كتبت منذ سنوات مقالاً في جريدة "الحياة" اللندنية توقعت فيه التحولات التي ستحدث داخل حزب الله في لبنان، ثم التطورات العالمية والإقليمية التي ستفرض حصارًا ومطاردة لحزب الله، وخلصت إلى أن درس الإخوان المسلمين من نتائج كتائب الفدائيين في حرب 1948م بفسلطين، ثم التحولات التي جرت عليها ستكون غالبًا هي نتيجة مسار حزب الله في لبنان، على الرغم من اختلاف المذهب، والخلفية التاريخية، والإحساس بالمظلومية، والدعم الإقليمي الواسع، والانتماء السياسي والمرجعية الشيعية، وظروف لبنان نفسها كبلد طائفي يقيد حركة الحزب ويُقزِّمها سياسيًّا في إطار طائفي فقط.

 

نجحت بعض توقعاتي وخاب معظمها؛ فقد احتفظ الحزب بسلاحه وصموده في ساحات القتال ضد العدو الصهيوني في حرب 2006م على الرغم من مشاركته بقوة في المعادلة السياسية الداخلية بلبنان في الحكومات المتعاقبة، وتشكيله تحالفات سياسية ناجحة في الغالب، ونشره لشبكة كبيرة للرعاية الاجتماعية، وإن كانت مقصورة على الطائفة الشيعية فقط، على الرغم من أنها مفتوحة للجميع، وسبب ذلك له مشاكل؛ أهمها صعوبة الجمع بين الحكم والمعارضة، أو بين السياسة والسلاح، وهي التي لا توجد صيغة معقولة تنظمها خارج إطار الدولة الوطنية حتى الآن، أو بين العمل كحزب لبناني وطني، والإصرار على الارتباطات الخارجية بهموم الأمة في الشأن الفلسطيني بالذات، والتي تتجاوز مسألة مجرد الدعم؛ حيث يتهم الخصوم الحزب بأن قراره ليس مستقلاً تمامًا نتيجة تأثير عوامل ضخمة، كالمال والسلاح والتدريب والعمق الإستراتيجي.. ولاحظ أن خط الإمداد لحزب الله متصل وغير منقطع من جنوب لبنان إلى عمق إيران مرورًا بكردستان أو شرق تركيا، وهذا فرض على الحزب أوضاعًا غير طبيعية إذا أراد الاستمرار في المقاومة، بما يعني الاستمرار في الحصول على دعم أكبر في المال والسلاح والتدريب.

 

الذي خاب من توقعاتي هو تحول الحزب بعد نجاحاته الوطنية والعسكرية إلى حركة سياسية اجتماعية وثقافية تربوية تعيد الاعتبار إلى أمور مهمة غابت عن الوسط الشيعي طوال فترات التاريخ، التي امتلأت بالصراع مع السلطان والإحساس الدائم بالمظلومية والرغبة العارمة في الشهادة.

 

كان هذا يقتضي أمورًا بالغة الأهمية، ليس في مقدور حزب الله وحده القيام بها، وكنت أعوِّل على الجهد الرائع الذي يبذله السيد محمد حسين فضل الله، الذي انفصل عن الحزب إداريًّا وتنظيميًّا ولم يعد يشكِّل مرجعية مستقلة له، وباتت مرجعية التقليد للحزب أو المرجعية السياسية أيضًا في قُم أو طهران، وضعفت المراجع الشيعية العربية، سواء في "جبل عامل" بلبنان أو في "النجف الأشرف" بالعراق، حتى المرجع الأعلى في العراق الآن هومن إيران "آية الله السيستاني"، وهناك وقت طويل حتى يخرج من عائلة "الصدر" أو "الحكيم" أو "الخوئي" مرجعًا للتقليد عربي اللغة والهوى والمزاج؛ حتى لا يحدث الالتباس بين الانتماء المذهبي وبين الانتماء القومي الذي يخلط الأمور بين القومية والوطنية والمذهبية، وهنا ندرك مدى جناية السياسات التي دمرت مرجعية النجف الأشرف، بقتل رموزها، وحصار الآخرين، ونفي الباقين.. مثل تلك السياسات التي ادَّعت العروبة، في حين أضعفت اللغة العربية والثقافة العربية، وغرست باسم العروبة صدامات دامية مع القوميات التي تعايشت داخل الدولة الإسلامية وتعربت بإسلامها، كالكرد والبربر والزنوج وغيرهم.

