تخيل معي أن رئيس الوزراء المصري د. أحمد نظيف قد يُصاب بإنفلونزا الخنازير! هذا الكلام حقيقي، وليس على سبيل المزاح أو الإثارة الصحفية؛ فالطريق الذي يمر به د. نظيف يوميًّا يوجد به حظيرة خنازير تزكم رائحتُها الأنوفَ على بُعد مئات الأمتار! وتقع في منطقة حيوية يمر بها عشرات الآلاف من المصريين!! وهي التقاء طريق المحور بالطريق الدائري في منطقة المهندسين؛ حيث يقع أيضًا منزل وزير الداخلية اللواء حبيب العادلي قريبًا من ميدان لبنان.

 

هذه الخطورة ليست من عندياتي، بل إن إحدى الإصابات البشرية في إسبانيا كان سببها أن الشاب سار بالقرب من مزرعة للخنازير، وتتحقق منظمة الصحة العالمية حاليًّا من صدق هذا الادِّعاء لخطورته.

 

ظني أن الشعب المصري يريد التخلص اليوم قبل غدٍ من حكومة نظيف، ولكن بالطريقة السلمية بالإقالة؛ لمسئوليتها عن المصائب التي يواجهها الشعب المصري، ولكن ليس بإنفلونزا الخنازير؛ لأن الشعب المصري طيب.. نعم أصيب ملايين من أبناء هذا الشعب بفيروس (سي وبي)؛ حيث قدَّر وزير الصحة عدد حاملي فيروس سي في مصر بـ9 ملايين مواطن، أصيب الشعب بسرطانات الكبد بسبب المبيدات المسرطنة، وعُذِّب وشُرِّد الآلاف على يد الشرطة في الأقسام ومقارِّ أمن الدولة، ولكن في النهاية على حدِّ تعبير الكاتب الساخر أحمد رجب "على لسان الواد بن أبو سليم أبو لسان زالف "يجعله عامر" تيجي في الشعب ولا تجيش في الحكومة"!.

 

لقد صدرت قرارات من رؤساء أربع وزارات مصرية منذ عام 1992م- أي منذ 17 عامًا تقريبًا- حيث بدأت بقرار الدكتور عاطف صدقي رئيس الوزراء الأسبق بتكليف محافظِي القاهرة والجيزة والقليوبية بتنفيذ عملية النقل خارج القاهرة الكبرى، بنقل حظائر الخنازير من قلب الأحياء السكنية إلى أماكن متطرفة، ولم ينفَّذْ منها قرار حتى الآن!!، وصدر قرار جمهوري منذ 10 شهور بتخصيص 240 فدانًا جنوب حلوان لنقل مزارع الخنازير، ولم ينفَّذْ أيضًا.

 

تساؤلات تثور حول أسباب تعطيل تنفيذ قرارات رئيس الجمهورية ورؤساء الوزراء، هل هي لقوة ونفوذ أصحاب مزارع الخنازير، والجواب أنهم لن يكونوا أقوى تأثيرًا من أصحاب مزارع الدواجن التي تقدَّر بآلاف المزارع، إضافةً إلى انتشار تربيتها في البيوت المصرية في الريف وبعض الأماكن الحضرية على السواء، وتقوم الحكومة الآن بحملة شرسة على من يربِّي وينقل ويبيع الطيور، وربما تصل إلى مستهلكيها، بينما لم يتم ذلك مع حظائر الخنازير.

 

ربما يظن البعض أن القرار سياسي في المقام الأول خشيةَ إغضاب الإخوة الأقباط، خاصةً أقباط المهجر، والذين سيشهرون بالنظام المصري، وسيتخذون الحملة ضد الخنازير تُكأةً لإفشال زيارة الرئيس مبارك القادمة للولايات المتحدة، وادعائهم عليه في وسائل الإعلام هناك أنه يحارب الأقباط في أرزاقهم؛ باعتبار أن معظم ملاك الحظائر هم من الأقباط؛ لأن المسلمين لا يربُّونها أو يأكلونها؛ لأنها محرمة في الشريعة الإسلامية.

 

والجواب: أننا نحمد الله أن إنفلونزا الخنازير انتشرت في المكسيك والولايات المتحدة وإسبانيا، وغيرها من الدول التي تأكل لحم الخنزير؛ كي لا يدَّعي أحد أن هناك أسبابًا طائفيةً ما خلف القرار، كما أن البابا شنودة بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية في مصر نصح الأقباط بالتوقف عن تناول لحم الخنزير خوفًا من انتشار المرض, كما أن إنفلونزا الطيور كانت سابقةً على إنفلونزا الخنازير، ولم ترحم الحكومة أحدًا في حربها لإنفلونزا الطيور؛ كي تتواطأ مع إنفلونزا الخنازير التي تعدُّ أخطر كثيرًا من إنفلونزا الطيور، بتأكيد وزير الصحة حاتم الجبلي نفسه، الذي أكَّد أن "خطورة إنفلونزا الخنازير أن المرض ينتقل من الخنزير إلى الإنسان ثم إلى آخر بدرجة سريعة جدًّا‏..‏ كما أن إنفلونزا الخنازير ليس لها مصل مضاد مقاوم حتى الآن".

 

الأمر الآخر أن قتل الخنازير وليس نقلها فقط هو الحل؛ لأن معدلات أو فُرَص إصابة من يعملون في حظائر الخنازير- وغالبيتهم من الأقباط، والقرار هنا في مصلحتهم؛ فحياتهم أهم من حياة الخنازير- هي الأعلى من غيرهم، وكما يقول الدكتور عبد الرحمن شاهين المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة: إن احتمالات الإصابة بإنفلونزا الخنازير بين العمال الذين يعملون بتلك المزارع، التي تظهر بها إصابات تتراوح ما بين 15% إلى 25%، وأن حوالي 10% من الأطباء البيطريين قد يصابون بالعدوى من خلال التعرض المباشر لها.

 

إذًا تربية الخنازير ووجودها في قلب الأماكن السكنية شر كله، يحصد أرواح الملايين، وأقرب للوزراء، كما يقول الدكتور محمد سيف أستاذ الطب البيطري بجامعة بني سويف: إن وباء إنفلونزا الخنازير ظهر من قبل عام 1918م في إسبانيا، وراح ضحيته نحو 50 مليون شخص، ثم تطور عام 1957م، وحصد الملايين فيما عُرف وقتها بـ"الحمى الآسيوية"، ثم تحوَّر عام 1968م (H3N2) وحصد الملايين أيضًا في هونج كونج.

 

أخشى أن يأتي اليوم الذي تأمرنا الحكومة أن نهتف فيه "نموت نموت وتحيا الخنازير"!!، بدلاً من الهتاف التقليدي" نموت نموت وتحيا مصر".

---------

* صحفي مصري.