بدايةً نحن نفهم المقصود بالتكليف الشرعي في نص الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا (36)﴾ الأحزاب)، وفي نص الحديث الشريف: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي"، إنها الشريعة.

 

إذ إن الشريعة باعتقادنا لا تنفصل عن الواقع، ولا تضاد متطلباته؛ بل هي كما وصفها ابن القيم: "عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة؛ وإن أدخلت فيها بالتأويل"، هذه ثوابتنا من الداخل متجذرة في فهمنا وسلوكنا وحركتنا وسكناتنا، وتملأ أرواحنا.

 

إذاً نحن في غاية الوضوح اعتقادًا، وفكرًا، ورؤيةً، وقيمًا، وسلوكًا، رغم ذلك يصفنا البعض كما نُشر في مقال بـ(المصري اليوم)، وفي تحقيق بـ(مجلة أكتوبر) "أننا عضلات بلا عقل، وتنظيم بلا رؤية"، ويؤكد "أننا نراوح في مكاننا منذ ثمانين عامًا"، و"أننا نعيش مأزقًا وحالةً من التشوش الذهني المزمنة".

 

ووجه الاستغراب بعد الإطار الذي وضعتُه استرسالاً في بدء كلامي؛ أن يتم طرح هذه التساؤلات مرارًا وتكرارًا، رغم أننا نعطي إجابات واضحة ونلقي بخصوصها تصريحات لا لبس فيها.

 

 لقد خرجنا من بين قبضة النظام لنحظى بخُمْسِ مقاعد البرلمان رغم التزوير والتدخلات والقمع والقتل.

 

لقد حركنا الشارع في مناسبات عديدة، والحكومة، والحزب، والنظام يعجزون عن تسيير العشرات بالحافز، والتهديد، وندفع ضريبة مضاعفة راضين لا نكل ولا نمل في سبيل ثوابتنا، ومبادئنا، وقيمنا، وحقوق الشعب ومصالحه.

 

فهل هذه المؤشرات دلائل على تخبطنا وتراجعنا، ومراوحتنا في المكان، أو علامات على انفضاض الشعب من حولنا؟!. 

أم هي علامات على وضوح رؤيتنا ومؤشرات على تلاحمنا بالشعب وتجذرنا خلاله؟!

 

نحن نؤكد أننا بفضل الله كيان متماسك عصي على الانقسام والانشقاق، وما يروجه البعض من شائعات مجرد أمنيات لن ترى الواقع، وما يحدث بيننا من اختلافات وتباينات، وأحيانًا تجاذبات يؤكد على عمق الممارسة الشورية لدينا.

 

ومنذ نشأة الجماعة في عشرينيات القرن الماضي، نحن نعرف تمامًا ما نريد، وإن كان هناك عدد محدود من الاتجاهات في مصر يعرف بدقة ماذا يريد، ويخطط لعمله طبقًا للأسس العلمية والعالمية المتعارف عليها فنحن منهم.

 

لقد أثارت وما زالت القراءة الأولية لبرنامج حزب الإخوان التي أُرسِلَت 50 نسخة منها إلى شخصيات فكرية وسياسية- منذ عام ونصف تقريبًا- جدلاً واسعًا؛ رغم أن القراءة أولية، بمعنى أنها كانت خاضعةً للنقاش والحوار والحذف والإضافة، وعلى هذا الأساس تم استهداف النخب للوقوف على آرائهم تجاه التصورات المطروحة قبل الوصول إلى صياغة نهائية، وكنوع من المشاركة والتقدير.

 

لكن أظهرت المحاولة عدم وضوح الرؤى لدى بعض النخبة، واستعجالها إشعال المعارك، وتأجيج المشاعر.. 

ولكن: ألم يكن الحوار على الدوام أجدى والنقاش أعم نفعًا؟!.

 

- البرنامج المقترح عبارة عن رؤية سياسية لكيانٍ شعبي وفقًا لمرجعيته التي ارتضاها لنفسه، وهو اجتهاد بشري على أي حال.

 

- الرؤية السياسية المقترحة تقدمنا بها للصف الإخواني، وأبناء أمتنا؛ لنوضح  ونجيب على تساؤلات واستفساراتٍ، تراكمت على مدار عشرات السنين في وثيقة بالشكل الذي رآه البعض، وهي في النهاية ليست ملزمةً لأي تيارٍ سياسي آخر، والخيار فيها للشعب؛ إما أن يقبلها، أو يرفضها ويقبل غيرها.

 

- البرنامج المطروح أكثر من مائة صفحة يحوي ثمانية محاور رئيسية تتناول: الدولة، والنظام السياسي، والتعليم، والاقتصاد، والتنمية، والصناعة، والنهضة؛ لكن من العجيب أن يختزل البعض البرنامج كله في نقطتي ولاية المرأة والقبطي، مع أن البرنامج جاء ليُعلي من قيم الحرية والعدالة والمساواة، ويؤكد أمن وكرامة الإنسان- أي إنسان- كقيم عظمى جاءت الشريعة الإسلامية لترسخها وتثبتها، وأنا أحسب أن عددًا غير قليل لم يقرأ البرنامج كاملاً، وتناوله من خلال ما طُرح في بعض الصحف بإيجاز مخل أحيانًا، وانتقائية أحيانًا أخرى، ونحن نباهي ونفاخر بهذا البرنامج.

