يوافق 26 مارس من هذا العام الذكرى الثلاثين لإبرام المعاهدة المصرية "الإسرائيلية"، وخلال الثلاثين عامًا الماضية حدثت تطورات إقليمية وعالمية عميقة، كما شهدت مصر تطوراتٍ مماثلةً، ولكنها في نظر المراقب المنصف تطوراتٌ سلبيةٌ، تدهور فيها الكثير، ولذلك ثار الجدل بين المثقَّفين وفي الأوساط الشعبية حول دور معاهدة السلام بين مصر و"إسرائيل"، وإلى أي مدى تقيِّد هذه المعاهدة حركة مصر.

 

يرى مؤيدو المعاهدة، وخصوصًا أعضاء الحزب الوطني- حزب الحاكم وليس الحزب الحاكم- أن المعاهدة كانت خيرًا وبركةً على مصر، وأن الرئيس السادات دخل التاريخ بقرار الحرب ثم بزيارته للقدس و"انتزاع" هذه المعاهدة؛ لِمَا تضمنته من تنازلات "إسرائيلية" كبيرة من بين أنياب اليمين المتطرف الذي كان يقوده بيجن، والذي انقلب بقدرة قادر من زعيم عصابة الأرجون إلى بطل السلام؛ الذي اقتسم جائزة نوبل للسلام مع الرئيس السادات.

 

ويرى أنصار المعاهدة أن الرئيس مبارك قد حافظ بحكمته على هذه المعاهدة، وأن "إسرائيل" هي التي تحرَّشت عدة مرات بمصر حتى تتخلَّص منها، ولكنَّ الرئيس مبارك لم يمكِّنها من ذلك.

 

ويضيف أنصار المعاهدة أنها وفَّرت لمصر هدوءًا على جبهتها مع "إسرائيل"، مكَّن مصر من أن تحقِّق سلسلةً من خطط التنمية، وأن تخفِّض نسبة الإنفاق العسكري؛ بحيث أصبح الجيش رمزيًّا في دولة تنعم بالسلام وترفل في الخير، ولا يهمُّ مصر اشتعال الجبهات الأخرى المحيطة بها، بل إن اشتعال هذه الجبهات يقوِّي الاعتقاد بالمقارنة بين مزايا المعاهدة وبين الجحيم عند غير المعاهدين، ولو علموا الخير لتعاهدوا مع "إسرائيل" كما تعاهدت مصر، ولدخلوا جنة الأرض كما دخلت مصر، ويكفي أنه لم تُطلَق رصاصة واحدة من جانب مصر ضد "إسرائيل"، أما ما أطلقته "إسرائيل" من رصاص على مصر وقتل بعض المصريين فلأن "إسرائيل" حريصةٌ على المعاهدة، ورأت أن الذين قتلتهم هم من مهرِّبي السلاح، حتى لو كانوا من الجنود المصريين العاملين على الحدود، ولهذا لم تطلب الحكومة المصرية اعتذارًا عن خطأ ارتكبوه، وتمَّ مواراتهم التراب على أنهم إرهابيون مخالِفون لتعليمات قيادتهم، وليسوا شهداءَ بل أشقياء!!.

 

ويضيف أنصار المعاهدة أن مصر استردَّت أرضها بالكامل، حتى لو كانت سيناء منقوصةَ السيادة، فذلك خيرٌ من انعدام السيادة أصلاً، وأن مصر قد فازت حيث تعثَّر الآخرون، فلا تزال الجولان محتلةً، ولا تزال فلسطين ترزح تحت الاحتلال، وأن استعداد مصر للسلام مع "إسرائيل" هو الذي أكسبها كل هذه المزايا.

