إنَّ الأزمة المالية العالمية التي بدأ التحذير منها من قِبَل خبراء الاقتصاد في بداية التسعينيات، وبدأت آثارها تظهر على المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية والمحلية في أواخر العام الماضي، والتي تمثلت هذه الآثار في:
1- الهرولة في سحب الإيداعات من البنوك (رأس المال جبان).
2- تجميد منح القروض للشركات والأفراد من قبل المؤسسات المالية.
3- نقص السيولة لدى الشركات والأفراد وانخفاض الطاقة المستغلة لدى الشركات.
4- انخفاض المبيعات ومعدل الاستهلاك والإنفاق؛ مما أدّى إلى مزيد من الكساد والبطالة والتصفية والإفلاس (انهيار بنك ليمان برازرز رابع أكبر المؤسسات المالية في أمريكا، وغيره من المؤسسات المالية والصناعية الكبرى في أوروبا وأمريكا).
5- ازدياد معدل البطالة بسبب الإفلاس والتصفية.
حيث نشرت وزارة العمل الأمريكية تقارير أشارت إلى ارتفاع معدل البطالة إلى 8.5% وهو الأعلى منذ 25 عامًا بعد أن استغنت الشركات الأمريكية عن 663 ألف موظف في مارس 2009، ويشار إلى أنه منذ ديسمبر 2008 فَقَدَ الاقتصاد الأمريكي 5.1 ملايين وظيفة.. هذه الأزمة الاقتصادية في أمريكا أدَّت إلى أزمة اجتماعية ونفسية؛ حيث نشرت الرابطة الأمريكية لعلم النفس نتيجة مسْح قامت به أن 8 من بين 10 أمريكيين يقولون: إن الحياة الاقتصادية هي مصدر رئيسي للتوتر في حياتهم.
- عدد العاطلين في إنجلترا وصل إلى 2 مليون عاطل، ومرشح لأن يصل إلى 3 ملايين هذا العام.
- أما عربيًّا فمعدل البطالة وصل إلى 15%؛ أي 17 مليونًا، ومرشح لأن يصل إلى 21 مليون عاطل بحلول 2010.
وفي مصر زادت نسبة البطالة وتسريح العاملين في القطاع الخاص وقطاع الأعمال، وانخفضت عائدات قناة السويس بنسبة 25% وتسريح ما يقرب من مائة وخمسين ألفًا من العاملين في دول الخليج، كانوا يضخُّون مليارات الدولارات في الاقتصاد المصري.
أيضًا أدى انخفاض معدل التصدير بنسبة كبيرة إلى توجيه الشركات والمصانع المصدِّرة إلى تسويق منتجاتها بالسوق المحلي؛ مما أدّى إلى حالة من الإغراق من السلع، وأثّر وبشكل ملحوظ على أصحاب وحدات الإنتاج الصغيرة؛ مما أدّى إلى إغلاق الكثير من الورش الصغيرة التي لم تستطع دخول المنافسة مع هذه المؤسسات الكبيرة كورش تصنيع الأحذية، وتصنيع الأثاث وغيرها.
- إذًا على المستوى العالمي يوجد جيش من العاطلين ذوي المسئوليات الأسرية.. رب العائلة من أين يأتي بنفقات الطعام والشراب والكساء والسكن والتعليم لأبنائه؟!
- ماذا لو استمرت هذه الأزمة بعض الوقت؛ خاصةً أن بعضًا من مستشاري الرئيس الأمريكي أوباما يشكِّكون في نجاح الإجراءات التي اتخذتها إدارته في مواجهة الأزمة).
مع الزيادة في جيش العاطلين... في ظل غياب منظومة من القيم التي تحافظ على استقرار المجتمع... حتمًا على المدى الطويل من الممكن أن تؤدي هذه الأزمة إلى انهيار هذه المجتمعات.
