مع اقتراب ذكرى يوم الأسير الفلسطيني، والذي يصادف في السابع عشر من هذا الشهر، يُحيي الفلسطينيون هذا اليوم وقد بلغ عدد المعتقلين في سجون الاحتلال أكثر من 11000 أسير فلسطيني بينهم أطفال ونساء وشيوخ ومرضى، وبينهم من مضى على حكمه داخل السجن أكثر من خارجه، لكن الهمم عالية، فسجنهم ليس عارًا، بل شرفًا يتفاخرون به أمام الأمم الحرة.

 

حساسية موضوع المعتقلين الفلسطينيين في الحقيقة تذهب إلى عائلاتهم، فهم أكثر بلاءً وعناءً من الأسير نفسه، لما في فقدانه من بيته وغرفة نومه وجامعته وذكرياته المضحكة والمبكية من أهمية بالغة على والدته وزوجته وأبنائه وإخوانه، لذلك نجد عائلاتهم أحرص على المشاركة في أي فعالية خاصة للأسرى والمعتقلين؛ فتراهم أوائل الناس ذهابًا للاعتصام حاملين صور أبنائهم وبناتهم، ودمعة الحرقة والقهر من الفراق القسري واضحة في عيونهم من غير صراخ، لا هم لهم سوى رؤية أحبابهم.

 

وينتظر هؤلاء المعتقلون القدامى والنساء والمرضى والشيوخ والأطفال والشباب فرج رب العالمين، هم على يقين بموعد مع الحرية، يتضرعون إلى الله تعالى أن يكون قريبًا، لا يهم الأسير وعائلته طريقة خروجه، إما بتفاهم سياسي أو تفاهم أمني (اختطاف جنود)، ولا يهم الفلسطيني أيضًا الطريقة لتحريرهم، المهم لدينا هو كيف نرى البسمة ودموع الفرح على وجوه أمهات وأبناء وزوجات الأسرى.

 

بعد احتلال الكيان الصهيوني لباقي فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) بدأت حملة الاعتقالات تنتشر في صفوف الفلسطينيين، وبسرعة مطردة كلما اشتدت المعركة بين الفلسطينيين في الداخل والخارج مع الاحتلال الصهيوني، فمنذ ذلك التاريخ، وحتى الآن اعتقل الاحتلال ما يزيد عن 900000 فلسطيني في ظروف مختلفة وبقي منهم الآن 11000 أسير، بالتالي لم يكن بوسع الفدائيين الفلسطينيين منذ الاحتلال وحتى أوسلو سوى خطف الجنود، وتمكنت فصائل مختلفة من خطف جنود ومبادلتهم مع أسرى فلسطينيين، وهو أسلوب أثبت نجاعته من حيث قدرة المقاومة الفلسطينية على فرض شروطها في إطلاق سراح الأسرى، على عكس ما يجري حاليًا في ظل السلطة الفلسطينية، ومفاوضاتها مع حكومات الكيان، والتي نتج عنها في ملف المعتقلين الإفراج عن آلاف الأسرى، ولكن بنوعية مختلفة وظروف سياسية مختلفة عن السابق، لا بأس في ذلك، الإفراج عن أي معتقل هو بمثابة إنجاز نفسي ووطني، على الرغم من الإفراج عن هؤلاء الأسرى بالطريقة السلمية إلا أنها لم تكن بالمستوى الذي يطلبه الشارع الفلسطيني بشكل عام، فالشارع الفلسطيني يتمنى الإفراج عن مئات المعتقلين القدامى، والذين أمضوا حياتهم داخل السجون أكثر من حياتهم خارجه، والإفراج عن أسيراتنا؛ لأنه لم يعد هناك معتصم بالله يصونهن ويحميهن.

