من الحقائق التي لا ينكرها أحد أننا نعيش في هذا العهد المنكوس الموكوس تحت وطأةِ الفرد المطلق، فرئيس النظام هو الرئيس والقانون والدستور والدولة، مما دفع فئات المواطنين إلى المطالبة بحقوقهم المهدرة بالإضرابات والمظاهرات والاعتصامات، ولا تسلني عن القانون؛ فالقانون في إجازة وفي نومٍ عميق، بل قل إنه بين الأموات مقبور.
*****
ومصر في العهد المباركي تنحدر من سيئ إلى أسوأ، والناس ينهشهم المرض، والجوع، والشعور بالضياع والمفاسد- وخصوصًا الرشاوى والتهليب- أصبحت حقًّا للعلية من القوم، ولأصحاب الحيثيات.
قفز إلى ذهني هذا التصور الحقيقي وأنا أرى وقفة الصحفيين، تكلموا وعرضوا أمام الناس مطالبهم المشروعة، وطالبوا رئيس مجلس إدارة الأهرام بأن يعلن عن راتبه الشهري (ومعروف أنه تخطى مئات الألوف)، ولكن الرجل بأدب واضح أعلن أنه لن يتكلم وكذلك رؤساء التحرير في (الأهرام)، وما يُسمَّى بالصحف القومية.
فهؤلاء تتسرب إلى جيوبهم ملايين الجنيهات من "التكية" التي اسمها مصر، وفي الرحلات المتعددة التى يقوم بها سيادة الرئيس يكون في معيته عشرات من الصحفيين، وأصبح عاديًّا أن ترى الواحد منهم يتحدث عن باريس من باريس (وربما لم يغادر قريته طيلة حياته)، وطبعًا ينزل هؤلاء في أفخم الفنادق، ويتقاضون بدلات سفر، وكل ذلك من التكية التي اسمها مصر.
وكتب الأستاذ فاروق جويدة عن الصحفيين المصاحبين للوزراء في رحلاتهم المكوكية "وكيف تتحدث الحكومة عن ضغط النفقات وربط البطون، والأيام السوداء القادمة كما قال أحد الوزراء، وهي ترسل كل يوم وزيرًا هنا وبعثة هناك؟ وماذا عن عشرات الصحفيين المرافقين، وأعضاء الوفود والمستشارين والفنادق، وتذاكر الطائرات، وبدلات السفر، والولائم والعزائم، والحفلات.
من أين تدفع الحكومة الرشيدة كل هذه النفقات؟ وما الهدف منها؟ وما النتائج التي تحققها لهذا الشعب المحبط الغلبان؟
وفي سابقةٍ أخطر لم يناقش مجلس الشعب تجاوزات الحكومة في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات... فهل كان مطلوبًا من د. جودت الملط أن يحمل تقاريره ويقدمها أمام الكونجرس الأمريكي حتى يحضر السادة الوزراء في الحكومة المصرية ويناقشوا أحوال مصر وأزماتها ومعناة شعبها؟ (الأهرام- الجمعة 27/3/2009م).
ويقفز إلى ذهني واقعة تاريخية حينما مرَّ رجل تقي صالح أمام قصر أحد الأمراء وفيه من البهرج والزينات ما يخطف العقول والأبصار، فدار بينه وبين الأمير الحوار التالي:
- ما هذا أيها الأمير؟
- هذا قصري الجديد أيها الشيخ.. فكيف تراه؟
- يا للّه!! تذكر أيها الأمير أنكم إنما تلدون للموت، وتعمِّرون للخراب.
- موت.. وخراب؟!! إنه قصري.. بنيتُه بنفسي.. ومن حقي أن ألحق به من الزينات والبهارج ما أشاء.
- إن كان ذلك من مال المحكومين فأنت لص، وإن كان من مالك فأنت للشيطان شقيق..
- للشيطان شقيق؟!!
- نعم.. لأن الحقَّ سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: من الآية 27)، وفي كل أحوالك ما أرى منك إلا سفهًا.. سفهًا يوجب ضرب الحجر عليك ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ (النساء: من الآية 5).
******
وفي هذا المقام.. مقام "التكية" التي يغرف منها كبار رجال الصحافة أجدني مُشِيدًا بالرجل (الأُنْس المساير) سمير رجب الذي كان "ملكًا" لصحيفة الجمهورية, ثم سُحب "العرش" من تحته.
