أي مشروع للنهضة نبحث عنه؟ باختصار هو مشروع للنهضة الحضارية؛ أي أنه مشروع يهدف إلى تحقيق التقدم والنمو من داخل نموذج حضاري خاص، وبالتالي فليس كل تقدم أو نمو أو تنمية، تعد كذلك بالنسبة لنا، بل التقدم والنمو والتنمية المحققة لقيم حضارتنا العليا، هي التي تمثل التقدم المنشود، وهي التي تصنع النهضة.

 

وهناك فرق بين النمو والتقدم والتنمية، وبين النهضة، فكل عملية تغير إلى الأفضل أيًّا كانت، يمكن أن تكون تقدمًا أو نموًّا أو تنميةً، ولكن النهضة أمر آخر، فالنهضة هي محصلة عمليات التقدم والنمو والتنمية، عندما تصل من حيث الكيف والكم إلى إنتاج مستوى جديد من الحياة، ونموذج جديد من الحياة، وتصل إلى مرحلة محققة للرضا لدى عامة الناس، وتصل أيضًا إلى مستوى من القوة الذاتية المتكاملة، قادرة على مواجهة متطلبات الحياة وتحديات العصر، وكذلك قادرة على مواجهة أي تعدٍ خارجي على الأمة، أو أي عدوان عليها، أو أي حصار لها.

 

والنهضة لا تتوقف على ذلك فقط، بل تتجاوزه إلى تقديم نموذج إنساني ناجح، يؤثر على مسار تاريخ البشرية، وتتعلم منه الحضارات الأخرى، ويمثل إضافةً نوعيةً للمفاهيم والأفكار السائدة في العالم، كما يمثل أيضًا إضافةً نوعيةً للقيم الحاكمة في التاريخ البشري، ويقدم رؤية تستند إلى منظومة القيم الحضارية المتميزة؛ مما يجعل النهضة مرحلةً من مراحل تحقق حضارة ما في التاريخ البشري، بما يُفيد الحضارات الأخرى، ويفيد التاريخ البشري عامة.

 

لذا نبدأ من الهوية

فحتى تتحقق النهضة لأمة من الأمم أو شعب من الشعوب، يكون عليه الاستناد إلى القيم والرؤى التي تميزها، فتقليد رؤى الآخرين لا يؤدي إلى النهضة؛ لأن النهضة تهدف إلى إقامة نموذج متميز، وتقليد الآخرين لا يؤدي إلا إلى صورة أقل شأنًا من الأصل المقلد.

 

كذلك فالنهضة هي إنجاز متميز من حيث نتائجه ومن حيث الأسس التي يقوم عليها؛ لذا فالأمة لا تستطيع أن تتميز إلا بما ميزها أساسًا، وهو هويتها الحضارية، وإذا أرادت الأمة أن تنهض من خارج إطار هويتها، فلن تجد سبيلاً يميزها لتحقيق طفرة التقدم أي النهضة؛ لأن النهضة هي إنجاز متميز.

 

لذلك فالأمة لن تستطيع التميز إلا من خلال تعظيم ما يميزها، ونقصد هنا الميزة النسبية الحضارية، فالأمة مثل غيرها، لها تميزها الحضاري وهو هويتها، وهذا التميز هو الذي يجعلها قادرة على تحقيق إنجاز متميز، فمن خلال الميزة الحضارية النسبية، أي ما يميز أمتنا عن غيرها، يمكن للأمة أن تقيم نموذجًا حضاريًّا متميزًا، فتحقق النهضة من خلال رؤيتها المتميزة، وهنا تكون هي الأقدر على تحقيق هذا النوع من التقدم والنهوض؛ لأنه نابع من القيم الحضارية التي تميزها عن غيرها.

 

الهوية ليست تراثًا فقط

النظر إلى الهوية الحضارية بوصفها تراثًا أو فولكلورًا، يعد انتقاصًا من فكرة الهوية، بل يستخدم كأحد أساليب التقليل من شأن الهوية الحضارية.. نقصد من هذا أن الهوية الحضارية ليست مجرد نماذج من الماضي، بل هي الوعي الجمعي الذي ينتقل من جيل إلى آخر، وهي ليست نماذج وأنماطًا وأشكالاً، ولكنها في الحقيقة جوهر من القيم والمبادئ والأفكار.

 

فالنموذج الحضاري ليس هو الأشكال التي ظهرت عبر التاريخ، ولكنه القيم التي أسست لما حدث عبر التاريخ، وهو نفسه القيم التي ما زالت حاضرة في الوعي الجمعي للأمة، وبالتالي فهي القيم السائدة لدى الأمة، ومن هذا نرى أن الهوية الحضارية، تمثل القيم والرؤى والأفكار، السائدة لدى الأمة الآن، والتي استمرت سائدة عبر التاريخ، وانتقلت من جيل لآخر.

 

لهذا فكل نظر يحاول الربط بين القيم الحضارية والشكل الذي تحققت من خلاله في الماضي، هو نظر يقوم على التقليد، أي تقليد نماذج التاريخ الماضي، وهذا التقليد، ورغم أنه تقليد الأمة لسلفها، لا يؤدي في الواقع إلى إقامة نموذج حضاري مناسب للعصر، وقادر على تحقيق النهضة في المستقبل؛ لأن تقليد نماذج الماضي، يمثل استجابة لظروف جديدة بأسلوب كان يناسب ظروفًا أخرى مضت ولم تعد قائمة.

