامرأة وشاب.
إنه القتل تقربًا إلى البترول وبحر قزوين والمسيح، والمسيح- عليه السلام- براء من حملة السيف ومن أتباعهم!!.
لقد بلغ القتل حدًّا جعل رجل أمريكا في كابول المسمى "كرزاي" يغضب، ويرفض قصف مواطني بلاده، وينتقد ما تقوم به الطائرات الأمريكية الجبارة، ويرد عليه وزير الدفاع "جيتس" بأن قواته تدقق في ضرب المواقع الأفغانية، وتتجنب المدنيين؟!، وياله من رد صفيق؛ يعترف بالجريمة ويدعي الإنسانية!!.
ثم انظر ما يجري في وادي سوات، ولا يتكلم عنه المسلمون، ولا من يزعمون الاهتمام بأمر أهل السنة، فالإصرار على قتل المسلمين هناك بالحجة ذاتها "الإرهاب".
وتقوم طائرات بدون طيار، بقصف السكان بمنتهى الوحشية، وتعود إلى قواعدها سالمة!!، وحكومة رجل أمريكا المدعو "زرداي" في باكستان تجيّش القوات المسلحة الباكستانية، وتسحبها من الحدود الهندية لتقتل شعبها؛ إرضاءً للسيد الأمريكي الاستعماري الصليبي الذي رفض تطبيق الشريعة في وادي سوات، وعدَّه أمرًا خطيرًا يهدِّد الحياة المدنية، ويدعم ما يسميه حكم طالبان!!، ولا بأس أن يشاهد الناس الملايين من الفقراء الباكستانيين ينزحون من أراضيهم إلى المجهول!!.
أما القتل في العراق والصومال وفلسطين فهو على مدار الساعة، إن لم يكن بالسلاح الأمريكي مباشرة فبالوكالة؛ حيث يقوم العملاء أو النواب بذبح المسلمين وتهجيرهم بمئات الألوف، وحدّث ولا حرج عن الخراب والدمار والموت البطيء!!.
ومن بعيد يأتي البابا بنديكيت السادس عشر؛ ليطلب من الفلسطينيين عدم الاستجابة لغواية العنف والإرهاب، دون أن يقول للقتلة النازيين اليهود كلمة واحدة ليكفوا عن القتل، وهو لا يقول أبدًا لأذرعه العسكرية في واشنطن والعواصم الاستعمارية الصليبية: كفوا عن القتل.. بل هو سعيد بقتل الكفرة الوثنيين- أي المسلمين- ثم يدعوهم- وياللمفارقة- إلى الحوار الجاد، لتعيش الأديان في سلام.. وسلم لي على السلام.. وعلى الأرض السلام!!.
----------------