هذا الرجل الأنس أقدره لأنه أحيا التراث المصري القديم.. تراث الملكة البطلمية التي حكمت مصر رَدَحًا من الزمن, وتفننت في إنشاء الحمامات، التي كانت تعشقها, ويقال إنها كانت تستحم بلبن الأتُن "بضم الأول والثاني وهي إناث الحمير، والمفرد أتان".. أحيا سمير ذكراها الحمامية، فبنى لنفسه في المبنى الضخم الجديد لدار التحرير- طبعًا من مال التكية التي لم يرثها عن أحد من أهله- حمامًا مساحته 200 متر مربع فيه من البذخ والجمال والتقنيات الحديثة لزوم التدليك (وأشياء أخرى) ما لم يُسمع به ولا في القصص, ومن حقه أن يُسمَّى بـ"سمير باترة" بدلاً من سمير رجب بجامع الفخامة في حمامه وحمام تانت كليوباترة (طبعًا مع فارق وحيد هو أن استحمام سمير كان بالماء لا باللبن الحمَّاري)؛ لذلك لم يأخذني الاستغراب, عندما قرأتُ لكاتب صحفي في جريدة معارضة يدعو إلى استثمار حمامات "سمير باترة" كأثرٍ سياحي- أو شبه سياحي- حديث؛ وذلك "للفرجة" بتذاكر من فئة الجنيهات الخمسة.
وأنا أقول للصحفي: سلم قلمك، وسلم لسانك، ولا أراك الله مكروهًا في "حمام" لديكم.
وأخيرًا أسأل: إلى متى نعيش محكومين بهذه الاختلالات المخزية التي لا تليق بأشدِّ الناسِ بلاهةً وسذاجةً؟!.
وأسدل الستار بهديةٍ أهديها لكل طاغيةٍ يستبيح حرية الناس وكرامتهم وأموالهم، وهي من كلمات الإمام علي- كرَّم الله وجهه-: "ضع فخرك، واحطط كِبرك، واذكر قبرك".
*****
نصف مليون لكل مرشح!!
وهناك وقعة ينظر المواطن إليها بنفسٍ منكسرةٍ حزينة: ففي انتخابات الرياسة الأخيرة للحكومة المباركية صدر قرار بمنح كل مرشحٍ لمنصب رئيس الجمهورية نصف مليون جنيه، ليقوم بالدعاية اللازمة حتي يستطيع أن يقف على أرض صلبة، ويواجه الرئيس مبارك للحصول على منصب إمامة مصر التي يقال: إن الذي بناها "كان في الأصل حلواني".
وأسأل: هذه الملايين الخمسة من جيب مبارك؟ أم جيب الشاذلي؟ أم جيب الشريف؟ أم جيب الوريث جمال مبارك؟ طبعًا لا.. إنها من ضرائب الناس، وعرق المطحونين، وكان أحق بها مرفق من المرافق العامة، أو تعيين عدد من الشباب العاطلين الذين انتحر بعضهم لأنهم لم يجدون عملاً.. أي أن هذه الملايين الخمسة من ميزانية "التكية" التي اسمها مصر.
وهنا تلاحقني كلمة ذلك الصوفي النبيل: "..إن كان من مال المحكومين فأنت لص.. وإن كان من مالك فأنت مبذر من إخوان الشياطين، وفي كل أحوالك أنت سفيه".
دعاية في مواجهة من؟!
ثم أسأل هؤلاء المرشحين الذين يحصلون على هذه الملايين من أجل عمل الدعاية اللازمة لهم: ألم يشعروا أنهم بلعوا الطعم برضاهم؟ لأن هذه الدعاية ستكون من قِبيل العبثية الساذجة، فالعملية-يا نشامى- محسومة لصالح مبارك علي مدار ربع قرن، ولو كان أبو العتاهية الشاعر العباسي حيًّا لقال:
أتته الرياسة منقـادةً = إليه تجرر أذيالهـــا
فلم تكُ تصلح إلا له = ولم يك يصلح إلا لهـا
ولو رامها أحدٌ غيره = لزلزلت الأرض زلزالها
فمبارك -يا نشامى- هو "اللاعب الوحيد", وهو الحكم, وهو الجمهور، والغريبة العجيبة المخزية المؤسفة أن واحدًا من التسعة النشامى صرَّح بأنه سينتخب "مبارك"!!. الله!! عجيبة!! طب ونازل ليه؟؟ ربما ليشم رائحة النصف مليون التي لم يشهد مثلها، ولا بعضها طيلة حياته.
