كنت أتمنى شخصيًّا لو أن زعيمًا عربيًّا، من دول الاعتدال أو الممانعة- لا فرق- هو الذي اعتلى منبر المؤتمر الدولي لمكافحة العنصرية في مقر الأمم المتحدة في جنيف، وفضح الدولة العِبْرية، وأماط اللثام عن وجهها العنصري القبيح، ولكنَّ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قام بالمهمة على أكمل وجه، وحقَّق ما لم يحققه زعماء اثنتين وعشرين دولة عربية، بل والرئيس الفلسطيني نفسه الذي تغيَّب كليًّا عن المؤتمر لأسباب ما زلنا نجهلها حتى هذه اللحظة.

 

ففي الوقت الذي ينشغل فيه قادة عرب- من دول الاعتدال خاصةً- بتحريض فرق "الردح الإعلامي ضد إيران وحزب الله" وخلق فتنة مذهبية بين أبناء العقيدة الواحدة؛ يذهب الرئيس الإيراني إلى جنيف، ويعتلي منبر الأمم المتحدة، ويتمسك بالمواقف التي تخلَّى عنها العرب، ويشرح للعالم بأسره مدى الظلم الذي وقع على شعب عربي مسلم، على أيدي الصهيونية والغرب الداعم لها.

 

الرئيس الإيراني لم يأتِ بأي جديد، وأعاد التذكير بحقائق جوهرية، تناساها العالم والقادة العرب على وجه الخصوص؛ عندما قال بالحرف الواحد: "بعد الحرب العالمية الثانية لجؤوا إلى الاعتداءات العسكرية لكي يجعلوا أمةً بأكملها بلا مأوى تحت ذريعة المعاناة اليهودية.. وأرسلوا بمهاجرين من أوروبا والولايات المتحدة وأجزاء أخرى من العالم؛ من أجل إقامة حكومة عنصرية تمامًا في فلسطين المحتلة، بل أكثر النظم قمعًا وعنصريةً في العصر الحديث".

 

ما الخطأ في هذا الكلام؟! أليست هذه هي الحقيقة؟! فلماذا ينسحب ممثلو ثلاث وعشرين دولة من قاعة الاجتماع احتجاجًا؟ ألم تدِن الأمم المتحدة- عندما كانت منظمةً دوليةً محترمة وقبل أن تتحوَّل إلى إدارة من إدارات وزارة الخارجية الأمريكية- الصهيونيةَ التي أسست دولة "إسرائيل" كحركة عنصرية؟!

 

هذه الدول التي انسحب ممثلوها هي التي تورَّطت في أكبر جريمة ضد الإنسانية في التاريخ عندما كفَّرت عن ذنبها بالصمت على مجازر النازية ضد اليهود، بتوطينهم في أرض غير أوروبية، وتشريد شعب بأكمله، ودفع مئات المليارات من الدولارات لتثبيتهم بالقوة والحروب في دولتهم العنصرية.

 

إن هذا الانسحاب هو دليلٌ إضافيٌّ على استمرار هذه الدول وقيادتها في دعم العنصرية وتعميق جذورها، خاصةً في هذا الوقت الذي تُحكَم فيه "إسرائيل" بحكومة تضمُّ عتاة العنصريين اليهود، تشترط اعتراف العرب بالطابع اليهودي الصِّرف لدولتهم؛ مما يعني طرد مليون ومئتي ألف مسيحي ومسلم عربي لأنهم من ديانات أخرى.

 

من المفارقة أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تزعَّمت الدول المقاطِعة لمؤتمر جنيف المذكور؛ ظلت- مع دول أوروبية أخرى- تحاضر علينا بكثافة عن خطأ مبدأ المقاطعة، وضرورة المشاركة وطرح الأفكار على الطاولة، عندما كان العرب يقاطعون المؤتمرات التي تشارك فيها وفود "إسرائيلية"، ويرفضون أي مفاوضات مع الحكومات "الإسرائيلية"!.