 

لذا أعتقد أن ما يتحدث عنه بعض النخب إما خيالات أو أشياء لا وجود لها في أفكارنا، أو تاريخنا، أو تصوراتنا، أو معتقداتنا، أو أمور حسمناها وأعلناها صراحة في مواثيقنا وإصداراتنا من خلال مؤسساتنا الشورية؛ وعلى الأخص منها قضية المرأة والأقباط، ونعود ونؤكد أن كل المناصب العليا تبعًا لرؤيتنا تُحسم بمعيار الكفاءة- ليس إلا- ما عدا رئاسة الدولة فهي يُشترط فيها الإسلام والذكورة، وعندنا من الأسانيد الشرعية والتاريخية والعقلية ما يدعم ذلك، فهل هذا الإقرار يتناقض مع مبادئ الديمقراطية أو يصطدم بقيم المساواة والتسامح؟ لكن الغريب أن نحاكم بما في ضمائرنا، ويُغَضَّ الطرف عما نقوله ونمارسه.

 

أيضًا أريد أن أوضح أن ما نسب إلينا بخصوص هيئة العلماء غير دقيق، ولقد قلت في تصريح لـ(المصري اليوم): "إننا لا نريدها بديلاً عن المحكمة الدستورية العليا، ولكن نعتبرها إحدى الهيئات الاستشارية للدولة وللمحكمة الدستورية العليا أن تستعين بها"، وأعتقد أنه لا مجال بعد هذا الإيضاح للحديث عن مجلس تشخيص مصلحة النظام أو النموذج الإيراني.

 

الإخوان المسلمون على الدوام- ولو نزلوا على رؤى الغير- عرضة للاتهام؛ اتهموا بأنهم لا يملكون برنامجًا سياسيًّا أو مشروعًا واقعيًّا للتغيير، واتُّهِموا بأنهم المستفيد الأول من الأزمة السياسية، واتُّهِموا بامتلاك عموميات لا تستند إلى تفاصيل وجزئيات، وحينما أعلنوا مبادرتهم للإصلاح في خريف 2004م قيل إنها محاولة مكشوفة للانقلاب على الشرعية والالتقاء بالمشروع الأمريكي؛ لفرض التغيير من الخارج بطرح أنفسهم كبديل.

 

وحينما أعلنوا أنهم يفكرون في إعداد برنامج حزبٍ سياسيٍّ، قيل إن هذه مناورةٌ للرد على اعتقال المهندس خيرت الشاطر وتحويله مع 40 من نخب الجماعة إلى المحاكمة العسكرية، وشدَّد رجال الأمن قبضتهم باعتقالات كثيرة، ومطاردات ربما للتأكيد على أن موضوع الحزب خط أحمر، لن يُسمَحَ بمجرد التفكير فيه!. 

لماذا لم تستوقف هذه الإجراءات البعض، وتستدعى منهم التفاتة أو استنكار أو إدانة؟!.

 

ونحن قادرون على استيعاب التحديات، والتعامل مع الواقع، ونملك من المرونة في الرؤى والحركة ما يمكننا من الصمود والبقاء، وهذا جدير بالبحث، والدراسة، والرصد، والاستقصاء.

 

كذلك أعتقد أن مطالبات البعض لنا بالتأسِّي بالتجربة الأردنية والمغربية واليمنية والكويتية والبحرينية إلى آخره تفتقر إلى الوضوح؛ فجل هؤلاء مدارس إخوانية؛ لكن الأَولى بالتأسِّي هو النظام بتهيئة الأجواء، والتخلي عن الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان، وتزوير إرادة الأمة على مدى عقود، والسماح بتعدد الأحزاب والقبول بالآخر، وأكرر ما قاله الأستاذ فهمي هويدي: "نحن في (عرض) أي انتخابات حرة، ونعجز حتى عن انتخاب عمدة في قرية، أو اتحاد للطلبة".

 

كما يجب أن تُطالَب الدولة باحترام قواعد اللعبة الديمقراطية، والالتزام بمبدأ تداول السلطة، وحرية الرأي والتعبير على الأقل؛ لتسبب لنا إحراجًا، وتورطنا برخصة قانونية نعمل من خلالها؛ ليرى الجميع ما نصنع، ولتسقط دعاوى البعض من أننا نستفيد من الأوضاع القائمة، وإن كنا نؤكد أننا نكتسب شرعية شعبية أعطتها لنا جماهير متحضرة بلغت مرتبة الرشد منذ آلاف الأعوام.

 

ونحن نمتلك من القدرات ما يؤهلنا لتطبيق مفردات الطرح على الواقع، والممارسة تتحدث عنا بمستوًى معقول من النجاح والإنجاز.

 

وأخيرًا: إن ما تشهده بلادنا من تراجع وانحدار في القيم والأخلاقيات، والاقتصاد، والتنمية، وانهيارٍ للممارسة الديمقراطية، والحقوق مدعاة لتضافر الجهود، والأيام القادمة ستثبت ذلك.

-----------------

* نائب بالبرلمان وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين.