من المعلوم أن الفاتيكان هي أكبر سلطة دينية للكنيسة الكاثوليكية, ويتبع هذه الكنيسة عديد من الكنائس في العالم، سواء على المستوى الأوروبي أو مختلف دول العالم.
كما جاء في الصحف: أكد الفاتيكان، في أحد أهم التحولات البارزة التي تشهدها صناعة المال الإسلامية، أنه يجب على البنوك الغربية أن تنظر إلى قواعد المالية الإسلامية بتمعن من أجل أن تستعيد الثقة وسط عملائها في خضم هذه الأزمة العالمية، بحسبما نقله مراسل وكالة "بلومبرج لورينزو توتارو".
وقالت صحيفة الفاتيكان الرسمية المعروفة باسم "أوسيرفاتور رومانو": "قد تقوم التعليمات الأخلاقية، التي ترتكز عليها المالية الإسلامية، بتقريب البنوك إلى عملائها بشكل أكثر من ذي قبل، فضلاً عن أن هذه المبادئ قد تجعل هذه البنوك تتحلى بالروح الحقيقية المفترض وجودها بين كل مؤسسة تقدم خدمات مالية".
هذا التصريح وإن كان قد ورد من صحيفة لا يمكن أن نعتبرها مرجعًا في الأحكام الشرعية، ولا نحتاج إليها لتؤكد صحة ما جاء في أحكام الشريعة الإسلامية، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن أن نتجاهل مثل هذا التصريح, خصوصًا أنه صدرت تصريحات مشابهة من صحف معروفة في أوروبا وأمريكا كلها تؤكد هذا المعنى.
نحن هنا نعلم أن الفاتيكان تعتبر الدين الإسلامي منافسًا لها في الانتشار, فكما هو معلوم أن الإسلام اليوم يعد أكثر الأديان انتشارًا داخل أوروبا، وينتشر بشكل واسع حول العالم رغم الضعف العام في الدول الإسلامية على المستوى السياسي.
هذا التصريح يعطي انطباعًا ظاهرًا بأن المصرفية الإسلامية بتطبيقاتها المعاصرة, وإن كانت لا ترضي كثيرًا من العلماء وطلبة العلم والمختصين بالدراسات المتعلقة بالمصرفية الإسلامية, إلا أن هذه التطبيقات كانت تمثل شيئًا من الحصانة لهذا النظام؛ خاصةً أن الواقع يشهد أن المصرفية الإسلامية بوضعها الحالي ومع انتشار الآراء المختلفة التي يعدها بعض العلماء أشبه بالحيل لتسويغ الأدوات المالية في النظام الرأسمالي، إلا أن المصرفية الإسلامية في الغالب لم تتورط في الأدوات المالية المتعلقة بالرهن العقاري في أمريكا، أو ما تسمى الأصول السامة التي كانت سببًا في الأزمة المالية العالمية، كذلك نجد أن التأثير الذي حصل للمصرفية الإسلامية لم يكن بشكل مشابه للأزمة التي حصلت للمصارف التقليدية, بل هو شبيه بالأزمة التي مرت وستمر على القطاعات الاقتصادية المختلفة في العالم، التي لم تكن طرفًا في أزمة الرهن العقاري.
وهذا يؤكد أمرًا مهمًّا وهو أن المصرفية الإسلامية حتى إن كان وضعها الحالي غير مرضٍ بالشكل الكامل الذي يطمح إليه المسلم إلا أنها أفضل بلا شك من المصرفية التقليدية من الناحية الشرعية, وبالتالي لمصلحة المجتمع الإسلامي والبشري بشكل عام، ويؤكد هذا أيضًا أنه حتى مع الأزمة العالمية وتصريحات البنك الدولي بأن الاقتصاد العالمي سيشهد انكماشًا بمقدار 1%، إلا أن التوقعات تشير إلى أن المصرفية الإسلامية ستنمو هذا العام بنسبة 10%، خلافًا لما كان متوقعًا في السابق بأن المصرفية الإسلامية ستشهد نموًّا يتجاوز 15%، فالتأثير هنا في حجم النمو مع اتفاق التوقعات بأن المصرفية الإسلامية ستنمو، خصوصًا نحن نعلم أن الطلب على المصرفية الإسلامية يتزايد يومًا بعد يوم.
ما سبق لا يمثل أبدًا نوعًا من الرضا الكامل عن المصرفية الإسلامية اليوم، فما زالت التحديات قائمة أمام نمو متكامل للمصرفية الإسلامية من عدة نواحٍ, منها: موافقتها للشريعة الإسلامية، كذلك ابتكار الأدوات التي تحقق أهداف الاقتصاد الإسلامي من تحقيق العدل، وتحقيق التنمية في المجتمعات المسلمة، وتوفير الفرص للجميع لتحقيق معنى قوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (الحشر: من الآية 7)، وأن تكون هذه التطبيقات تجتذب غير المسلمين، سواء على مستوى التمويل أو الاستثمار لوجود جدوى وتميز على المستوى الاقتصادي. كما أن هناك تحديًا كبيرًا وهو القدرة على إيجاد مراكز علمية تدعم نمو هذا القطاع وتوفر الدراسات والاستشارات الكافية له.
أود هنا أن أشير إلى قضية مهمة وهي أن الربا محرم في الأديان السماوية جميعًا، سواء اليهودية أو النصرانية، وما وجد من التطبيقات في العالم اليوم ما هو إلا تحايل وتجاوز وتحريف للتعاليم الموجودة في تلك الأديان، وأول ما دخلت الفائدة أو الربا على المجتمعات النصرانية كان على أساس أن الفوائد هي الزيادة البسيطة, وكانوا يسمونها فائدة interest، وذلك بخلاف النوع الثاني الذي يشتمل على الفائدة الكبيرة أو المبالغ فيها excessive interest ويسمونها ربا usurya، وبالتالي فالفائدة البسيطة أو القليلة أخف, وهي جائزة بخلاف الربا، وبناء عليه كثر استخدام كلمة interest بدلاً من كلمة usury، وذلك لتسويغ التعامل بها بين الناس.