بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، التي حصدت بها حوالي 60% من مقاعد البرلمان؛ بدأ الخناق منذ ذلك الحين على الشعب الفلسطيني ومعاقبته- بفتحه وحماسه وغيرهما- على تشكيل حكومة وفق رؤية حماس التي دخلت على أساسها معترك الانتخابات والسياسة، الذي سرعان ما تحوَّل إلى عراك داخلي واتهامات متبادلة في البيت الفلسطيني الداخلي؛ مجموعة ترى الحل السلمي أسلم، وأخرى ترى عكس ذلك، لتدخل منطقًا ومعادلةً جديدةً في السياسة الفلسطينية التي كانت قائمةً على القطب الواحد، وهي تحدِّد وتخطِّط وتفاوض وتوقِّع وتحاور حكومات إسرائيل المتعاقبة، والتي أفضت إلى ما أفضت إليه.

 

وعن الحوار الداخلي الذي نتج من خلاف الرؤى بين أقطاب السلطتين (برنامج رئاسي وبرنامج حكومي) فقد نشط الحوار الداخلي منذ الخامس والعشرين من حزيران عام 2006 ونتج منه وثيقة الوفاق الوطني، ومرورًا بمكة وصنعاء وأخيرًا القاهرة، لا يزال الفلسطيني يرقب ويتساءل: ماذا بعد؟!

 

وهنا أجاب الناطق الرسمي لحركة فتح د. جمال نزال عن هذا السؤال في مقال له، وبشكل يبحث في سفاسف الأمور عن حماس، وذكر فيه من المعلومات ما لا أدري من أين أتى بها؟! أنا هنا لست في خضمِّ الهجوم على فتح أو الدفاع عن حماس، لكنَّ الواقع شيء وهذا المقال شيء آخر!.

 

ومع الأسف استعمل د. نزال عباراتٍ وأوصافًا لا تليق بمكانته العلمية والتنظيمية، فشبَّه حماس بالعدوِّ الأساسي من خلال ربطه بشكل مباشر مع "إسرائيل"، وسأكتب تعليقاتي بنقاط متسلسلة حول ما قاله د. نزال؛ الذي مع الأسف فيه شماتة من عدم نجاح الحوار حتى اللحظة، وهنا أقولها بصراحة وبشكل مباشر للدكتور نزال: إن كلامك هذا مردود عليك وعلى حركة فتح؛ باعتبارك شخصيةً رسميةً بها، وسأبدأ بالتالي:

أولاً: وفي بداية مقاله وبطريقة فيها بعض اللمز "حيث عادوا كلٌّ إلى وطنه المختلف"، وطننا واحد يا دكتور نزال، وهو فلسطين، ومن يسكن بالخارج سكنه مؤقت، وسيعود إلى أرضه، متيقنين وعد الله، ولا تنسَ أن هناك 6 ملايين لاجئ في الخارج لهم وطن واحد اسمه (فلسطين)، والصورة واضحة.

 

ثانيًا: خلط كاتب المقال الحابل بالنابل من خلال عشرين عامًا من الحوار دون فائدة مع حركة حماس، واستشهد في ذلك بحوار المنظمة مع حماس عام 89؛ حيث إن برنامج المنظمة كان مختلفًا عن برنامجها الآن، فلا أدري ما العلاقة بين الماضي والحاضر، والمنظمة تغيَّرت بمفهومها المنطقي، فمن داخلها ما يعارض أصلاً اتفاقاتها مع "إسرائيل" مثل الجبهة الشعبية وغيرها.

 

ثالثًا: يقول كاتب المقال مستهزئًا بحماس في تلك الفترة، فوصفها بالرضيعة!، حماس اليوم في ريعان الشباب، وفتح هَرِمت وشاخت، هذا برأيك وليس رأيي؛ لأن هذا المنطق غير منطقي، ولا داعي لهذه الحسابات.

 

رابعًا: ختم كاتب المقال أحد عناوينه الجانبية (عشرون عامًا من النكد والبلاء) ملمِّحًا إلى الحوار مع حماس، وهنا أستغرب..! لماذا لم يُضِف أيضًا عشرين عامًا من النكد والبلاء من المفاوضات مع الاحتلال؟! هل حماس إلى هذا الحد أزعجتكم يا د. نزال؟!

 

خامسًا: يقول د. نزال إن السلطة فاوضت حماس قبل أن تفاوض "إسرائيل"!، والرد بسيط جدًّا ومن شهادة أهله، ارجع إلى كتاب "الطريق إلى أوسلو" من كتاب الرئيس محمود عباس؛ حيث قال: إن المفاوضات السرية بدأت منذ عام 83 واجتمعت فيها قيادات فتحاوية مع قيادات "إسرائيلية" لتغيير المفاهيم، ونقل الصراع من الميدان إلى الطاولة والورق!.

 

سادسًا: قبل أن تتفاوض المنظمة مع حماس في عام 89 أريد هنا أن أذكِّر الدكتور نزال أن مجموعات منظمة في فتح قامت- منذ تأسيس حماس- عمدت إلى ضرب وملاحقة كوادر وأنصار حماس في بيوتهم، وفي الشوارع وفي المعتقلات؛ حتى شكّلت الحركة مجموعات ردع أقنعت الكثير أنها قوة صاعدة لا يستهان بها!.

