المتأمل لاتفاق السلام المهين، البالغ من العمر 30 عامًا، والموقَّع بين مصر والكيان الصهيوني في 26 مارس 1979م، يجد ما انطوى عليه من بنود مجحفة بالطرف المصري؛ قيَّدت حريته وسيادته، وانتقصت من علاقاته التاريخية بالعالم، وعلى رأسها العلاقات القومية كعرب والعلاقات الإسلامية كمسلمين، بل وأجبرته على اتخاذ خطوات غير مسبوقة على المستوى الداخلي والإقليمي والعالمي، تجلَّت في العديد من العلاقات المشبوهة والقرارت المصيرية المعيبة، ومنها على سبيل المثال:

 

* الارتباط المريب بين استمرار اتفاقية كامب ديفيد وقانون الطوارئ المعيب، والمطبَّق في مصر منذ اغتيال "الرئيس الراحل السادات راعي اتفاقية السلام عام 1981م"؛ الذي قُصِدَ به تكميم الأفواه وتقييد الحريات وإهدار الكرامة وتعطيل الدستور حتى لا يثور الشعب على ضياع حقوقه وما جنته كامب ديفيد عليه.

 

بل والأهم اعتقال معارضيه الذين تجاوزوا عشرات الألوف طوال عمر الاتفاقية، وتكبيل الأحزاب وتجميد بعضها، وغدا القانون سياجًا يحمي الحزب الوطني والفاسدين من رجاله، سواءٌ من الرقابة البرلمانية أوالمحاسبة القضائية، وتأكيد عدم تداول السلطة أو حتى ائتلاف الحكم، علمًا بأن القانون ما شُرِعَ إلا لحالات استثنائية قصوى ولمدد زمنية محددة وقصيرة، لا تتجاوز شهرين.

 

ويكفي أن نعلم أن القانون خلال الـ30 سنة لم يمنع تجَّار المخدرات مثلاً، بل زادوا وطغوا، والكل يعلم ذلك، وتعدى الأمر إلى تغوُّل الفساد والاغتصاب رغم الصلاحيات الواسعة التي أباحها القانون للجهات الأمنية، لكنها للأسف استخدمته للتنكيل بالمعارضين السياسيين على حساب الأمن العام ومصالح الوطن، وساحات القضاء شاهدة على تضخم معدلات الجريمة، وأصبحت القاعدة السائدة نتاج هذا القانون الظالم: "كل متهم مدانٍ حتى تثبت براءته"، وليس العكس.

 

* أما العلاقة الثانية فهي بقاء الحزب الوطني "الديمقرااااااطي" حاكمًا جاثمًا على أنفاس المصريين، ينفِّذ بنود كامب ديفيد، ولا مانع لديه من أن يضيف بنودًا أخرى لصالح الكيان الصهيوني (راجع: مذكرات التفاهمات الأمنية الموقَّعة بين الطرفين خلال السنوات الماضية وآخرها في شرم الشيخ 2009م) المهم ينال الرضا والقبول.

 

والدلائل السياسية والتاريخية تشير إلى ارتباط إنشائه بضرورة الحفاظ على تطبيق بنود السلام التي ستوقَّع مع الكيان الصهيوني، وهذا يلزمه وعاءٌ جديدٌ به عناصر ذات مواصفات خاصة ومعايير معيَّنة، ترضى بما لا يرضى به الشعب أو النخبة الوطنية، ولا تجد حرجًا في التنازل عن بعض الثوابت الوطنية والعربية تحت ما تُجيزه المناورة السياسية، عملاً بالقاعدة اللا أخلاقية "الغاية تبرر الوسيلة"، وهو ما جعل الرئيس الراحل يؤسس هذا الحزب سنة 1978م بديلاً عن حزب مصر الاشتراكي ويحلُّ الاتحاد الاشتراكي العربي.

 

* أما عن العلاقة الثالثة فهي بقاء النظام حاكمًا حتى تاريخه، وعلى رأسه الرئيس مبارك، لمدد رئاسية مفتوحة بلغت خمس فترات متتالية تنتهي في 2011م، ويزيد على ذلك الإصرار القوي لامتداد الرئاسة مددًا أخرى، سواءٌ للرئيس نفسه أو مَن يخلفه من عائلته، أو مَن يحمل المواصفات الخاصة للحفاظ على ما ورد في كامب ديفيد، دون تعديل.

