من أجلها يهون كل نفيس، وعلى ترابها الطهور نزفت دماء وتبعثرت أشلاء، وعلى ثراها المقدس أسر الأبطال بعد أن خاضوا معارك ضارية كبّدوا فيها عدوهم قتلى وخسائر..
يقبلون أرض زنزانتهم؛ لأنها جزءٌ من أرضهم ويعشقون أشعة الشمس التي تتسلل إلى حجراتهم لأنها تمد أرضهم بالنور والضياء.
إنهم الأسرى وإنها حكايتهم مع الأرض، وفي يوم الأرض نقول حقًّا إنه لا يعرف ثمن الأرض إلا من ضحَّى من أجلها، إنهم من أكلت معاصمهم قيود السجان، وألهبت ظهورهم سياط الجلادين.
تحملوا ظلم الظالمين وهانت عليهم أنفسهم مقابل أن لا تهان أو تستهان؛ إنها فلسطين عشقهم الأزلي، وحبهم السرمدي قصص الطفولة وحكايات الجدة، ووجع الوالد، كبروا ومعها حبهم كبر وزاد، أيقنوا أن المحب لمن يحب مطيع، وأيقنوا أن الطاعة بذل وعطاء وتضحية، وفداء لا أقوال وشعارات، ولا احتفالات، ولا تخليد لذكريات.
من أكثر منهم حبًّا للأرض يقبلون أرض زنزانتهم؛ لأنها جزء من وطنهم يعشقون سجن عسقلان ونفحة والرملة؛ لأنها جزء من أرضهم يمزجون الأحلام بالرؤى.
أسرى لكنهم يتركون جروحهم كي تلتئم من نسائم صبح الوطن، ولا تبقى مهملة كي تتقيّح من صمت المنفى حريتهم تهون أمام عزتها بعدهم عن أهلهم يرخص أمام كبريائها لا شيء يهم أمام وحدة ترابها.
لن تموتوا ولن يضيع الوطن، لا والله، فزرعكم الذي بذرتم سيثمر ولو بعد حين، وأرضكم التي من أجلها ضحيتم لن تغدركم أو تلفظكم بل ستحتضنكم، إنكم أولادها من رحمها خرجتم وفي أزقتها حاربتم وما استرحتم وبترابها الطهور داويتم جراحاتكم.
هي الأرض أيها الأسرى هي فلسطين أيها الأحرار تضم في أحشائها السادة الشهداء كانوا في يوم من الأيام رفاق قيد، حرروا من سجونكم وعادوا والتحموا بالأرض ما رفعوا يومًا من الأيام مقولة (استراحة المقاتل).
أيها الأحرار أنتم الأحرار ونحن الأسرى أنتم الطلقاء ونحن المقيدون، أنتم من تنتظركم الأرض بفارغ الصبر لأنكم ما نكثتم العهد، وما مزقتم حروف القضية لأنكم مصممون بعد على مواصلة ذات الطريق لأنكم لم تتركوا مفاتيح بيوتكم في يافا وحيفا وصفد والرملة.
لأنكم أيها السادة الأحرار ما لبستم ثياب الذل ولا طأطأتم الرأس ورسمتم خارطة الوطن فظهرت علامات العزة والكرامة.
كم تألم الأرض أيها الأحرار وتسعد، كم تحزن وتفخر حينما تستذكركم يا نائل وفخري ومروان البرغوثي، يا عباس السيد، ويا زاهر جبارين وعبد الناصر عيسى ومعاذ بلال وسعدات، ويا عميد الأسرى العرب بشر المقت، تحنُ الأرض إليكم، تنتظرُ يوم اللقاء بلوعة واشتياق، فمتى يكون؟.
أيها الأسرى في يوم الأرض وفي ذكراها تقول لكم الأرض إننا ما نسينا صنيعكم ولا غابت عنا معاناتكم وندرك أنه بدونكم أيها الأحرار لا فلسطين، فأنتم بها وهي بكم ترفع الرأس وتعلي الجبين.
----------
* باحث ومتخصص في شئون الأسرى الفلسطينيين