لم تحظَ جولة الحوار الفلسطيني- الفلسطيني الأخيرة بذات الاهتمام والتغطية التي حظيت بها الجولات السابقة، بعد أن تحولت جولات الحوار لما يشبه المسلسلات المكسيكية، أو التركية التي تمتد لعشرات الحلقات في كر وفر بين "الأعدقاء"، جولات تتلوها جولات، اجتماعات لساعات ثم استراحة لأسابيع، لقاءات تنفضُّ على وعود ما يليها من لقاءات، والمحصلة "لا شيء"، نعم "لا شيء"، رغم كل التصريحات التي تتحدث عن اختراقات في هذا الملف أو ذاك، إلا أن الواقع على الأرض يعلن وبوضوح شديد أن الحوار يتجه نحو الفشل الذريع، إن لم يكن قد فشل فعلاً، وينتظر "تخريجة"؛ لإعلان الفشل.

 

الأطراف الرئيسية المتحاورة، أي حماس وأجنحة فتح تتصرف على أساس ما بعد فشل الحوار؛ رغم تخوف الجميع من تحميله مسئولية الفشل، وإصرارهم على الاستمرار في الحوار، كلٌ لغايةٍ تختلف عن الآخر.

 

رام الله تستعد لإعلان حكومة لا شرعية جديدة برئاسة فياض، وإن رفض لسبب من الأسباب، يكون الهبّاش بحسب التقارير الصحفية، الهبّاش الذي اعتبر مؤخرًا أن إنهاء "حكم" حماس في غزة واجب وطني وأخلاقي وديني؛ أما حماس فقد ثبتت وبشكل رسمي وزيرًا جديدًا للداخلية في حكومة تسيير الأعمال خلفًا للشهيد سعيد صيام، ولسان حال الجميع يؤكِّد حقيقةً واحدةً، يبقى الحال على ما هو عليه، أي بعبارة أخرى تؤكِّد ما ذهبنا إليه بأن الحوار قد انتهى فعليًّا.

 

لا يمكن بحال من الأحوال المساواة بين الأطراف، وكأنها تتقاسم المسئولية، العاقل المتابع للأحداث يعرف تمام المعرفة، لماذا بقي الحوار مراوحًا مكانه، ويعرف دور فريق رام الله في محاولة فرض رؤية الاحتلال على نتائج الحوار؛ حيث تحوَّل لوكيل حصري للاحتلال، يضرب بسيفه في الضفة، ويتحدث بلسانه في كل المنابر، ويناور للحصول على اعتراف بشرعيته المزعومة بأي ثمن، لكن في نفس الوقت فإن حماس أيضًا وباعتبارها الفصيل المقاوم الرئيسي تتحمل جزءًا لا يستهان به من المسئولية عن المماطلة والتسويف السلطوي في مسلسل الحوار ودوامته، المسلسل المتحول تدريجيًّا لما يشبه المؤامرة على غزة وأبنائها.

 

بصراحة أيضًا نقول: إن الاستمرار في الحوار بشكله وأسلوبه الحالي بلا سقف زمني، وفي ظل الممارسات والإجراءات الاستئصالية في الضفة الغربية، ودون رعاية جدية، وبلا ضمانات، قد يعني مشاركةً ولو ضمنيةً من المتحاورين جميعهم، دون استثناء في حصار غزة، وقبول بالوضع المأساوي هناك، والرضا عن المماطلة اللئيمة والمقصودة من قِبل فريق رام الله.

 

الحوار كما يجري الآن، هو تمامًا كالمفاوضات التي ما دامت وصفت بالعبثية، جولات تجري، وممارسات تخالفها على الأرض، والخاسر هو الشعب الفلسطيني، وربما أسوأ من المفاوضات العبثية؛ لأن هناك مليونًا ونصف المليون رهينةً، هم أبناء شعبنا في القطاع، الذين ربط مصيرهم بطريقة أو بأخرى بنجاح الحوار والمصالحة، المتحكم بها فريق سلّم ناصية أمره للمحتل.

 

على الفصائل الفلسطينية المتمسكة بحقوق شعبنا وثوابته أن تقف موقفًا حازمًا من هذه المماطلة في الحوار، ومن اشتراطات المحاور "الإسرائيلي" الذي يمثله التيار المختطف للقرار الفتحاوي، ومن المحاولات المتكررة لانتزاع اعتراف بـ"إسرائيل"، تارةً من خلال ما يسمى: الالتزام باتفاقات والتزامات منظمة التحرير الفلسطينية، وتارة أخرى شروط الرباعية، ومرة القبول بالمبادرة العربية التي بدأت تنكشف عورتها بإسقاط حق العودة، ومرة أخرى برنامج حكومة لا يعيد أو لا يبقي الحصار، على الفصائل أن تتخذ الموقف المناسب والمحسوب قبل فوات الأوان، وقبل أن تتحول لشريك في حوارٍ، بات يمثل جريمة ضد قطاع غزة ومعاناته.

