ما أحلى الاصطفاء والاجتباء من الله لثلةٍ من المؤمنين الصادقين، نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله، ولا نزكي على الله أحدًا؛ ليرفعهم إلى مصافِّ الأنبياء والشهداء؛ ولئن كان طلاب الدنيا يحسدون الناس على ما آتاهم الله، فإن طلاب الآخرة يغبطون إخوانهم على اصطفاء الله لهم، وإن كانوا لا يتمنون لقاء الأعداء، لكنهم يسألون الله أن يربط على قلوبهم، ويثبت أقدامهم، ويفكّ أسرهم، ويخلفهم الله في أهليهم وأموالهم، والله على كل شيء قدير، وبعباده رءوف رحيم، ولا يجري في الكون إلا ما أراده، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
وإن تعجب فعجبٌ أمرُ هؤلاء القوم، وأنا أسائل من حاكمونا ومن حكموا علينا ومن يسجوننا:
أليس هؤلاء جميعًا- حكامًا وقضاة ًوادِّعاءً وسجانين- مسلمين؟!
ألسنا من أبناء هذا الوطن العزيز الجريح؟!
أليس من حقنا أن ننعم بما فيه من خيرات ونشارك في رفعته ونهوضه؟!
أليس من حقنا أن نحيا فيه أحرارًا؟!
أليس من حقنا أن نقيم ديننا على أرضه؟!
أليس من حقنا أن نحكِّم فينا شرع ربنا؟!
أليس من حق المغيَّبين وراء القضبان وفي غياهب السجون أن يستنشقوا نسيم الحرية وأن ينعموا بشمس العدالة والمساواة؟!
أليس لأولئك الحكَّام والقضاة والسجانين أبناء؛ ليحسُّوا بآلام أبنائكم في طول حرمانهم من أحضانكم ودفء صدوركم؟!
أليس لهم زوجات؛ ليدركوا عظم الخطب في حرمان الزوجة من زوجها لسنوات؟!
أليس لهم آباء وأمهات؛ ليعلموا حجم المعاناة التي يشعر بها الأب الذي يحتاج للرعاية، والأم التي تتمنى أن يكون ابنها بجوارها؟!
أليس لهم قلوب يعقلون بها بشاعة الجرم الذي يرتكبونه في حقكم وفي حق الوطن؟!
أليس لهم آذان يسمعون بها ما يقوله العالم- بكل مِلَلِه وعقائده- عن السوء والفساد الذي عمَّ في البلاد والظلم الذي يقع على العباد؟!
أليس لهم أعين يبصرون بها ما يقع على الأرض، وما يُنشر في الفضائيات من أهوال وفظائع تحدث في مصر يشيب لهولها الولدان؟!
أليس من العجب العجاب أن يرقَّ قلب من لا دين له لما يقع في فلسطين ويهب لنصرتها، ونحن نعتقل ونحاكم من يساعد إخوانه في العقيدة والدين، وجاره في الوطن والدار؟!
أليس من المفارقات التي تدع الحليم حيرانَ؛ أن يتخذوا من اليهود أصدقاء وأولياء، يهشُّون في وجوههم، ويستقبلونهم بالأحضان والقبلات؛ بينما لا يكتفون بالتجهُّم في وجوه إخوانهم في الدين والعقيدة والوطن، وإنما يضربونهم بيد من حديد والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)﴾ (المائدة)؟!!
وأليس من المدهش أن تذوب العداوة بينهم وبين اليهود، الذين قال الله فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: من الآية 82)، بينما تقوى الخصومة ويشتد العداء بينهم وبين المسلمين؟!
وماذا يقول هؤلاء في تقديم مقوِّمات الحياة لدولة يهودية تُحتَضَر، بينما يمنعون الدعم عن دولة مسلمة تقوم في أرض المحشر والمنشر والمسجد الأقصى؟!
وهل يفضل هؤلاء دولةً صهيونيةً تهدِّد أمن المنطقة واستقرارها منذ قرن؛ على دولة مسلمة بشَّرت بقيام الأمن في غزة بعد رحيل الصهاينة عنها، وهروب عملاء الصهاينة منها؟ ونحن ننتظر أن يعمَّ الأمن المنطقة بعد رحيل الصهاينة من كل فلسطين، ورحيل العملاء معهم، وما ذلك على الله بعزيز.