 

الأزمة الأخيرة مع حزب الله وخليته في مصر التي صرح السيد حسن نصر الله أنها كانت مكلفة بتقديم دعم لوجيستي للمقاومة في فلسطين وليس في غزة، والتي يتردد أنها كانت تعمل في إطار عملية مضادة للثأر لمقتل القائد العسكري الأبرز في تاريخ الحزب "عماد مغنية".

 

وهذه التصريحات المعلنة والتي جاءت من الحزب تفرض أسئلة مهمة جدًا.

 

هل كانت مصر تعلم أو صرحت ضمنيًّا بذلك ثم تراجعت مؤخرًا؛ نتيجة الضغوط العالمية الرامية لوقف تهريب السلاح إلى غزة وفلسطين؟!، وهذا الافتراض يأتي في إطار إدراك مصر أن العدو الحقيقي هو العدو الصهيوني، وأن العداء معه لن يتوقف طالما لم ينفذ الصهاينة التزماتهم بتحقيق السلام، ولو في حده الأدنى الذي قبله العرب بإقامة دولة فلسطينية في أرض 1967، والإصرار على التمسك بالخيار النووي وشن الحروب رغم معاهدات السلام مع مصر والفلسطينيين والأردنيين؟ علمًا بأن الاتهامات لم تتوقف ضد مصر بأنها تتغاضى عن تهريب السلاح وغيره إلى الأراضي الفلسطينية وغزة، واعترف بذلك الدكتور عبد المنعم سعيد في مقال له مؤخرًا؟

 

هل استدرجت أجهزة المخابرات المصرية "حزب الله" إلى فخ بعدم الاعتراض صراحة على أية أنشطة استخباراتية يقوم بها أعضاؤه على الأرض المصرية؟

 

هذان الاحتمالات قائمان لسبب بسيط هو أن مصر استقبلت نوابًا وقياديين في حزب الله خلال السنوات الماضية، وكان لها علاقات ولو على مستوى منخفض مع الحزب في لبنان، ولا يمكن تصور خفاء أية أنشطة من هذا النوع على الأمن المصري الذي أعلن بالفعل أنه يتابع تلك الخلية منذ عام 2005م وحتى الآن، وكان يمكن لمصر أن تحذر حزب الله صراحةً، أو تبلِّغ الدولة اللبنانية التي لمصر علاقة مهمة معها، أو الرئيس الجديد، أو قائد الجيش، أو رئيس الوزراء السنيورة والقهوجي وسليمان الذين استقبلهم الرئيس مبارك شخصيًّا، ولا بد أن الحوار حول لبنان تعرض إلى "حزب الله" ودوره في لبنان وفي الإقليم، خاصةً مع ما يتردد عن دعمٍِ قدَّمه "حزب الله" إلى التيار الصدري في العراق، وإلى الشيعة البحرينيين، على الرغم من أن حزب الله نفى بقوة أية تدخلات له في البحرين أو اليمن، ولم ينفِ قصة العراق؛ لأنها تدخل في إطار المقاومة ضد الاحتلال، وليس العمل ضد سلطة وطنية في البحرين أو اليمن، وهنا أفتح قوسًا لأقول إن السيد حسن نصر الله صرح لأشخاص أعرفهم في لقاء خاص بأنه رفض بشدة أي طلب لشيعة البحرين بالذات لدعمهم محليًّا.

 

والسؤال هنا: لمصلحة من استدراج حزب الله لذلك الفخ؟

هل المطلوب تعريب حزب الله، بمعنى الضغط عليه لقطع صلته نهائيًّا بإيران؟

أم المطلوب حصار حزب الله داخل لبنان؛ ليتحول إلى حركة اجتماعية سياسية فقط وتقليم أظافره العسكرية، حيث يسقط الادِّعاء بأهمية الاحتفاظ بالسلاح للتصدي للخطر الصهيوني أو الاحتفاظ بالقوة العسكرية من أجل تحرير القدس وفلسطين؟

 

حزب الله اليوم محاصر باتفاقيات دولية تمنعه من العمل العسكري على الحدود اللبنانية، وقضية مزارع شبعا والبلدات الثلاث ليست مقنعة للجمهور اللبناني تستحق خوض حروب من أجل تحريرها، خاصةً مع النزاع السوري اللبناني حولها؟

 

وحزب الله لا يستطيع العمل من الأراضي السورية؛ لأن ثمن الدعم السوري هو العمل فقط من خلال الأراضي اللبنانية، ولا أعتقد أن سوريا لديها علم بالتمدد خارج لبنان، بل قد تقف ضد ذلك التمدد لمصالح إقليمية، ولم نسمع حتى الآن صوتًا سوريًّا حول الأزمة الأخيرة إلا كلامًا عامًّا للرئيس بشار في حوار صحفي.

