أخيرًا نطقت الجهات الرسمية، وقررت أن تواجه وترد على مسألة السيادة المنقوصة في سيناء، ففاجأتنا جميعًا بالخريطة "المشهورة المحجوبة"، للترتيبات الأمنية الكريهة لسيناء ومناطقها الثلاثة، تظهر في صدر الصفحة الأولى لجريدة (الجمهورية) في عددها الصادر يوم الخميس 9 من أبريل الماضي.

 

ظهرت ضمن مقال لرئيس التحرير السيد محمد علي إبراهيم، تصدره "مانشيت" عريض بالبنط الأحمر (إنها محرمةٌ عليهم).

 

تناول المقال مسألةَ السيادة في سيناء، وكان مدخله إليها: الاستطلاع اللصهيوني الأخير الذي أسفر عن أن 89% منهم يرغب في إعادة احتلالها، وكيف أنه أعطى ذريعةً للقوى المغرضة في مصر للهجوم على السلام واتفاقيات السلام، وهو ما يستوجب الرد والتفنيد.

 

وقام الكاتب بتفنيده من خلال استعراض وضع قواتنا في سيناء، بالذات في المنطقة (أ)، مؤكدًا أنها أكثر من كافية، وبالرغم من حظر إقامة أي مطارات عسكرية مصرية في سيناء، إلا أن لطائرتنا الحرية في أن تصول وتجول كما تريد في سمائها، وأكد أن الكيان الصهيوني لن يجرؤ على تكرار عدوان 1967م بسبب خسائره البشرية المحتملة التي قد تبلغ 50 ألف قتيل، كما أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تقبل بهذا العدوان لأنه سيضرب مصالحها في مصر والمنطقة.

 

كان هذا هو أبرز ما ذكره الكاتب، ولكن لم يفوته بالطبع أن يُحبِّشه بقدرٍ من السبِّ والقذفِ للإخوان ونوابهم وللناصريين ولهيكل وحوارييه ولكل مَن يتجرأ على التعرُّض للسيادة المنقوصة في سيناء، مع خاتمةٍ من التهديد والوعيد بأن القوات المسلحة خط أحمر فهي قدس الأقداس، وأن أي حديث عن السيادة المنقوصة في سيناء، محظور لأنه تجريحٌ مباشرٌ فيها.

*****

 

المقال بشكلٍ عام، يمكن تصنيفه أنه من الكتابات الضعيفة في الموضوع المطروح، فالحوار الدائر حول هذه المسألة منذ عدة عقود، قد بلغ مستويات أعمق بكثير مما ورد في معالجة السيد رئيس التحرير.

 

ولكن تأتي أهمية الرد عليه، من أنه قد يعتبر ردًّا رسميًّا من الدولة، في مسألة امتنعت أجهزتها منذ فترات طويلة عن إثارتها أو المشاركة في الحوار المباشر حولها، بل كانت سياستها المعتمدة الرسمية في هذا الموضوع هو التجاهل التام.

 

وفيما يلي أهم ملاحظاتنا على ما ورد به:

أولاً: الدلالة المهمة والأساسية للمقال، هي نجاح الجهود الوطنية خلال المرحلة الماضية، في طرح ملف كامب ديفيد والسيادة المجروحة في سيناء على أجندة الجميع، بحيث لم يعد من الممكن تجاهلها كما كان يحدث دومًا.

 

ثانيًا: أن الكاتبَ لم ينفِ وضع الترتيبات الأمنية في سيناء، والتي تقصر وجود قواتنا في المنطقة (أ) فقط، الواقعة بعرض 58 كم شرق القناة، وتقيد أعدادها وتشكيلها وتسليحها، وتخلي باقي سيناء، إلا من قواتٍ رمزية، وهي الترتيبات التي نرفضها جميعًا، ولكن الكاتب أكد أنها أكثر من كافية للدفاع عن سيناء، بدون أن يُقدِّم تفسيرًا لذلك.

 

- كما أنه لم يخبرنا لماذا يتمسك الكيان الصهيوني ويصر على نظرية الحدود الآمنة وليس الحدود السياسية، ولماذا رفض بشدة زيادة عدد قوات حرس الحدود المصرية في ممر صلاح الدين عن 750 فردًا، رغم تكرار الطلب المصري بزيادتها.

 

- ولم يقدم تفسيرًا، لماذا نقبل أن ينزع سلاح 150كم من الأراضي المصرية في المنطقتين (ب، ج) مقابل نزع سلاح 3 كم فقط في الكيان.

 

- ولم يُفسِّر لماذا نقبل أن تراقبنا "قوات" أجنبية في سيناء مقابل مراقبين "مدنيين" فقط في الكيان الصهيوني.