وهل وصل بهم المدى إلى أن يحسبوا أن كذبهم صار صدقًا، وأن باطلهم صار حقًّا، وأن العالم كله لا يفهم، وأنهم وحدهم هم الذين يحسنون صنعًا؟!
ألا يدرك هؤلاء أن حياتهم ليست إلا مسرحية، وأنَّ كل من حولهم يمثلون عليهم أو لهم؟!
ألا يدرك هؤلاء أن تغييب المخلصين من أبناء الوطن وتقديم النفعيين المرائين الممثلين طامةٌ كبرى تُلحق بالوطن الخراب؟!
ألا يعلم هؤلاء أن تغييب الشجعان عن ساحة القتال سيلحق بهم هزيمة تأتي على الأخضر واليابس؟!
ألا يرى هؤلاء ما يدور حولهم في فلسطين من صنيع الصهاينة، وتنفيذ مخططهم، وأنهم لن يكفوا حتى تحقيق الحلم الكبير من النيل إلى الفرات؟!
أليس من هؤلاء رجل رشيد يقول لهم: كفانا هزلاً فقد صرنا هزوًا أينما ذكرنا؟! وكفانا سخريةً، فقد سخرت منا أبناء القردة والخنازير، وسخر منا كل العالم.
وكفانا ذلاًّ، فقد رَكِبَنا الذل وهزَّ رجليه، وأرجعنا مصر إلى الذيل والذل؟!
أليس فيهم مؤمن آل فرعون ليقول لهم: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ(38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ(39)﴾ (غافر)، وليقول لهم: أتسجنون رجالاً لأنهم يقولون: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ(28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ (غافر: من الآيتين 28، 29)؟!! ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ(4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ(5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(6)﴾؟ (المطففين).
ولا نملك إلا أن نشدَّ على أيدي إخواننا، ونقول لهم: صبرًا أيها الإخوان، فإن أجركم لكبير في صبركم وثباتكم: ﴿...إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(10)﴾ (الزمر)، وإن أجركم لعظيم؛ لتأسي غيركم بكم في الصبر والثبات، ففي ثباتكم الهداية والثبات لمن وراءكم، وفي صبركم منع الضلال عن غيركم، وما قصة الإمام أحمد عنكم ببعيد!.
لقد قرر الإمام أحمد أن يضحِّي بنفسه في سبيل الحق؛ حتى يثبت الحق ولا تضل الأمة.. قال المروزي: قلت- وأحمد بين الهنبادين-: يا أستاذ.. قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (النساء: من الآية 29)، قال: يا مروذي! اخرج انظر، فخرجت إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقًا لا يحصيهم إلا الله تعالى، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر، فقال لهم المروزي: أي شيء تعملون؟ قالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه، فدخل إلى أحمد فأخبره، فقال: يا مروزي أضل هؤلاء كلهم.
وإن أجركم لعظيم؛ لهداية كثير ممن عرفوا الدعوة الحق، بما نشر حول قضيتكم العادلة، وظلم بني جلدتكم لكم، ولو كانوا طائفة أخرى ما فعلوا ذلك بكم، ولو كنتم أنتم طائفة أخرى لأكرموا نزلكم وأطلقوا سراحكم، ولكنَّ أكثرهم للحق كارهون.
وإن أجركم لعظيم؛ لشدة بلائكم، وطول امتحانكم، فشدة البلاء مصحوبة بعظيم العطاء، وطول الامتحان يعقبه الخلود في النعيم.. عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِى دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِىَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِى عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ" (قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ- الترمذي رقم 2578).
وإن أجركم لمضاعف بقدر غيظكم لعدوكم لثباتكم ورفضكم إعطاء الدنية في دينكم ودنياكم، ولو كان الثمن السجن سنين عددًا، ولسان حالكم يردِّد ما قاله يوسف عليه السلام ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ(33)﴾ (يوسف).
صبرًا أيها الأحباب في مجال السجن صبرًا؛ فأنتم الأعلون: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(35)﴾ (محمد).
صبرًا أيها الشُّمُّ الرواسي.. ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)﴾ (آل عمران).