وأنا الآن أكتب يكون قد شارف عام بالتمام والكمال على الحكم الجائر والمحكمة العسكرية لشرفاء الوطن المدني، 15 أبريل عام على الظلم وبانتهاء آخر جلسة من جلسات المحاكمات العسكرية الظالمة، وحكم القاضي بما أملاه عليه النظام, وأصبح خلف القضبان، وبداخل الزنزانات مظلومين صابرين محتسبين عند الله هذا العام ازداد فيها المظلومين حسنات وازداد الظالمين إثمًا وظلمًا وسوادًا.

 

لربما يفجع المشاهد والقارئ من الأحاديث الكثيرة التي بادرت بها أجهزة الإعلام المرئية، والمسموعة المملوكة للدولة بعد المحكمة العسكرية، ومن الخوف من وصول منظومة الإسلاميين لاعتلاء الحكم.

 

والتخوف هنا ليس في الإسلام كديانة؛ فرئيس الدولة ينتمي لتلك الديانة، وكذلك رئيس الوزراء وأغلب الوزراء فيها.

 

لكن من المؤسف المزعج حقًّا أن حكومات هذه المنطقة تعلم هذه الحقائق علم اليقين بأن سجنهم (أي دعاة الإصلاح) خير وسيلة للدفاع، ولكنها للأسف قد تعين على تنفيذ هذا المخطط في جهل أو سمها غفلة أو قل عجزًا أو عمدًا!!

 

ويستغرب القارئ ما مصلحة هذه الحكومات في هذا الموقف المتشدد تجاه سجن الإصلاحيين، فإذا بحثت لا تجد علة يقبلها عقل أو منطق أو حكمة، بل لقد بلغ أمر هذه الحكومات أنه كلما نادى المصلحون واتخذوا طرقًا فعالةً تدعو إلى الديمقراطية حاربتهم تلك الحكومات حربًا قاسيةً لا هوادة فيها ولا رحمة، وكأنها تقول للراغبين إن الشمس لن تستيقظ، ولا النهار قادم ولا النور سيسطع.

 

إنها حكومات تقف من شعوبها موقف الأسد الهصور، تشد ستار السواد على كل ثقب يضئ جنبات الحرية والإصلاح.

 

ونسمع اليوم بعض الدعاة الإصلاحيين يدعون إلى حوارات ودية آملين في تسوية تلك الإشكاليات حول الدستور أو زيادة راتب أو إخلاء سبيل مظلوم، ومع كل هذا فإن الشعب المصري على ثقة كاملة بأن هؤلاء لو أخذوا الأمر مطلبًا جماهيريًّا، وباشروا مهنتهم بما يرضي الله ورسوله ومطالب الشعب؛ لوجدوا شعوبهم بأسرها تلبي النداء فرحةً مستبشرةً بما حدث من إصلاحات وتطورات.

 

ولا بد للأحزاب المصرية بدلاً من أن تقف أمام بعضها البعض هذا الموقف في غير مبرر، فإن عليها إنقاذ الوطن من الأزمات الداخلية والمؤامرات الخارجية، لو أنها فعلت ذلك لكان هذا خيرًا لها ولأوطانها.

 

ولذلك فإني أعلم أن الشعوب العربية كلها على استعداد كامل للتضحية بكل شيء في سبيل استرداد عزتها وتعديل مصائرها، وإعادة مكانة مصر بين الدول ولو أني أخشى أن تتكرر حالة لبنان، ويكون النزاع طائفيًّا بدلاً من لمّ الشمل فيما بينهم.

 

لماذا يُسجن الإصلاحي ولماذا نطالب بحريته؟

لعلي لا أجد في هذا الزمان وفي تلك البلاد جريئًا يرفع صوته مع المصلحين، ونحن صادقون بأن لا توجد ديمقراطية في المنطقة على الإطلاق، وأن حكم الفرد هو السائد الأمر الناهي في كل النواحي من المنطقة العربية, ثم تجدهم يتحدثون بالأصالة عن نفوسهم، وبالنيابة عن شعوبهم في التهاني والتعازي، وسائر المناسبات وحتى في تعديل الدستور، وما يخص المواطن المصري.

 

وكأن هذا المسكين لا لسان له ليتكلم به ولا يد يرفعها ليعلن بها ما لا يرغب فيه.

 

هل يمكن لأمة من الأمم، أو شعب من الشعوب أن يقبل على نفسه ذلاً أكثر من الذي يحدث، وحتى في تحديد مصائره.

 

يا لهول ما ترى وما تسمع, ومن العجيب أن الشعوب تعلم ذلك ولا تتعاطى ولا تتنفس ولا تستطيع المقاومة، ثم إذا وقعت الواقعة تراهم يحدثون الاضطرابات والاعتكافات، ولكن بعد فوات الأوان.

 

سلوا عمال الغزل في كفر الدوار وعمال المحلة، ومن قبلهم الطيارون والبناءون وحتى عمال الشوارع والأرصفة والزبالة كلهم طالبوا بالحقوق وقد استجيب لبعض متطلباتهم،
فلماذا لا يكونون قدوة لنا من مثقفين ومهندسين وأطباء؟ هل من مستجيب؟

 

إنني أعرف نتيجة هذه الكلمات وإنني أخشى على كل حر يرغب في الكلام والفضفضة عن نفسه من أن يحدث له كما حدث لأيمن نور، ومن قبل الشاطر ومالك وإخوانهما ورواد الإصلاح وممن تنفسوا تنفيسًا.

 

لا أعلم هل من مجيب؟ وهل من مستجيب لتلك الصرخات وحتى لا نندم بعد ذلك ولا يفيد الدمع على اللبن المسكوب؟.