 

- ولم يُفسِّر لماذا نقبل أن تكون القوات الأجنبية في سيناء أمريكية الإدارة والتكوين والتحالف، مع إدراكنا الكامل أن أمريكا ليست طرفًا محايدًا ولا نزيهًا.

 

- وأخيرًا وليس آخرًا، لم يُفسِّر لنا الكاتب الرسمي، لماذا لا ينزعج من عدم قدرتنا على المطالبة بسحب هذه القوات من أراضينا إعمالاً لسياسات السيادة الوطنية المنصوص عليها في القانون الدولي؛ حيث إن موافقة مجلس الأمن، بالإضافة إلى التصويت الإيجابي للدول الخمس الأعضاء الدائمين في المجلس، هي شرط سحب هذه القوات.

 

ثالثًا: أن الكاتب اعتبر أن استطلاع الرأي الصهيوني الأخير هو الذي أثار الموضوع، وهو قولٌ يُجافي الحقيقة، فالموضوع مثارٌ منذ توقيع المعاهدة في 1979م، ولكنه محجوب عن العامة، كشفته وأظهرته مؤخرًا أحداث العام الماضي على الحدود، والعدوان الصهيوني الأخير على غزة وتصريحات آفي ديختر وزير الأمن الصهيوني في 4 سبتمبر 2008م، حين صرَّح "بأنهم خرجوا من سيناء بشرط إمكانية العودة إليها متى يشاءون بموجب ترتيبات أمنية وضمانات أمريكية".. هكذا بكل صفاقةٍ ووضوح.

 

فحقيقة أن سيناء في خطر، هي حقيقة ثابتة وقديمة، والجديد هنا فقط هو اتساع دائرة الإدراك الشعبي والوطني بها مؤخرًا.

 

رابعًا: وهي الملاحظة الأهم: أن السيد إبراهيم اعتبر أن رفض الترتيبات الأمنية في سيناء هو نقد للقوات المسلحة التي اعتبرها قدس الأقداس وخط أحمر لا يجوز الاقتراب منه بتاتًا، وهنا أرجو أن أؤكد بكل التركيز والوضوح الممكن على الآتي:

- أن الجميع يحترم القوات المسلحة للدور البطولي الذي قامت به في حرب 1973م، ولإدراك أن الكيان لا يزال هو العدو الأول لمصر في عقيدتها القتالية، وهو ما يتوافق تمامًا مع وجداننا الوطني والقومي الذي جرح بشدة بعد كامب ديفيد.

 

- ولقد تجلَّى هذا الاحترام في تجنب توجيه أي نقدٍ لها على امتداد 35 عامًا، في معرض الرفض الوطني العميق لاتفاقيات السلام مع الكيان الصهيوني، بل كان التركيز طول الوقت على أن الإدارة السياسية لحرب 1973م خذلت النصر العسكري ولم تكن على مستواه.

 

- وللقصة الذائعة عن دموع الجمسي، وبصرف النظر عن صحتها، بعد اطلاعه على نصوص اتفاقية فض الاشتباك الأول في 18 يناير 1974 التي أعادت 90% من قواتنا العابرة مرةً أخرى إلى غرب القناة، دلالتها، فذيوعها وانتشارها وترديدها، إنما يُعبِّر عن شعور شعبي مستقر، بأن القوات المسلحة لم ترضَ أبدًا عن تسويات كامب ديفيد.

 

- وكيف لها أن ترضى، وهي تضع قيودًا على وجودها في سيناء؟

 

- بل مَن ذا في مصر- حكومةً أو شعبًا- الذي يمكن أن يرفض تحرير سيناء من هذه القيود؟

 

- وعلى ذلك فإن كانت قواتنا لا تملك أن تتواجد في سيناء على الوجه اللازم بموجب المعاهدة المصرية الصهيونية، فإن هذا يُدين المعاهدة وترتيباتها ولا يدين القوات المسلحة على أي وجه.

 

- وأية محاولةٍ للربط بينهما، أو إضفاء حصانة من أي نوعٍ على الترتيبات الأمنية بربطها بحصانة القوات المسلحة، هو موقف خاطئ وشديد الغباء، فحذارِ.

 

- أما عن مسألة الخطوط الحمراء وقدس الأقداس، فدعنا نتفق على أن المقدس الوحيد بموجب الدستور المصري في مادته 58 هو "الدفاع عن الوطن وأرضه".

 

- أما نحن كشعبٍ من المدنيين والعسكريين فكلنا فداء هذا الوطن وخدم له.

 

- وأخيرًا يا أيها السادة الرسميون: إننا نناشدكم، بدلاً من أن تهاجموننا، أن تدفعوا معنا في اتجاه التحرر من قيود كامب ديفيد، وأن توظفوا أصواتنا وغضبنا في الضغطِ لتحسين شروط المعاهدة، وهذا أضعف الإيمان.

------------

*Seif_eldawa@hotmail.com