- وهنا تكمن فرصة المجتمعات العربية والإسلامية في امتلاكها منهجًا إسلاميًا ماليًّا واقتصاديًّا، قال عنه وزير الخزانة البريطاني أليستير دارلينج: "لا يمكن معالجة عجز الميزانية دون تضخم ولا بطالة, ودون الاستعانة بالصكوك الإسلامية.. ثم أرجع سبب الانهيار المالي وتبخر مليارات وتريليونات الدولارات إلى ما قاله "ليس لهذا تفسير سوى ما بينه القرآن للربا ﴿يمحق الله الربا﴾ والمحق هو الاختفاء والمحو"، وكما قال خبير الاقتصاد ورئيس وزراء مصر الأسبق إن الزكاة هي الحل لكل مشاكل الاقتصاد المصري، وفي دراسة أعدّها الدكتور سيد عطية عبد الواحد أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس قال إن المنهج الإسلامي الاقتصادي يتأسس على تقوى الله ومخافته، ويلزم أفراده بالتعاون على حل مشكلة البطالة.
- إذًا تمتلك الأمة الإسلامية منهجًا ربانيًّا قائمًا على قواعد، تضمن الأمن والأمان والاستقرار منها:
أولاً: يقوم هذا المنهج على منظومة من القيم والمثل والأخلاق، مثل الأمانة والتيسير والتعاون والتكافل.. كما تحرِّم الشريعة الإسلامية المعاملات الاقتصادية التي تقوم على الكذب، والمقامرة، والغرر، والجهالة، والاحتكار، والجشع، وأكل أموال الناس بالباطل، فلا يوجد اقتصاد إسلامي بدون أخلاق.
ثانيًا: يقوم النظام الاقتصادي الإسلامي على قاعدة المشاركة في الربح والخسارة وعلى التداول الفعلي للأموال والموجودات؛ كما حرمت الشريعة الإسلامية كل عقود التمويل بالاستثمار القائمة على التمويل بالقروض بفائدة، والتي تعتبر من الأسباب الرئيسية للأزمة المالية العالمية الحالية.
ثالثًا: حرَّمت الشريعة الإسلامية كل صور وأشكال بيع الدَّين بالدين؛ فقد نهى رسول الله "عن بيع الكالئ بالكالئ"؛ أي بيع الدَّين بالدَّين، كما حرمت الشريعة الإسلامية نظام جدولة الديون مع رفع سعر الفائدة ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 279).
بالإضافة إلى ذلك تمتلك الأمة الإسلامية منظومةً من القيم القرآنية التي تحافظ على تماسك المجتمع وتحصنه من الانهيار.. فهذا الذي فقد عمله ينضم إلى طائفة المساكين الذين حثَّ الله عز وجل كل مسلم ينطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله- وهم أكثر من مليار ونصف مليار مسلم- على التكافل مع هذا المسكين والوقوف بجواره حتى يعود إلى عمله من جديد.
- فجعل الله بعض الكفارات كالظهار مثلاً إطعام المسكين ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (المجادلة: 4)، وحض الله عز وجل على إطعام المسكين.. ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (الإسراء الآية 26) ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الروم: 38).
فإطعام المسكين ابتغاء وجه الله باب من أبواب الفلاح في الدنيا والآخرة ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا﴾ (الإنسان: 8, 9)، وجعل الله عز وجل أن من أسباب تيسير الله للمسلم في التغلب على ما يواجهه من مشكلات في الدنيا هو إطعام المسكين والمساهمة في إطلاق سراح الأسير ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ , أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (البلد: 11 إلى 16)، بل جعل الله عز وجل أن من سلوكيات أهل الجحيم أنهم لا يطعمون المسكين ولا يحضون على إطعامه ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ* وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الحاقة: 33، 34).. ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (المدثر: 42, 34, 44).
وجعل الله عز وجل من تعريف ومواصفات الذين يكذبون بيوم القيامة الذين لا يحثون الناس على إطعام المساكين، ولم يعفِ الله الفقير الذي لا يمتلك ما يطعم به المسكين من المسئولية، بل أمره أن يحث الغني على ذلك ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الماعون: 1, 2, 3).
وأخيرًا.. أقول إن المجتمعات الإسلامية والعربية أمامها فرصة كبيرة لتعود إلى قيادة العالم من جديد؛ وذلك لما تمتلكه من منهج رباني قادر على إسعاد البشرية، وكذلك امتلاكها منظومة من القيم القرآنية الربانية التي تحافظ على تماسك المجتمعات البشرية وتحميها من الانهيار.. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: 108).. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة 15, 16).