 

إذا كانت مصر تريد أن ترسل رسائل إلى إيران وليس حزب الله، كما يقول وزير الخارجية والمصادر التي لا تعلن عن نفسها، فإن ذلك يقتضي حوارًا مع إيران وليس صدامًا مع حزب الله، أو تشويهًا لفكرة المقاومة وهدمًا لها، أو سبابًا وشتمًا وسخرية من شخصيات أدت- ولا زالت- دورًا مهمًّا ضد العدو الصهيوني.

 

من حق مصر بل من واجبها سلطةً ونظامًا وشعبًا أن تدافع وتحافظ على الأمن الوطني المصري والأمن القومي العربي.

 

ومن واجب مصر أيضًا أن تدعم المقاومة ضد العدو الصهيوني، وأن تقف ضد التدخلات الخارجية ومحاولات الهيمنة على الأمة العربية.. وليس هناك تعارض بين الواجبين، بل هناك تكامل بينهما.

 

وهناك فرق كبير جدًّا بين جار طبيعي يشترك مع العرب في الكثير من القواسم الدينية والتاريخية والحضارية بين هموم مشتركة وصراعات آن لها أن تنتهي، وبين غرس شيطاني وقوة استعمارية لا تريد بالجميع أي خير.

 

إذا عدنا إلى "حزب الله" ومسئوليته وكيف يستفيدون من الأزمة؟

لقد سارع حزب الله إلى محاولة ترميم الصدع في علاقته مع مصر التي هي أصلاً ضعيفة، ومحل شك متبادل، وتشوبها أجواء من عدم الثقة المتبادلة، ولكن حزب الله أخطأ لأنه لم يُقْدِم على خطوتين مهمتين في الشهور الأخيرة.

 

الأولى: أنه لم يقدم اعتذارًا واضحًا وصريحًا عن خطاب السيد حسن نصر الله إبَّان الحرب على غزة، والذي احتوى تحريضًا صريحًا للشعب والجيش في مصر ضد النظام وهو ما لم يقبله حتى أشد المتحمسين لحزب الله.

 

الثانية: أنه لم يقدِّم اعتذارًا صريحًا وتَرْضية مناسبة، أو يلجأ إلى القنوات الاستخباراتية المعتادة عندما علم بالقبض على الخلية، التي ولا شك قد علم وقت القبض عليها باختفاء أخبارها، بل يقال إن وكيل المخابرات المصرية عندما زار لبنان لم يلق العناية الكافية من قيادة حزب الله والتقاه قيادات متوسطة، في حين أنه التقى زعماء الطوائف والأحزاب الأخرى .

 

هل اختار حزب الله التصعيد مع مصر؟

وكيف فهم الحزب الرسالة المصرية؟ هل فهم أن المطلوب هو فقط احترام السيادة المصرية والتنسيق مع مصر إن قبلت مبدأ دعم المقاومة عبر أراضيها؟

 

أم فهم أن مصر تريد تشويه صورة المقاومة والقيام بدور يُلحُّ الأمريكيون والأوربيون والصهاينة عليها بالتصدي له منذ تسببت المقاومة في قلب الطاولة على محاولات الإيهام الدولية بوجود مسيرة للسلام وأنها قد تفضي إلى شيء ما؟

 

المطلوب من حزب الله أن يستفيد من هذه الأزمة، ليس لتصحيح العلاقة مع مصر ولكن لما هو أبعد: للنظر في رؤيته المستقبلية، ودوره في لبنان وخارج لبنان، وخطته لتحرير القدس أو لدعم المقاومة الفلسطينية، وما يكتنف ذلك من محاذير ومخاطر في ظل اعتبارات معقدة ليس أقلها الآتي:

1- أنه حزب مغلق على مذهب واحد ولم يستوعب الطائفة الشيعية بلبنان.

2- أنه حزب في لبنان وليس حركة عالمية.

3- أنه انغمس في الساحة السياسية اللبنانية بتعقيداتها، وعليه الموائمة بين مشاركته في البرلمان والحكومة اللبنانية والتزامات الدولة وبين تصديه لقضايا حرجة لها اشتباكاتها الدولية.

