جاءتني دعوة كريمة من المنسق العام للمؤتمر القومي الإسلامي في مصر للقاء الصادق المهدي في منزله؛ للاطلاع على آخر الأخبار حول السودان ومشاكله، ولأنني مهتم بالشأن السوداني لأسبابٍ منها أنني أعتبر السودان هو ميدان المعركة القادمة بين الحضارات، والتي يفتعلها الغرب دائمًا لإنهاك الخصوم، واستنزافهم باستمرار، وأغلب الخصوم للأسف ينتمون إلى حضارة مغايرة لحضارة الغرب التي قامت على أكتاف حضارة الخصوم الذين صاروا فيما بعد ضحايا الجشع والطمع الذي يسيطر على حضارة الغرب المادية، ولسببٍ آخر هو كوني مقرر لجنة دعم السودان في اتحاد الأطباء العرب؛ مما أتاح لي فرص اللقاء بكل ألوان الطيف السوداني في لقاءات وندوات ومؤتمرات، تناقش قضايا السودان بكل حرية ووضوح، وقد كنت أداعبهم كثيرًا في كل اجتماعٍ يجمع كل الفرقاء السودانيين، بقولي لهم "أنا أحسدكم على لقاءاتكم، واتساع صدركم للحوار بينكم البعض على أرض مصر، وعقبالنا هنا لما النظام يحاور معارضيه، ويجلس بينهم!!".

 

ذهبت قبل موعدي بربع ساعة، وحضر عدد قليل، واعتذر عدد أكبر لظروف عمل أو طارئ، واستقبلنا السيد الصادق المهدي، وقد يلقبونه أحيانًا بالزعيم أو بالإمام، وبعد الترحيب بدأ في عرض قضية صدور قرار اعتقال رئيس الدولة منذ البدايات، موضحًا بعض الخلفيات حول قضية دارفور فكان مما قال:

- نحن كعرب نصنع أزماتنا المحلية، والتي يستغلها ويوظفها أعداء الأمة ضدنا، فنحن المسئولون عن خلق المشاكل والتناقضات التي نحيا فيها.

 

- حكوماتنا المستبدة أقصت كل المعارضين، وخاصةً أهل الاعتدال منهم فأتاحت الفرصة لظهور قيادات متطرفة كرد فعل طبيعي لممارساتها الاستبدادية، وهو أيضًا كان من ضمن المبررات التي سهَّلت للأعداء التدخل في شئوننا حمايةً لوكلائهم من الحكام!!، وعليه فإن حل مشاكلنا، وإنهاء حالة الاستبداد في أنظمة حكمنا، هو البداية الصحيحة للحل الحقيقي لما نعانيه.

 

- الغرب حكوماته ومفكروه– من واقع زياراتي لهم ولقاءاتي بهم– تأكدوا أن سياساتهم في المنطقة العربية كانت سياسات فاشلة، جاءت بعكس النتائج التي كانوا يرجونها، فانهزمت التيارات المعتدلة لصالح الأخرى المتطرفة!!.

 

- بدأت مشاكل دارفور مثل كل مناطق السودان محلية، نتيجة صراع بين الزراع والرعاة، واشتداد العصبية القبلية وبطء أو غياب مشاريع التنمية وزادت منذ عام 2000م، ولم يكن لها حتى هذا التوقيت أي صراع مع الحكومة أو أي بُعد خارجي.

 

- بدأ تحول الصراع بين الدارفوريين في وسط وغرب دارفور إلى صراع بين وافد من أصول عربية من الرعاة، ومقيم من أصول إفريقية من الزراع!!، واتهمت الحكومة وقتها عبر مدها وسمتها الإسلامي بالانحياز إلى العرب ضد الإفارقة!!، أكَّد وجذَّر هذا الانقسام الذي حدث في الحزب الحاكم عام (1999م- 2000م)؛ حيث انحازت الأصول العربية إلى البشير، والأصول الإفريقية إلى الترابي (من العدل والمساواة).

 

- العوامل التي زادت من المشكلة في دارفور لم تكن موجودة من قبل تمثلت في أربعة عوامل:

1- الإثنية المسيسة (مثل حركة تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة وغيرهما...).

 

2- رفع السلاح ضد الحكومة لأول مرة؛ نتيجة وجود أحزاب مسلحة؛ مما اضطر الحكومة إلى تسليح قبائل عربية غير نظامية لقمع هذه الحركات المسلحة، في ظل صمتٍ أمريكي وقتها؛ لإنجاز اتفاقية بين الشمال والجنوب.

 

3- ظهور المشاكل الإنسانية لنزوح دارفوريين من قراهم، ونشأة مشكلة اللاجئين الذين صاروا مصدرًا للمعلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان، وظفها المناوئون.

 

4- التدويل؛ حيث لم يكن هناك أي قرار دولي خاص بدارفور حتى عام 2004م؛ حيث جاء كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة وقتها؛ ووقَّع اتفاقيةً مع حكومة السودان تشمل عدة نقاط منها: وقف إطلاق النار في دارفور، حماية المدنيين ومعسكرات النازحين، حماية منظمات الإغاثة الإنسانية العاملة في الإقليم، نزع سلاح غير النظاميين المدعم من الحكومة، وبعد عرضها على مجلس الأمن صدر قرار لمتابعة هذا الاتفاق، بتقرير يقدم في نهاية كل شهر، وبطبيعة الحال لم تستطع الحكومة تنفيذ بنود هذه الاتفاقية.