 

والأخطر من ذلك أن هذه الدول نفسها هي التي استبسلت في الدفاع عن الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى الإسلام ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ بحجة حرية التعبير، واتهمت المتظاهرين المسلمين الغيورين على دينهم وعقيدتهم بأنهم مع قمع الحريات؛ فكيف يمكن أن تفسِّر انسحابها هذا عندما كان الرئيس نجاد يُلقي كلمته ويمارس حقه في التعبير عن آرائه تحت مظلة منظمة أممية؟!

 

الجواب بسيط، وهو أن "إسرائيل" فوق كل القوانين، وتستطيع أن تنتهك ما تشاء منها في وضح النهار، وتجد كل الدعم والمساندة من قادة "المجتمع الحر"؛ لأن هؤلاء يخضعون للابتزاز الصهيوني في أبشع صوره، ويطأطئون رؤوسهم خجلاً من "عقدة المحرقة" التي تلطخ تاريخهم العنصري الأسود!.

 

نشعر بالقهر من هذه الازدواجية والمواقف النفاقية المخجلة للدول الغربية؛ فقد بتْنا نشعر بالملل من كثرة ترديدها، وضرب الأمثلة عليها، ومن اليأس من إمكانية تغييرها في المستقبل القريب، فعندما تتكاتف الحكومات الأوروبية جميعًا على مقاطعة حكومة نمساوية تضم العنصري المتطرف يورغ هايدر، وتفتح ذراعيها مؤيدةً ومساندةً لحكومة "إسرائيلية" تضمُّ من هو أسوأ منه عنصريةً، مثل أفيجدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، وتفرش له السجاد الأحمر كوزير خارجية؛ فماذا يمكن أن نقول أو نضيف؟!

 

إن هذه الازدواجية الابتزازية الصلفة هي التي تؤدي إلى توسيع الهوَّة بين المسلمين والغرب، وانحسار تيار الاعتدال العربي والإسلامي، وتصاعد التطرف ومنظماته، والتفاف الغالبية الساحقة من المسلمين حول القيادة الإيرانية وحلفائها.

 

نشعر بالحزن والإحباط؛ لأن الوفود العربية الرسمية المشاركة في مؤتمر جنيف مارست دورًا "تخريبيًّا" لمصلحة "إسرائيل"، عندما خضعت للابتزاز الأمريكي "الإسرائيلي"، وأزالت جميع الفقرات التي تبنَّاها مؤتمر ديربان الأول- والتي أشارت إلى "إسرائيل" بالاسم كدولة عنصرية- من مشروع البيان الختامي.

 

وما يُحزننا أكثر أن الوفد الفلسطيني، وبأوامر من السلطة في رام الله، هو الذي قاد الترويج والضغط من أجل الرضوخ لهذا الابتزاز على أمل رفع "الفيتو" الأمريكي- الإسرائيلي عن المؤتمر، وهو ما لم يحدث في نهاية المطاف، وذهبت هذه التنازلات هباءً منثورًا، وكرَّرت موقفًا عربيًّا تاريخيًّا في تقديم التنازلات مجانًا ودون مقابل للطرف الآخر.

 

نحمد الله كثيرًا أن الوفود العربية المشاركة في مؤتمر جنيف لم تنسحب تضامنًا مع نظيراتها الأوروبية احتجاجًا على كلمة نجاد، وخيَّبت ظنَّنا ببقائها في مقاعدها؛ لأن بعض الدول العربية باتت تعتبر إيران هي العدو الأكبر وليس "إسرائيل".

 

ففي زمن الهوان العربي الذي نعيشه حاليًّا كل شيء ممكن وجائز، ولم يعد يفاجئنا أي تصرف من أي طرف عربي، خاصةً ما يسمَّى بمحور الاعتدال؛ بما في ذلك أن نرى ليبرمان يُستقبل بالأحضان كوزير خارجية في أكثر من عاصمة عربية!!.

----------

* (القدس العربي) في 22/4/2009م.