4- أنه بات جزءًا من محور إقليمي لا يستطيع الفكاك منه، وهو محور إيران سوريا/ المقاومة اللبنانية، ضد محور آخر يضم مصر / السعودية / الأردن / الإمارات.

5- أنه التزام بالتزامات دولية لا يستطيع الفكاك منها فيما يخص الحدود اللبنانية وعليه قيود سياسية وعسكرية.

6- أن المقاومة الفلسطينية متمثلة في كل أجنحتها مستقلة في قراراتها، وبقدر حاجتها إلى دعم كل المخلصين وترحيبها بها، إلا أنها لا تستطيع أن تحتمل أثقال سياسة المحاور والإشكاليات السابقة؛ لأنها تحتاج إلى حشد كل الرأي العام العربي والإسلامي والدول، ولا تستطيع الدخول في معارك إعلامية أو سياسية أو إستخباراتية مع النظم العربية؛ حتى ولو تعرضت للظلم البين من أي طرف كان.

 

إذا انتقلنا من أزمة حزب الله ومصر إلى رؤية دور المقاومة في ظل إدارة أمريكية جديدة تحمل شعار التغيير؛ لأن العالم تغيَّر، وكانت أمريكا جامدة في عهد "بوش الابن"، ولذلك يجب على المراقبين وصانعي السياسات أن يدركوا تلك الحقيقة التي تغيب عن كثيرين.

 

إن ما حدث من تغيير في أمريكا باختيار رئيس شاب من أصول مختلطة: أمريكية إفريقية، ومن خلفيات ثقافية مختلطة: إسلامية، إفريقية، كاريبية، أمريكية؛ إنما جاء في استجابة ذكية لإدراك الأمريكيين أن العالم تغيَّر من حولهم، وأنه لم يعد هو نفس العالم الذي بدأت مواجهته في عهد ريجان وبقية الرؤساء السابقين؛ حتى وصلت ذروة الأحداث مع بوش الابن.

 

لقد نجحت المقاومة والممانعة الدولية في وصول رسالة إلى أمريكا: لست وحدك في العالم، وقدرتك ليست مطلقة، وجيوشك غير قادرة على حسم المعارك، وإرادتك في العالم مقيدة، وهناك آخرون يجب أخذهم في الاعتبار.

 

بدأت الأحداث وتوالت خلال الثلاثين سنة الماضية؛ لتصل اليوم إلى تلك النقطة الحرجة، وقد شاركت جميع الأطراف في معظم المعارك الساخنة التي أدت إلى ما نحن فيه الآن:
أولاً: عام 1979م نجحت الثورة الإسلامية في إيران في الإطاحة بعرش الطاوس الحليف الأقوى، وشرطي المنطقة لحساب أمريكا محمد رضا بهلوي الذي غادر إيران إلى أمريكا؛ ليطرد منها، ويستقر في قبره بمصر، وآية الله العظمى الخوميني يعود من "باريس" إلى "طهران"، بعد أن مرَّ في منفاه بتركيا ثم العراق.

 

وهو نفس العام الذي وقَّعت مصر فيه معاهدة السلام، آملةً في أن يكون لها دور متميز في المنطقة لتقود مسيرة السلام وإنهاء الحروب، فيكون مصيرها العزلة عن العالم العربي، واغتيال السادات والتبجح الصهيوني الذي أراد إرسال رسالة إلى مصر منذ ضرب مفاعل "تموز" بالعراق النووي، وشن الحرب على لبنان بعد اغتيال السادات أن عليها أن تكتفي بما حصلت عليه من أراضي محتلة، وما تحصل عليه من معونة أمريكية.

 

وهو نفس العام الذي بدأت فيها "حركة الجهاد الأفغاني" ضد الاحتلال السوفيتي، وشاركت فيها دول عربية وإسلامية، في مقدمتها مصر والسعودية وباكستان، وما زالت باكستان تعاني من آثارها، بينما استنزفت الحرب الأفغانية عشر سنوات من عمر مصر التي عادت إلى الحضن العربي؛ لتعاني من معارك العنف والعنف المضاد لعشر سنوات حطمت آمال مصر في تنمية مستقرة وخدمات أفضل، وشوهت سجل مصر في حقوق الإنسان، بل أنتجت اعتياد البوليس والنظام المصري على منهجية دائمة في انتهاكات بشعة لحقوق الإنسان، في مقدمتها تقديم المدنيين لمحاكم عسكرية، والتصفية الجسدية للمعارضين، والتعذيب المنهجي في أقسام البوليس ومقارّ التحقيق والسجون، وهو ما زال إرثًا لم نستطع التخلص منه حتى الآن.