 

والبعض يحاول ربط نموذج القيم الحضاري بأشكاله التي تحققت في الماضي، خوفًا من الخروج على هذه القيم، أو حماية لها من الذوبان، وهذا الاتجاه هو ما نسميه الإفراط. فالتمسك بالقوالب الماضية؛ خوفًا على جوهر القيم الذي تحقق من خلالها، يمثل عجزًا عن التمسك بجوهر القيم وتحقيقها بأشكال جديدة تناسب الزمن الحاضر.

 

وهذا هو الإفراط، وهو تقليد للماضي؛ خوفًا على القيم الحضارية، يعجز في النهاية عن إقامة نموذج حضاري جديد يتمسك بالقيم الحضارية دون أن يتمسك بالأشكال والقوالب الماضية، وبهذا تعجز تيارات الإفراط عن تحقيق النهضة.

 

أما البعض الآخر، فيحاول ربط القيم الحضارية بالأشكال القديمة، فيجعل من النماذج الماضية والموروث القديم، بمثابة الشكل الوحيد لتحقيق قيمنا الحضارية، وبهذا تكون قيمنا الحضارية غير قابلة للتحقق في نماذج عملية جديدة؛ مما يترتب عليه منطقيًّا أهمية ترك هذه القيم حتى نتعامل مع العصر، وهذا هو اتجاه التفريط، والذي يريد أن يفرط جزئيًّا أو كليًّا في القيم والمبادئ الحضارية الحاكمة لهوية الأمة، حتى يتكيف مع العصر. ونلاحظ أن كل درجة من درجات التفريط، تقوم على توسيع مساحة ما لا تحكمه قيمنا الحضارية. وفي هذه المساحة يتم اللجوء للقيم الحضارية الغربية، بوصفها الحضارة المتقدمة، أو يتم اللجوء للنماذج التي أنتجتها هذه الحضارة، لملء المساحات التي أفترض أن قيمنا الحضارية لا تستطيع أن تقيم فيها نموذجها الخاص، وبهذا يتسرب التقليد- وهو هنا تقليد الآخر الغربي- تدريجيًّا، وتتم تنحية قيمنا الحضارية، ونصل إلى تقليد الآخر القوي، وهذا ليس فقط تفريطًَا متتاليًا لهويتنا الحضارية، ولكنه خروج من مشروع النهضة، فكما قلنا لا تقوم نهضة على تقليد الآخر الناهض؛ لأن تقليده ليس إضافة جديدة لتاريخ البشرية، كما أن النموذج المقلد يكون أقل قيمةً من الأصل الذي تم تقليده.

 

خطاب الهوية والنهضة

لذا نرى ضرورة تأسيس خطاب النهضة على خطاب الهوية الحضارية؛ وذلك في مختلف المجالات.. نقصد من ذلك أن خطاب الهوية الحضارية الإسلامية، هو أساس الخطاب الديني الدعوي كما أنه أساس الخطاب السياسي الدعوي، وفي المجال الديني، يمثل خطاب الهوية تأسيسًا للمرجعية الدينية، والتي تمثل ركيزة الأمة العربية والإسلامية.

 

وتأسيس تلك المرجعية الدينية هو حجر الزاوية لتأسيس المرجعية الحضارية للأمة؛ لأن المرجعية الدينية هي جوهر المرجعية الحضارية، ونضيف لذلك، أن تأسيس المرجعية الدينية لغير المسلم، هو أساس تأسيس المرجعية الحضارية التي تجمعه مع المسلم، داخل إطار المرجعية الحضارية الإسلامية.

 

يضاف لذلك ضرورة تأسيس خطاب الهوية في عملية التنمية والتقدم، بمعنى أن خطاب الهوية يمثل القيم المركزية التي يجب استلهام ضروب التقدم منها، حتى يتحقق عمليًّا التقدم المفضي للنهضة، أي التقدم المتميز، والذي يمكن أن تتفوق فيه الأمة وتحقق ما يميزها عن غيرها، وما يحقق لها الرضا والعزة والكرامة.

 

وبنفس المعنى فإن خطاب الهوية، هو أيضًا أساس إقامة النظام السياسي الصالح، والذي يحقق أهداف الأمة وغاياتها، فهذا النظام إن لم يقم على القيم المؤسسة لهوية الأمة، لن يكون جزءًا منها، ولن يحقق وحدتها، وبالتالي لن يحقق نهضتها.

 

لذا نرى أن خطاب الهوية الحضارية هو القاعدة المشتركة الجامعة لمسيرة الأمة نحو نهضتها، وهو الأساس الجامع لكلِّ مناحي نشاطها، والمحقق للتكامل والتوازن بين كل مكونات حياتها، والمحقق في النهاية لتقدمها الذي يحقق نهضتها، وعليه يكون نموذج القيم الممثل للهوية الحضارية والدينية للأمة، نعني نموذج القيم الحضارية العربية الإسلامية، هو البنية الأساسية لمشروع النهضة، وهو العامل المشترك بين مختلف الجهود التي تهدف لتحقيق النهضة، كما أنه الرابط الأساسي، الذي يحقق التراكم لكل أفعال المقاومة والنهضة؛ مما يؤدي إلى تحقيق الأمة لغايتها النهائية، وهي النهضة وتحقيق رسالتها الحضارية في التاريخ الإنساني.