 

ومن المعروف أن كافة عمليات الإفراج التي نتجت عن المفاوضات بين الجانبين بعد قمة أنابوليس كلها كانت لحسابات رفع رصيد حركة فتح والرئيس محمود عباس، حيث إن استثناء أسرى حماس والجهاد لهو أكبر دليل على نية المفاوض "الإسرائيلي" تعميق الانقسام وفرض أمر واقع على نظرائه من المفاوضين، وهو ما يعطي نتيجة عكسية عند الفلسطيني؛ حيث عملية إفراج كهذه تحرج الرئيس وحركة فتح، وتضرّها أكثر مما تنفعها لأنها أتت من طرف واحد، والسلطة منذ أوسلو وحتى الآن لم تستطع بسياستها ومفاوضتها الإفراج عن فلسطيني بشروطها على االرغم من ذلك إلا أن الإفراج عن أي أسير يظل إنجازًا نفسيًّا ووطنيًّا لدى الأسير وعائلته التي اجتمع شملها من جديد..

 

لكنّ ما يؤلم وما يحزن الآن هو كلام البعض وانتقادهم عن طريقة المقاومة التي عمدت لخطف جندي صهيوني لمبادلته بأسرى فلسطينيين بل مطالبتهم المقاومة بإرجاعه، وحتى زاد البعض في كلامه قائلاً: إن شاليط كلّف الفلسطينيين آلاف الشهداء والجرحى وأنه كان بالإمكان تفادي هذه المخاطرة، وأصبح كل شهيد يسقط بعد شاليط سببه خطف شاليط على حدِّ وصف هؤلاء.

 

 وبعد أن اقتنع الاحتلال بضرورة التفاوض مع المقاومة، وبعد فشل جولات التفاوض بسبب تمسك المقاومة بشروطها وعدم التنازل عنها؛ خرج بعض رموز السلطة ليقولوا ما معناه أن على حماس أن تقدم تنازلات كي تنجح صفقة التبادل، مع الأسف هذا ما يعمل على إعاقة الجهود المبذولة من أجل إتمام صفقة مشرِّفة وإخراج ما لم تستطع السلطة إخراجه على مدى ثمانية عشر عامًا من المفاوضات.

 

لكنْ واضحٌ أن هؤلاء يخافون إنجازًا ومكسبًا سياسيًّا لحركة حماس والمقاومة لإحراجهم أكثر من اللازم، وهل الخوف من تحقيق حماس مكاسب لها فيه ضرر عليكم؟ المكسب سيذهب إلى الإخوة وليس إلى الأعداء، والنصيحة لهؤلاء السكوت في هذه القضية بالتحديد فهو خير وأفضل لهم وفي سكوتهم تفادي دعوة المظلوم من أهالي وعائلات الأسرى، هذه القضية تمس قلب الأم من الداخل وتعمِّق جُرخها بدل تضميده، ولنذهب لنسأل أهالي الأسرى الفتحاويين قبل الحمساويين، هل للمقاومة أن تتنازل؟ الجواب: لا بكل تأكيد؛ لأن المرارة يتذوقها مَن بداخلها، فاتّقِ دعوة المظلوم؛ لأنها ليس بينها وبين الله حجاب، وهل يوجد ظلم أكبر من هذا الظلم؟.

 

وختامًا.. لا بد من التأكيد أنه ليس من الواجب الاستهانة بالإفراج عن أي أسير فلسطيني، سواء كان طريقة الإفراج عنه سياسية أو عسكرية؛ لأنه بذلك تطيب نفسه ويسعد أهله وجيرانه وأحبابه، ونريد أن نذكر أنه ما دام الاحتلال باقيًا فقد بقي الاعتقال وبقيت المقاومة، شاليط هذا من المفترض أن لا يكون الأخير؛ لأن الأسرى المفترض الإفراج عنهم فقط نسبة بسيطة لمن سيبقى بعدهم، و"إسرائيل" لن تكفّ عن سياسة الاعتقال ما دامت جاثمة على أرضنا، بالتالي شاليط لن ينهي معاناة الأسرى، إنما سينهي جزءًا بسيطًا من آهات أمهات وزوجات وأبناء المعتقلين، فلا داعي للكلام بسلبية بهذا الملف، ولتُتْرك السياسة جانبًا عندما نتحدث عن السجن والسجان! لأن دعوة المظلوم مستجابة بإذن الله.

----------

 صحفي فلسطيني.*