 

ثانيًا: عام 1989م حدث 3 أحداث مهمة:

1- انتصار المجاهدين الأفغان ودخول كابول، وبدأت حرب أهلية بين فصائل المجاهدين، وظهور ظاهرة "الأفغان العرب" الذين أرهقوا بلادًا مثل مصر والجزائر والسعودية واليمن وباكستان بعمليات عنف قاسية.

 

وكانت الثمرة الناضجة لتلك المرحلة ظهور 3 تنظيمات إسلامية جديدة على الساحة المحلية الإقليمية والعالمية هي:

أ- حركة طالبان أفغانستان التي أنهت صراع فصائل المجاهدين لصالحها، كحركة حديثة بدعم المخابرات الباكستانية، والرضا الأمريكي، وهي الآن صداع في رأس باكستان وأمريكا بعد أن تجذرت داخل باكستان نفسها.

 

ب- تنظيم القاعدة لحرب الصهيونية والأمريكان، أو اليهودية والصليبية كما هو في اسمه، والذي يؤكد أنه وراء أحداث العنف، خاصةً 11 سبتمبر 2001م، وانتشار العمليات في معظم العواصم والمدن العربية والغربية والإسلامية من بالي بإندونيسيا إلى دار السلام بتنزانيا إلى كازيلانكا والرياض والخبر ومدريد ولندن.. إلخ.

 

جـ- حركة طالبان باكستان وازدهار تنظيمات مجاهدي كشمير أيضًا، وتحول باكستان إلى شبه دولة فاشلة، يعمل المجتمع الدولي اليوم لإنقاذها من وهدة الفشل خشية انتقال السلاح النووي، والخبرة النووية الباكستانية إلى تنظيمات عديدة.

 

2- الانقلاب العسكري في السودان، والذي أدى إلى استيلاء الحركة الإسلامية الأكبر في السودان الجبهة القومية الإسلامية بقيادة الترابي، وهي التنظيم الذي انفصل قبل عشر سنوات في عام 1979م عن الإخوان، وطور في أساليب العمل بعيدًا عن منهج الإخوان؛ مما يعده الإخوان انحرافًا بإهمال التربية وبناء القاعدة الإيمانية الصلبة، والانشغال التام بالسياسة والتحول إلى حزب سياسي براجماتي، والإعداد لانقلاب عسكري منذ مدة بهدف الاستيلاء على السلطة بسرعة وبطريقة مفاجئة.

 

3- انتهاء الحرب العراقية الإيرانية أو حرب الخليج الأولى، والتي شنَّها صدام حسين لحساب دول الخليج؛ لحمايتها من الخطر الإيراني، ومحاصرة الثورة الإيرانية خشية تصديرها إلى دول الجوار، وموَّلتها السعودية والكويت والإمارات، ورعتها أمريكا بإمداد العراق بكل ما يلزمه، وأشعلتها الدولة الصهيونية بإمداد إيران عبر فضيحة إيران كونترا الشهيرة، وها نحن نعود إلى نغمة الخطر الإيراني من جديد، وكأننا لم نتعلم شيئًا من دروس التاريخ الذي لم يجف مداده، والدور على العدو الصهيوني؛ ليقوم بالمهمة القذرة في شنِّ الحرب على إيران.

 

وبعد مرور كل تلك السنوات بعد أن وضعت الحرب أوزارها نجد أن الرابح فيها كان إيران التي استفادت على كل الأصعدة، رغم خسارتها مليونًا ونصف ضحية أو أكثر، أما العراق فبات رهن مغامرات صدام الذي أوقد حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت) بغزوه للكويت، ثم قيام التحالف الدولي بقيادة أمريكا لتحرير الكويت، وحصار العراق لسنوات عشر؛ حتى تم إنهاكه تمامًا، ثم كان غزوه واحتلاله عام 2003م، بذريعة كاذبة مثل امتلاك أسلحة دمار شامل أو التعاون مع تنظيم القاعدة.

