هناك مثل إنجليزي يقول: "القانون كخيوط العنكبوت تقع فيه الحشرات الصغيرة وتعصف به الطيور الكبيرة".

 

وهذا ما حدث عندما هدأت حركة الأطباء الرافضة للوضع المعيشي المزري بهم، وهم المنوط بهم حق شعبي دستوري؛ هو الحفاظ على صحة شعب وسط مناخ من التلوثات بحجة البحث القانوني في قانونية ومشروعية الإضراب والاعتصام من أجل الحصول على الحقوق من نظام أكل حقوق شعبه بالباطل، وهذه وظيفة مشبوهة للقانون؛ أي قانون يتهاوى أمام أصحاب النفوذ ويظل عقبةً في وجه الكادحين الغلابة من أبناء الشعب عندما يطالبون بحقهم؟! وكما طالبْتُ في آخر جمعية عمومية للأطباء في شهر مارس 2008م من التعامل مع الوزير بما يستحقه؛ بوصفه أداةً في يد النظام الذي ينفق أموال الشعب على تمتين وجوده، ومحاربة أعدائه من المعارضين، وتسليح قوات أمنه  ضد جموع الشعب، وذلك بتعليق عضويته في النقابة في عمل غير مسبوق؛ لعدم تنفيذ مطالب الجمعية العمومية للأطباء لرفع رواتب الأطباء إلى الحد الأدنى للحياة الكريمة؛ بما يناسب انهيار العملة وزيادة أسعار المعيشة والمعاونة على إهدار حقوقهم الأساسية، لكن البعض غضب أو خشي من المساءلة، والبعض لم يستوعب خطورة ما نقدم عليه كأطباء من تهدئة وارتخاء، في وقت أضرب فيه موظفو الضرائب العقارية في الشارع ونالوا حقوقهم وارتفعت رواتبهم وحوافزهم أكثر من 700%، بينما الأطباء يدورون في ساقية النظام بلا أمل في خروج ماء الحياة التي تسترهم وأبناءهم.

 

ورغم ذلك نقول إن الدراسات القانونية تقول إن موظفي الدولة والأطباء في المستشفيات الحكومية وأساتذة الجامعات ينطبق عليهم قانون العاملين بالدولة، ولا ينطبق عليهم قانون العمل رقم 12 لسنة 2003م، ولا القرارات المنفّذة له أو المنظمة للحقوق الواردة به، بنص المادة الثانية من القانون؛ التي نصت على أنه "لا تسري أحكام هذا القانون على العاملين بأجهزة الدولة؛ بما في ذلك الإدارة المحلية والهيئات العامة..."، وبالتالي فإن النصوص المنظمة للإضراب في مواد هذا القانون من 192- 195 وكذلك قرار رئيس الوزراء بتحديد المنشآت الحيوية والإستراتيجية التي يحظر فيها الإضراب لا تنطبق عليهم.

 

أضف إلى ذلك أن العهد الدولي للحقوق الاجتماعية في مادته رقم 8 يكفل حق الإضراب، وقد صادقت عليه مصر منذ عام 1982م، أضف إلى ذلك أن المادة 151 من الدستور المصري تجعل الاتفاقية التي تصدِّق عليها مصر جزءًا من التشريع المصري، أضف إلى ذلك- لمن يحب أن يستوثق من سلامة الطريق الذي يوصله إلى حقَّه بلا مخالفة قانونية "خيوط العنكبوت"- أن المادة 124 من قانون العقوبات التي كانت تحظر إضراب الموظفين العموميين قد نُسِخت؛ حيث انتهت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ في عام 1987 إلى براءة موظفي السكك الحديدية؛ استنادًا إلى أن مصر صادقت على العهد الدولي؛ الذي يُتيح حق الإضراب، وزيادةً في التحوّط فقد انتهت المحكمة التأديبية إلى براءة عمال مصانع سجاد الجمعية التعاونية للصناعات المنزلية من تهمة الإضراب في حكم رائع؛ استنادا للالتزام بالحق التي كفلها المجتمع الدولي.

 

هل يكفي ذلك كي يمارس الأطباء حقًّا من حقوقهم العولمية التي صدَّع بها رؤوسَنا أهلُ الحكم ممن نهبوا الحقوق والثروات والإرادات، ونحن أمامهم بلا كرامة أو ردة فعل؟! هل ممكن أن نقتنع بحقنا في الإضراب بعدما عجزت الحكومة المصرية حتى الآن عن تقديم فرد واحد بتهمة الإضراب رغم تصاعد موجة الإضرابات والاعتصامات وما نتج من بعضها من خسائر مليونية، التي لم يتوقف العمال والموظفون القائمون عليها عند بحث الاشتراطات القانونية التي تصادر الحقوق تحت مسمى التنظيم Top of Form!.

 

الخلاصة نحن نريد كادرًا يحمي الأطباء من ضعف النفس واستشراء الفساد في أهم قطاعات الدولة، ولا تكفي رشوة البعض من الأطباء بالمناصب أو المكافآت للقيام بدور المخذل لزملائه عن المطالبة بحقوقهم بصورة مؤثرة ستراعي عمل الطوارئ والخدمات الأساسية؛ ليشعر المجتمع كله بمدى ما يقدمه الأطباء من تضحيات لا تجد من يقدِّرها في ظل غياب إدارة واعية أو إمكانات مساعدة، والله سبحانه وتعالى لا يساعد العجَزة والكسَالَى والخائفين، وهو سبحانه القادر على كل شيء.

 

لكن.. أين وعي الأطباء؟ وأين فطنتهم؟ وأين قدرتهم على ستر أنفسهم والتحصُّن بالشرف والعفاف في مواجهة مافيا الفساد التي تسيطر على مصر اليوم؟ اللهم بلغت؟! اللهم فاشهد.

-----------

g.hishmat@gmail.com