لعل الحالة الفلسطينية السياسية الراهنة وصلت بأصحابها إلى طريقٍ مسدود، فالقضية الفلسطينية تجمع كل التناقضات، وتنصهر في بوتقتها جميع التجاذبات والأجندات، لتشكل أنموذجًا فريدًا على مستوى العالم؛ فهي تجمع بين خيار المقاومة لاسترداد الحقوق، وخيار التسوية والتفريط بالحقوق!، وعليه كان حوار القاهرة، ومن قبله حوار صنعاء، واتفاق مكة المكرمة "الذي لم يرَ النور" والحكاية الفلسطينية طويلة بهذه المفردات والنصوص.

 

يبدو للعيان أن صعود اليمين الصهيوني المتطرف إلى سدة الحكم داخل الكيان الصهيوني برئاسة بنيامين نتنياهو وعضوية أفيغدور ليبرلمان وشخصيات تتصف بالإرهاب والتشدد في مواقفها، مقابل انتصار حركة حماس "المزلزل" على العدو الصهيوني وتمريغها لأنوف أولمرت وباراك وليفني بالتراب، يبدو أنه لم يقنع بعض المتحاورين من جهة السلطة الفلسطينية لتقديم تنازلات ولو طفيفة، تلامس وتحاكي مشاعر ملايين الفلسطينيين، كالمطالبة بالاعتراف بالكيان الصهيوني، والموافقة على إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني "رغمًا عنهم"!.

 

اتفق الفرقاء إذًا على تأجيل الحوار إلى الأسبوع الأخير من الشهر الجاري، ولا نشك لحظةً واحدة أن الفيتو الصهيوأمريكي كان لاعبًا وحاضرًا بقوة في حوار القاهرة وما سبقه، ودليل ذلك أن جميع الحوارات التي تمت قد وصلت إلى طريق مسدود، والنتيجة ما نشهده من تشرذم (فلسطيني- فلسطيني) نتيجة الخلاف على أجندة خارجية!، وهو ما بات يشكِّل أهم وأخطر العوائق التي تعترض سبل التوصل إلى إصلاح شامل يعيد للقضية الفلسطينية رونقها وألقها.

 

سبق لنا أن جربنا بنيامين نتنياهو الذي فشل في إتمام دورته كرئيس وزراء للكيان الصهيوني؛ فكان خروجه المذلّ من الحكومة بعد إخفاقه الكبير في محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الأستاذ خالد مشعل في عمان يوم 25/9/1997م، وما أريد قوله هنا هو اقتراب زوال دولة الكيان الصهيوني، فاختيار رجل لمرة ثانية في منصب أثبت فشله فيه دليلٌ على حالة من الحيرة والتخبُّط يعيشها الكيان الصهيوني، ستعجل بزواله والقضية هنا متروكة للوقت.

 

أما الروسي العلماني أفيجدور ليبرلمان الذي تولَّى منصب وزير خارجية الكيان الصهيوني؛ فيرى أن هدف الصهيونية هو الحفاظ على دولة ذات قومية واحدة هي اليهودية، وأن وجود أقلية أخرى كبيرة يتناقض مع هذا الهدف، ويناقض رؤيته في وجوب الحفاظ على الدولة اليهودية النقية، ويطالب فلسطينيِّي الداخل بإعلان الولاء إلى دولة إسرائيل، وأداء الخدمة العسكرية، ويهدِّد من يرفض ذلك بترحيله إلى مناطق السلطة الفلسطينية!.

 

ليبرمان ذهب في تصريحاته إلى أبعد من ذلك؛ حيث قال من منبر الكنيست في أول خطاب له بتاريخ 4/5/2006 إنه: "يجب أن نجد حكمًا للنواب العرب في الكنيست الذين يتعاونون مع العدو ويلتقون قادة حماس"، وطالب في خطابه بإعدام النواب العرب في الكنيست ممن زعم أنهم يتعاونون مع حركة حماس، تمامًا كما أمرت محكمة نيرنبرغ بإعدام نوابها الذين تعانوا مع العدو إبَّان الحرب العالمية الثانية، ليكون هذا حصاد ما زرعه فريق المفاوضات الفلسطيني من قُبلات وابتسامات عبر سنوات أوسلو ومدريد وواي ريفر وغيرها.

 

بوجود نتنياهو ستتوقف المفاوضات برهةً، وهو الطريق الذي يعتبره الرئيس المنتهية ولايته محمود عباس خيارًا إستراتيجيًّا وحيدًا في صراعه مع العدو الصهيوني، إلا أن المفارقة المخجِلة هنا تتمثَّل في أن هذا القرار يأتي من الطرف الآخر، وليس من جانب السلطة الفلسطينية!.

 

قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ﴾ (البقرة: من الآية 100) جاء سياق هذه الآية في اليهود؛ فهي تقرر صفاتٍ أصيلةً فيهم، والآية هنا تُبرز هذه الخصلة الثابتة في اليهود؛ ألا وهي نقض العهود، وليس أدلَّ على ذلك من إعلان وزير الخارجية الصهيوني أفيجدور ليبرمان أنه لا يعترف بـ"أنابوليس"!.

 

أما قضية القدس فهي غير قابلة أصلاً للنقاش أو التفاوض بالنسبة إليه؛ فهل يدرك المفاوض الفلسطيني أن ما يخشاه الصهاينة، بعيدًا عن الطاولات المستديرة، كفيل بتركيعه وجرِّه للمربع الذي نريد، لكن.. إن وُجدت الإرادة الحقيقة لذلك.