 

أما إيران فطورت عتادها العسكري، وبدأت ملفها النووي الذي كاد أن يكتمل، واستقر نظامها السياسي، وأصبحت الدولة التي تجرى فيها انتخابات دورية عليها، فلم تعانِ مثل العراق بل امتدت شرقًا لتحصل على دعم روسي وصيني، ويمتد نفوذها إلى معظم دول الجوار.

 

ثالثًا: كان الحدث الأبرز خلال الـ30 سنة الماضية هو أحداث سبتمبر 2001م، والهجوم بالطائرات على برجي التجارة في نيويورك ومهاجمة البنتاجون، والتي ما زال يلفها الغموض، ولم تجر تحقيقات حقيقية، أو لم يعلن عنها، ولم يحاكم أحد حتى الآن بسببها، وكانت نتائجها كارثية على العالم كله، وعلى أمريكا نفسها.

 

وكان أهم نتائجها أن استفاد العدو الصهيوني من حالة الذعر التي أصابت العالم كله بدمغ المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية والصومالية.. إلخ بوصف الإرهاب.

 

وكان من نتائج ذلك أن أعلن العدو الصهيوني أنه في خندق واحد مع الحكومات والنظم العربية والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي (أي العالم كله تقريبًا) ضد حركات المقاومة، خاصةً حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله.

 

طال بنا الكلام، ونريد أن نصل إلى الخلاصة المفيدة في ضوء الأزمة الحالية بين حزب الله وبين مصر..

 

على حزب الله والمقاومة الفلسطينية مراجعة خبرة حركات المقاومة، خلال النصف قرن الماضي أو القرن كله.. مثل فيتنام، وجنوب إفريقيا، والهند، والتي نجحت في تحقيق أهدافها في التحرير الوطني.

 

وكذلك تجارب الجزائر، وإيران التي نجحت في كلا البلدين في تحقيق الاستقلال.. أما الحركات التي ما زالت تقاوم وتجاهد في فلسطين منذ ستين سنة، والعراق والصومال التي لم تحقق أهدافها حتى الآن، وحزب الله يعتبر في هذا المجال حالة فريدة؛ لأن لبنان دولة مستقلة ذات سيادة، ويشكل حالة خاصة، وأفغانستان التي ما زالت تعاني بعد غزوها واحتلالها منذ عام 2001م، بعد أحداث سبتمبر الشهيرة.

 

في كل تلك الحالات والتجارب كانت هناك أبعاد تشكل إمكانيات النجاح أو الفشل، وهي تحتاج إلى شرح وتناول أهمها من وجهة نظر المراقبين:

1- الإخلاص لله أو للقضية عند غير المؤمنين بالله.

 

2- عدم الانحراف عن الهدف أو المساومة عليه، ووضوح الرؤية لدى المجاهدين.

 

3- جبهة داخلية داعمة وقوية وتحتضن المقاومة.

 

4- رأي عام عالٍ أو إقليمي يساند المجاهدين والمقاومين، وإعلام موضوعي صريح، ينقل وجهة نظر حركة التحرر الوطني إلى العالم، وتنظيمات حقوقية وإعلامية وإنسانية، تساند المقاومة، وتحمل وجهة نظرها للعالم.

 

5- غطاء سياسي من نظم وحكومات مساندة، يمكن أن تشكل قنوات اتصال مع المجتمع الإقليمي والدولي.

 

6- برنامج سياسي بسيط سهل، وهدف محدد لا يختلف عليه الجميع، مثل: جلاء المحتل، أو طرد الحاكم ( مثل الشاه).

 

7- دعم لوجيستي مستمر في العتاد والتدريب والذخائر والأفراد، خاصةً من دول الجوار بموافقة ضمنية أو صريحة.

 

8- قيادة واحدة قدر الإمكان، وقرار واحد دون تذبذب.

 

9- نفس طويل وتواصل أجيال المقاومة في المعارك الطويلة.

 

10- قدرة على المزج بين المفاوضة وبين القتال، أو بين السياسة وبين السلاح.

 

اليوم نسمع أن هناك محاولاتٍ لرأب الصدع، وعلاج الموقف بين مصر وحزب الله؛ لكن الأمر أبعد من ذلك، إنها قضية استمرار المقاومة في فلسطين ودعمها بكل الطرق؛ لتحقيق انتصار طال انتظاره في قضيتنا الأولى والمركزية، وهي تحرير فلسطين، واسترداد القدس، وحماية المسجد الأقصى الشريف، وعودة اللاجئين، وإقامة دولة فلسطين الحرة المستقلة.