وما ذكرته آنفًا يعلم الناس جميعًا أنه حقيقة، وأنهم يعيشون- مرغمين- تحت ضغط موجاتٍ من "الاستعباط" و"الاستكراد", ويعجبون حينما يسمعون الشريف أو ابن الباجور أو جمال مبارك يصرحون بأن الانتخاب هذه المرة سيكون نزيهًا، وهذا يعني- بمفهوم المخالفة- أن الانتخابات أو الاستفتاءات السابقة لم تكن نزيهة، وهل ما سيكون يوم 7 من سبتمبر 2005م انتخابًا فعليًّا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى؟!
أعتقد أن ما كتبته في السطور السابقة يعطينا الجواب الحقيقي, وأرى أنه يمكن أن نسميه "الاستفتاء الانتخابي".. إنه استفتاء في حقيقته، وانتخاب في ظاهره.
*****
وفي مقام الحديث عن "التكية" التي يغرف منها الكبار جدًّا أشير- على عجل- إلى الخسائر الفادحة التي تكبدتها مصر المخروسة بسبب مشروعات مضروبة، ومنها على سبيل التمثيل مشروع "توشكى": فتحت العنوان التالي:
تقرير رسمي خطير: إنفاق ٥.٦ مليارات جنيه فى "توشكى" لزراعة ٢.٤٪ من المساحة المستهدفة
نشرت صحيفة المصري اليوم:
كشف تقرير أصدره الجهاز المركزى للمحاسبات حول مشروع تنمية جنوب الوادي (توشكى) عن السنة المالية ٢٠٠٧/٢٠٠٨م أن جملة المساحة المزروعة حتى ٣٠/٦/٢٠٠٨ م بلغت ١٣ ألفًا و٢٠٠ فدان، بما يمثل نسبة ٥.٤٪ فقط من المساحات التى تم تخصيصها للمستثمرين، والبالغة حوالي ٢٤٣ ألف فدان، وتمثل نسبة ٢.٤٪ من إجمالي مساحة المشروع والبالغة ٥٤٠ ألف فدان، وكلفت الدولة 6.5 مليارات جنيه في حين بلغت جملة الأعمال المنفذة بالمشروع حتى التاريخ نفسه نحو ٥ مليارات و٦٠٠ مليون جنيه، بتجاوز قيمته ٥١٥ مليون جنيه بنسبة ١٠.١٪ من إجمالي قيمة الأعمال المتعاقد عليها، والبالغة نحو ٥ مليارات و٨ ملايين و٥٠٠ ألف جنيه ورصد التقرير- الذي تكشف عنه (المصري اليوم)- عددًا من نتائج المتابعة والفحص، أبرزها...." (انظر التفصيل في جريدة (المصري اليوم) 26/3/2009م.
******
فإذا اعترض معترضٌ على هذا المشروع المضروب.. بل الضارب اتهم المعترضون بالرجعية والظلامية وضيق الأفق وسوء النية، ويكون الجواب الجاهز من الرياسات العليا "إنه مشروع قمنا به لا من أجل هذا الجيل، ولكن من أجل الأجيال القادمة".
وهو منطق الوزير محيي الدين فيما يُسمَّى "الملكية الشعبية"، أي بيع مصر بـ"صكوك": إن ذلك من أجل الأجيال القادمة، ونحن نسأل كيف يكون في ذلك مصلحة للأجيال القادمة، بينما يعاني الجيل الحاضر منها ما يعاني؟!.
ومن حق المواطنين أن يسألوا مَن الذي سيصلح ما أتت عليه النيران في مجلس الشورى، والذي يكلف 40 مليون جنيه؟ ويأتي الجواب من الرئيس مبارك يطمئن فيه المواطنين من أن الحكومة ستتكفل بكل شيء، وعلى المواطنين أن يدركوا أنهم لن يغرموا شيئًا، وكأنَّ التكاليفَ تأتي "من تحت البلاطة" لا من الضرائب التي يلزم الشعب الغلبان بدفعها، ومن رفع الأسعار، ومن حرمان المواطنين من المرافق الحيوية.
ويقال إن بعض الكبار جدًّا يُنفق على ديكور مكتبه ملايين الجنيهات.. هذا غير الإسراف في الإنفاق على الحراسات والمواكب، والولائم، والاحتفالات، واقتناء السيارات، وغير ذلك كثير وكثير، مما يحتاج إلى مقالاتٍ لا تحصى عددًا، ولكِ الله يا مصر.. أعني لك الله يا تكية مصر.. مصر المطحونة.. المخروسة.
-----------