 

هذا لا يعني بأي حال من الأحوال إعلان الحرب، أو المواجهة المفتوحة، ولا التقوقع ورفض المبادرات الجادة، أو اللجوء للسلاح، أو غيرها من الأمور التي يحلو للطرف المفشِل للحوار التحجج بها؛ لكن باتخاذ خطوات دقيقة ومتأنية للخروج من دوامة الحوار العبثي، ولدعم المواطن الغزي الذي ينتظر فرج الله لإعادة إعمار بيته، أو إطعام عائلته، أو تطبيب أبنائه، دعمه ولو معنويًّا، وإخراجه من دائرة الرهينة لهذا الحوار.

 

خطوات من قبيل- وهذا أضعف الإيمان-:

- تحديد سقف زمني للحوار، وعدم إبقائه مفتوحًا بلا نهاية.

 

- فك الارتباط تمامًا بين الملف السياسي (الحوار والمصالحة)، وبين ملف إعمار وإنقاذ غزة، هذا الربط الذي لم يحدث في التاريخ القديم والحديث، لا من خلال كارثة طبيعية أو حرب أهلية، لم يحدث مطلقًا أن بقي مصير منطقة منكوبة رهن باتفاق الأطراف، وهو الأمر الذي يصر عليه عبّاس في جريمة جديدة تضاف لجرائم سلطته.

 

- الإعلان وبوضوح وللجميع أسباب فشل الجولات السابقة، المعيقات، والطرف المعيق، والاشتراطات، والتدخلات الخارجية وغيرها.

 

- الضغط على الطرف الراعي (المفترض أنه نزيه، وعلى مسافة متساوية من جميع الأطراف)؛ حتى ولو أدَّى الأمر لسحب الملف بأكمله من المخابرات المصرية. بالله عليكم ما الذي بقي في جعبتهم لقتل وخنق غزة، أو بعبارة أخرى ما الذي يمكن أن تخسره غزة في ظل استمرار إغلاق المعبر، وإغلاق الأنفاق، والحملات الإعلامية المسعورة، ومصادرة المساعدات، ورفض دخول المعونات والوفود المتضامنة؟!.

 

- الإصرار على مبدأ لا حوار في ظل الحملات المسعورة في الضفة، وفي ظل عمليات الاختطاف والاعتقال.

 

- لا حوار دون وقف التنسيق الأمني الخياني، إذ كيف يمكن لعاقل أن يحاور مع من ينسق مع الاحتلال للقضاء عليه، ويتبادل معه المعلومات والتفاصيل؟!.

 

- حتى في حال حدوث تقدم ولو بسيط، لا بد من التمسك بضمانات النجاح المعروفة، والتي بح صوتنا من تكرارها.

 

- لا اتفاق إلا من خلال رزمة واحدة متكاملة، تسحب البساط من تحت من يجتزئ وينتقي على مزاجه، أو بالأحرى مزاج من يحركه، ولتفادي ما حدث في اتفاق القاهرة عام 2005م، والوفاق الوطني 2006م، ومكة 2007م، وصنعاء 2008م.

 

- الاستمرار والقبول بدوامة الحوار اللانهائي، والقبول برهن مليون ونصف المليون فلسطيني، سيتحول من مجرد مماطلة إلى مشاركة كاملة في جريمة ممنهجة، يقودها ويسعى إليها فريق رام الله، وتُجر إليها غزة جرًّا، إن لم تستدرك الأمر، وقبل وقوع الفأس في الرأس، حين يثور الشعب في وجه الجميع، غير مفرق بين مخطط للجريمة ومكره عليها؛ لأن النتيجة ستكون مسئوليةً مشتركةً، وبنسب متفاوتة.

 

هل علينا انتظار جولات وجولات أخرى، في مسلسل نأمل أن ينتهي قبل شهر رمضان المزدحم بالمسلسلات؟، أم ستكون الجولة القادمة حاسمة حقًّا، بعد أن سمعنا ذلك في جولات سابقة؟ هل سنسمح لعبّاس ومن معه بالاستمرار في تجويع غزة من أجل تركيعها، شعبًا وحكومةً وقيادةً؟!.

 

لا شك لدينا أن من يحاورون بنية صادقة، وبقلب مفتوح، يدركون كل ما ذهبنا إليه، بل أكثر، لكن المحاذير التي منها تحميلهم مسئولية فشل الحوار، ربما تمنعهم من اتخاذ الخطوات الحاسمة للجم المماطلين المسوفين، لكننا نقول وبصراحة، إن كانوا يكسبون معركة الوقت، وعض الأصابع، فإنهم بالتأكيد يخسرون من رصيدهم في غير موقع.

 

الحذر الحذر، وما زلنا ننتظر!!!.

--------------

* DrHamami@Hotmail.com