 

هذا بجانب الإصرار على أن تبقى في يد الرئيس صلاحياتٌ وسلطاتٌ واسعةٌ ومستمرةٌ؛ تتيح له إدارة العديد من الملفات القومية، وخصوصًا ملف الكيان الصهيوني والملف الأمريكي بنفسه، ولا يجرؤ أحد أن يتدخَّل فيها أو حتى تُعرَض على مؤسسات الدولة المعنية لإبداء الرأي، بل هم فقط منفِّذون وفق توجيهات السيد الرئيس.

 

نتاج هذه الارتباطات كان لزامًا أن تمر مصر بعدة كوابيس وأزمات على مدار الـ30 سنة، أبرزها:

- التزوير الفاضح والفجّ لأي انتخابات تُجرى على المستوى المحلي والشعبي؛ حتى طالت الاتحادات الطلابية في المدارس والجامعات، ومورست أقبحُ الأساليب لمنع أي مرشح لا يتمتع بالمواصفات الخاصة، حتى ولو كان ممن ينتسب للحزب الوطني نفسه.

 

- تقييد الحريات بالحبس والاعتقال، واستخدام المحاكمات العسكرية إذا لزم الأمر، وما محاكمة خيرت الشاطر وإخوانه، وكذلك أيمن نور عنا ببعيد!!، في مقابل العبث والاستهتار ونشر الفساد لأصحاب المواصفات الخاصة من رجال الحزب الوطني، وما فضائحهم السياسية والمالية والأخلاقية عنا ببعيد! وما زالوا يرتعون دون رادع أو محاسبة، وهم كثير، من يوسف والي، وصولاًً إلى ممدوح إسماعيل وهاني سرور.. والبقية تأتي.

 

- التراجع المتسارع في الشعور بالانتماء للوطن والبذل والتضحية فداءً له، ورأينا مظاهره في هجرة علمائنا ومستثمرينا والكثير من مختلف الشرائح من المخلصين للوطن، حتى طالت العمالة المدرَّبة والماهرة، تحت مبرِّرات كتحسين الدخل، والتغلب على البطالة، والأشدُّ مرارةً هجرةُ بعض الشباب إلى الكيان الصهيوني، هذا غير الهجرة غير الشرعية وزيادة العملاء والجواسيس، والحديث عن سرقة العديد من الآثار خير شاهد على ضعف الانتماء.

 

- تضخُّم معدلات الفساد لدرجة غير مسبوقة يقودها من يدَّعي الولاء للنظام، حتى أمسوا رأس السهم في الإفساد، وصفحات الحوادث مليئة بفضائحهم، ويكفي تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات خلال السنوات السابقة والحالية أمام مجلس الشعب، والتي يندى لها الجبين، ويكفي تقرير واحد منهم لإيداعهم مجتمعين في السجون، فضلاً عن إقالتهم.

 

- الاستجابة للضغوط المستمرة من النظام الأمريكي لصالح أجندته في المنطقة ولو على حساب المصالح العليا للوطن، من خلال استخدام العصا الاقتصادية "الديون الخارجية، والتضخم المتزايد والمستمر، وصندوق النقد الدولي.. إلخ" مقابل جزرة المعونات الوهمية، وجدولة الديون.. إلخ، وما جرَّته علينا من نوبات وأزمات اقتصادية متتالية، أجبرتنا على بيع القطاع العام وما عُرف بالخصخصة، انتهاءً بتحوُّلنا إلى سوق مفتوح لكل المنتجات الغربية، وتراجعنا في أي تنمية زراعية أو صناعية، ولم نعد نستطيع الاكتفاء ذاتيًّا في أيٍّ من الحاجيات والضرورات الأساسية.

 

- الهزيمة النفسية والسياسية التي حلَّت بنظامنا الحاكم خلال العقود الثلاثة الماضية، حتى لم يعد يستطيع الوقوف ضد الكيان الصهيوني ولو لمجرد الرد على تصريحاته العدائية، وظهر ذلك في حرب لبنان 2006، ثم الخزي الواضح في حرب غزة والتي خذلنا فيها أشقاءنا، ولم نستطع مساعدتهم ولو بفتح الحدود، فضلاً عن إمدادهم بالسلاح والوقوف معهم في خندق واحد.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه: ألم يَحِن الوقت للتخلص من الاتفاقيات والعلاقات المشبوهة التي أُجبرنا عليها 30 عامًا بالتمام والكمال؟!

 

متى نعيد ترتيب البيت من الداخل ونضع لأنفسنا مكانًا عليًّا بين الأمم؟! عسى أن يكون قريبًا.

------------

Us_soliman@yahoo.com