 

سابعًا: يتحدث كاتب المقال عن العمليات البطولية التي قامت بها فصائل المنظمة، وحماس تفتخر بها أيضًا، وعليك أن تفتخر بعمليات حماس النوعية أفضل من أن تشارك الصهاينة في التحريض على حماس بأنها تستهدف النساء والرضَّع، فهذا الكلام مع الأسف لا أسمعه من غير الصهاينة، وإن كنتَ تقصد عمليات حماس في الحافلات والمطاعم، فالمجتمع "الإسرائيلي" مجتمع معسكر وكلهم محتلون، ولحركة فتح فضل كبير في دكِّ الصهاينة في حافلاتهم ومطاعمهم ومحلاتهم التجارية، ولهم الفخر في ذلك.

 

ثامنًا: يقول د. نزال إن حماس رفضت الفصائل الصغيرة المشاركة في الحوارات، أعتقد أن الخلاف واضح بين مَنْ ومَنْ، وأَنْ تَحْشُرَ البعض في هذا الخلاف فأنت تزيد الطين بلة.

 

تاسعًا: عن أن حماس تصف بعض الفصائل الصغيرة بالمجهرية، وأنت كذلك وَصفْتَ بعض الفصائل بأنها مجهرية، بل استهزأت بمقاومتهم، وكان ذلك على برنامج "الاتجاه المعاكس"؛ الذي كان بمقابل أحد قيادات "الجبهة الشعبية- القيادة العامة"، ووصفْتَ فصيله بأنه لا يمكن رؤيته حتى بالمجهر!.. كلام مردود على صاحبه!.

 

عاشرًا: يتحدث الكاتب عن لاءات حماس.. وهي التمثيل النسبي ومنظمة التحرير.. إلخ، أما عن التمثيل النسبي فحماس طبعًا سترفض؛ لأن فتح تلعب بقانون الانتخابات لمصلحتها الخاصة، ليس فقط الآن، وإنما منذ الانتخابات المحلية، وقبل إجراء الانتخابات التشريعية، بالإضافة أن من شكَّل هذا القانون هو فتح، وهي- أصلاً- كانت ترفض هذا القانون، وكانت تنادي بثلث قوائم وثلثين للدوائر!! فهل لصاحب المقال أن يشرح المزاجية رغم أنها واضحة؟!
أما عن المنظمة وبرنامجها فالمنظمة بحاجة إلى إصلاح بشهادة أهلها الحاليِّين، وهناك من بداخلها يريد التخلص من اتفاقياتها! فمن الأجدر أن تنتقد الداخل قبل أن تذهب للخارج.

 

وأما عن أجهزة الأمن فهل أجهزة الأمن في الضفة تخضع لمقاييس مهنية ووطنية؟! مقاومون من فتح وحماس والجهاد في سجونها! أين المهنية والوطنية؟!

 

وأما رفض حماس التزام الاتفاقيات، فأعتقد أن حماس دخلت ببرنامج واضح، وإذا غيَّرته فستنتحر وطنيًّا وأخلاقيًّا!.

 

حادي عشر: مقال د. نزال في الحقيقة طويل، والكثير منه غير مفهوم وغير واضح لتشتُّت أفكاره، وهذا بعض ما رددت عليه ولكن لا بد من تنبيه الكاتب الدكتور نزال إلى بعض الأشياء التي ينبغي عليه أن يتذكَّرها، وعلى الإنسان أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب غيره على فعلةٍ فعَلَها، فرغم كتابة مقاله الطويل عن حماس وانقلابها، ووصفها بأوصاف مستغربة، إلا أنه تطرَّق إلى قضية الاستيطان ومشاكل السلطة الفلسطينية فقط بأقل من سطر!.

 

فماذا فعلت السلطة الفلسطينية منذ أنابولس المجيد؟! هل جُمّدَ الاستيطان؟ هل وقفت حملات تهويد القدس؟ هل الأقصى في "لا خطر"؟ وماذا عن اللاجئين؟ وماذا عن الاقتصاد الفلسطيني؟ ماذا عن البطالة التي ترتفع بشكل مستمر في الضفة؟ ماذا عن غلاء المعيشة؟ ماذا عن الأمن؟ سرقات، وعائلات تذبح بعضها، أضف إلى ذلك الاقتحامات "الإسرائيلية" المتكررة التي تخطف فيها حوالي 80 فلسطينيًّا كل أسبوع، فأين الأمن من أجهزة الأمن في ذلك؟ ماذا عن اعتداءات المغتصبين؟ ماذا عن الحواجز يا كاتب المقال؟، هل أنتم أحسن حالاً من أهل غزة؟! قطعًا لا، وأنا أتحدث هنا فقط بعد أنابولس، وإذا أردت التحدث قبله بعشرين عامًا فلن أنتهي، بالرغم من ألم غزة ومعاناتها وخنقها إلا أن الأمم الحرة تفتخر بها وهي تفتخر بنفسها أمام العالم!.

 

وأخيرًا.. أنت تقول يا د. نزال إن حماس معزولة وطنيًّا، فهي فعلاً معزولة ليس فقط من بعض إخوانها من لحمها ودمها، وإنما عربيًّا ودوليًّا، من أنظمة لا تعرف العدل في العراق، ولا الجوع في الصومال والسودان، وتخشى على نفسها من الضياع في ليلة ليس فيها ضوء قمر، أتمنى أن تكون قريبةً، ولطالما يظل الاستهزاء سيدَ الموقف عند الدكتور نزال من حركة حماس وأنصارها من الفلسطينيين الذين يشكِّلون الأغلبية؛ فعليه أن يسأل نفسه: لماذا أحبَّ الشعب الفلسطيني حماس وكرهتموها أنتم؟!

---------

* صحفي فلسطيني.