 

- مرت قضية دارفور بعدة مراحل محلية قبل عام 2000م إلى قطرية حتى عام 2004م إلى دولية بعد عام 2004م؛ حيث تشكَّلت لجنة دولية برئاسة قاضٍ إيطالي، كان منها من مصر الأستاذ محمد فائق؛ لتصف ما يحدث في دارفور، بأنها جرائم حرب لم ترق لمستوى الإبادة الجماعية وذلك عام 2005م.

 

- قام حزب الأمة وقتها بلقاءات مع مجالس الشورى لقبائل الفور والمساليت والزغاوة وأفراد من النازحين في يونيو 2004م، وأقررنا بوجود جرائم حرب، وطالبنا بتكوين لجنة تحقيق محايدة محلية لإقرار تعويضات للضحايا، ولم يستجب لنا في وقتها.

 

- تطور دولي جديد حدث بعد قرار مجلس الأمن بتحويل القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ حيث تم تشكيل قوات حفظ سلام دولية بلغ عددها 26 ألف جندي لها مهام محددة في دارفور؛ ومما زاد التدخل الدولي حدة هو اعتماد حوالي 2 مليون مواطن من دارفور (ثلث عدد السكان) على دعم المنظمات الدولية الإغاثية؛ حيث بلغ عددهم 118 منظمة ينفقون 100 مليون دولار، ولهم 14 ألف موظف أجنبي وسوداني، فصارت بذلك دارفور كأنها محمية دولية! ثم انتهى الأمر أخيرًا بقرار المحكمة باعتقال رأس الدولة في 4 مارس 2009م.

 

- المواقف السودانية من القرار الدولي كانت كالآتي: حزب المؤتمر الوطني وتحالفاته رافضون للقرار، أحزاب وحركات دارفور رفعت من سقف مطالبها بعد صدور قرار الاعتقال، ولا أحد من الطرفين يستطيع فرض رأيي على الآخر سوى القتال!، والحركة الشعبية في الجنوب قبلت قرار المحكمة.

 

- أما موقف حزب الأمة فكان... إننا لا نقبل بتسليم رأس الدولة خوفًا من التعدي على سيادة السودان مع التعامل الإيجابي مع قرار المحكمة؛ وذلك بتشكيل محكمة هجين، تطبق قوانين المحكمة الجنائية الدولية مع برنامج للإصلاح السياسي تقره الـ8 فصائل، ينفذ فورًا مع مخاطبة دول الجوار والنظام الدولي بلسان واحد عن السودان.

 

كان هذا موجز ما قاله الإمام الصادق المهدي الذي بدا لي ممشوق القوام قوي البنيان يقظًا مدركًا ومجيدًا قراءة الواقع السوداني داخل السودان وخارجه، ثم دار حوارٌ بينه وبين الحضور بُدِأ بعدة أسئلة منها: الموقف المصري من قضايا السودان في الجنوب والغرب، مصداقية نظام الحكم السوداني في التوجه نحو الديمقراطية، والمشاركة في السلطة، والثروة لكل أبناء السودان، تفاوت المطالب الخاصة بحزب الأمة في حله للأزمة كحزمة واحدة، دور الجامعة العربية دعمًا في تشكيل محكمة عربية للوصول إلى الحقائق ومعاقبة المسئول عنها، موقف الأحزاب الوطنية في السودان من قرار الحكومة بطرد لجان الإغاثة الدولية التجسسية!!.

 

استعرض السيد الصادق كل الأسئلة، ولكن أسرد هنا فقط تعجبه من قرارات القمة العربية التي أعلنت عن مساندتها للبشير، دون أن تتحدث في ثلاث نقاط مهمة: توفير إغاثة إنسانية بديلة عن تلك التي تم طردها، واعتماد مبالغ لهذه الإغاثة العربية، ما هو الموقف أمام قرار المحكمة بشكل قانوني، وعرض بديل لمحكمة عربية أو هجين، لم تتعرض ولم تعترض القمة على اختراق الطائرات الصهيونية لمجالات الدول العربية ولسيادة السودان، ولم يصدر تعليق أو طلب تحقيق!!، فكانت قمةً عجيبةً دعَّمت البشير شخصيًّا، وبالكلام فقط!!".

 

هذا ما سمعناه من رئيس وزراء السودان الأسبق وزعيم حزب الأمة في منزله، ومن المؤكد أن هناك كلامًا يقال أو أمورًا تبحث حول ما ذكره، وهنا بعد أن استعرضت باقتضابٍ مبادرة حزب الأمة، أجد اطمئنانًا قلبيًّا على نجاح حكومة البشير في ظل هذه الأزمة على جمع المعارضة العاقلة حولها تنصحها، وتنقدها وتعرض عليها التعاون، لكن أبدًا لا يُسلِّم عاقل بتفتيت السودان أو يسمح بإضعافه أو بانتهاك سيادته, فشكرًا لكل مَن دعانا، واستقبلنا، وأوضح لنا ما غُيِّب عنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

-----------

* g.hishmat@gmail.com