الوضع الحالي للعالم العربي يوشك بانفجار بين الشارع العربي والنظم العربية، وهناك سبب رئيسي وسبب فرعي، أما السبب الرئيسي فهو عدم تصور النظم العربية لحظة لوقف تقدم المشروع الصهيوني في قوته العسكرية وانفراده بالقرار في تحديد مصير فلسطين والقدس، واستكانة هذه النظم إلى "التسوية السياسية" التي مكَّنت المشروع من التوحش، وأجّلت المواجهة بين العالم العربي وهذا المشروع؛ مما أدَّى بهذا الوضع إلى نشأة المقاومة لهذا المشروع التي أيدتها النظم العربية، واعتبرت أن تأييدها هو تبرئة لذمتها وسدٌّ لعجزها وبديل عن تصدِّيها هي للمشروع بعد فشل المواجهة الرسمية له.
ثم ما لبثت هذه النظم أن اتخذت موقف الحياد بين المشروع والمقاومة، مع تعاطفٍ دفينٍ للمقاومة على أساس أن هذه النظم تدرك مخاطر المشروع، وتكره أن يجور بآثاره على المنطقة كلها، فيُستذَلّ أهلها، ويُحرَِج حكامها، وتُبتزُّ ثرواتها تحت التهديد والوعيد!!.
ولكن هذه النظم اضطرت إلى زحرحة موقفها، فأصبح بعضها يتصرف كما يريد المشروع لخنق المقاومة، ويأبى أن يقال عنه إنه يحارب هذه المقاومة! ويقدم خدمة ثمينة للمشروع، بل إن هذا الطراز من النظم العربية لا يتردَّد في الاستعانة بمن يجمِّل صورته، ولكنه لم يعلن أبدًا موقفه من المقاومة ومن المشروع الصهيوني، وترك سلوكه يدل على ما يريد، لدرجة أن المراقب خلص بالفعل إلى أن هذا الطراز يفضِّل القضاء على المقاومة؛ لأنها تستفز المشروع دون أن توقفه، وخوفًا من أن تتهم هذه النظم بدعم خفي للمقاومة فتلقى ما لقيه عرفات وغيره، بل إن بعضها صرَّح بالفعل بأنها تقطع كل ذريعة وتفضِّل القبول بالخضوع والتراجع حتى لا تسمح بارتكاب حماقة ضدها، وهي ليست مستعدةً لهذه الحماقات.
وتسلِّم هذه النظم بأن المواجهة معه قادمة، ولكنها تفضِّل أن يواجه غيرها وترتاح إلى هذا التأجيل، يترتب على ذلك أن القوى المناهضة للمشروع تستنهض هذه النظم، أو تتصرف في هذه المساحة المتروكة قدر ما تستطيع، فيقع الصدام بين الشارع والنظام، ويستمر الصدام والاحتقان كلما استخفَّ العدو بالنظام، وأحكم النظام قبضته على الشارع الذي يعاني بسبب الفساد وعجز النظام عن أن يحظى بقبول الشارع حتى على مستوى كفاءة الأداء والإدارة للمجتمع.
هذه الحالة خلقت فراغًا سياسيًّا في المنطقة يملؤه العدو وتنزوي هذه النظم إلى مساحة ضيقة؛ بحجة المحافظة على الوطن وحمايته من الاستهداف، فيزداد الشارع نقمةً على الحكم وعلى "إسرائيل" بسبب شعوره بالقهر، ويؤدي ذلك في النهاية إلى انفجار ينتهي إلى وضع مريح لاستمرار تقدم المشروع.
في ضوء ذلك أعتقد أن هذا النوع من النظم سوف يزداد إحراجًا مع تشديد حكومة نتنياهو النكير عليها، وإلغاء كل أفق سياسي كانت تستتر به هذه النظم، ولذلك فإن مصلحة هذه النظم تكمن في مواجهة المشروع بشجاعة، وذلك بوقف التعامل تمامًا مع "إسرائيل"، واستخدام المصالح الأمريكية في المنطقة للحصول على مقابل لمساندتها في وقف هذا المشروع، فالدول التي اعترفت "بإسرائيل" وتقيم علاقات معها وهي تعلم أنها تعترف برأس المشروع دون أن تحدد حجم الدولة التي تعترف بها؛ سوف تواجه مآزق الضغط وإسقاط كافة الشروط الشكلية التي تضمنتها المبادرة العربية وجميع المبادرات الوهمية الأخرى.
من ناحية أخرى يجب على الدول العربية أن تعلن عدم الاعتراف بحكومة نتنياهو التي لا تعترف بأي حق للعرب في استرداد أرضهم أو في حق الفلسطيني في دولة حقيقية، أو إنقاذ القدس من التهديد والضياع..
يجب على الحكومات العربية أن تدرس الحصاد المُرَّ لعملية السلام التي استمرت- حتى الآن- ثلث قرن، والخاسر فيها هو الجانب العربي، بينما المشروع الصهيوني يتقدم كل يوم..
ويجب على الحكومات العربية أن تدرك أن المقاومة هي خط الدفاع الأول ضد المشروع، وأن الإضرار بها أو إهمالها أو إرهاقها تحت أي ذريعة هو دعم لهذا المشروع.
إن العالم العربي ليس مطالبًا بأن يحارب "إسرائيل"، ولكنه قادر على أن يقول بدرجة من المصداقية كفى لهذا العبث والتلاعب بمصير الشعوب العربية، وعندها ستجد النظم شعوبًا تغفر لها كل شيء، ما دام ميزان الوطنية قد عاد بمؤشره إلى القبلة الصحيحة.