 

ويضيف هؤلاء إلى ذلك أن هذه المعاهدة قد استبقت الأحداث؛ حيث انهار الاتحاد السوفيتي ولم يبقَ سوى قبلة سياسية واحدة، فتحت المعاهدة معها الباب لتحالف إستراتيجي لصالح مصر و"إسرائيل"، وكفى ما تحملته مصر من تضحيات بسبب القضية الفلسطينية، وعلى الدول العربية أن تتحمَّل هي الأخرى نصيبها.

 

ومع ذلك يرى أنصار المعاهدة أن الدور الإقليمي لمصر قد ازدهر بسبب تحالفها مع الولايات المتحدة، ما دامت الأدوار الإقليمية تحدِّدها الولايات المتحدة وليس البيئة المحيطة بمصر، ويرون أن مصر طرف أساسي في جميع الملفات الإقليمية بل والعالمية، ويوشك هؤلاء أن يقولوا بالفعل إن مصر هي التي ألزمت "إسرائيل" بوقف الهجوم على غزة؛ لما لمصر من ثقل تعلمه "إسرائيل".

 

أما ما يراه الآخرون من تقاعس مصر فهو تشويهٌ لسمعة مصر وخيانةٌ لنضالها وعدمُ قدرة على رؤية دورها، وعجزٌ عن إدراك أبعاد هذا الدور.

 

ولا بد أن هذا الفريق يضيف أيضًا أن مصر قد وفَّرت تكاليف المواجهة العسكرية لخطط التنمية، وأصبح الجنيه المصري أقوى العملات الإقليمية، وأنه عندما تولَّى الرئيس مبارك الحكم كان الجنيه يساوي ثلاثة دولارات، ولكنه بعد مرور ثلاثين عامًا أصبح الجنيه يساوي عشرة دولارات، وعندما كنت أتأمل مثل هذه الأقوال خيِّل إليَّ أنني خارج دائرة الزمن، وأنهم يتحدثون عن مصر التي لا نعرفها!.. على أية حال هم يقولون إن مصر بالمعاهدة تجنَّبت كوارث وحقَّقت إنجازات.

 

ونحن نقول: إن مصر بالمعاهدة وليس بالضرورة بسببها قد تقزَّمت وأُهينت، وأصبحت في ذيل الأمم، رغم أن قدراتها تؤهِّلها للريادة، وأضحت لا تجرؤ على مخالفة إملاءات "إسرائيل" وواشنطن، كما تفاقمت جميع المؤشرات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

 

تقول القوى الوطنية أيضًا: إن المعاهدة مكَّنت "إسرائيل" من أن تطوِّق مصر في السودان وفي الصومال، وأن تقضي على الروابط بين الدول العربية، وأن تجعل مصر بلا وزن في محيطها، وهناك مئات الشواهد على ذلك، وقد آن الآوان بعد ثلاثين عامًا أن يدرس المجتمع المصري ما لهذه المعاهدة وما عليها، وأن يقرر مصير المعاهدة، فقد يرى أن يُبرِمَ المزيد من أمثالها وأن يُدخلَها أنصعَ صفحات التاريخ، وأن نقيمَ للشخصيات الصهيونية الفاعلة فيها- خصوصًا الذين أعدموا عشرة آلاف أسير مصري ويهدِّدون بضرب السد العالي بالقنابل الذرية- تماثيل في مياديننا، وأن نطلق أسماءهم على أكبر الشوارع، بل والمدن العمرانية الجديدة، كأن نسمِّي مدينة القاهرة الجديدة مدينةَ ليفني والتجمع الخامس بتجمع شارون، وغير ذلك من صور التكريم.

 

وعلى العكس قد يرى المجتمع المصري أن المعاهدة قد تركت آثارًا ونُدوبًا عميقةً في نفس هذا المجتمع، واستخدمت "إسرائيل" مصر بسببها لتطويع العالم العربي وكسْر شوكته، بل وقد أصبح بعض العرب يعتبرون "إسرائيل" صديقًا حليفًا بعد أن كانت مرضًا خبيثًا تنشر العدوى به بمجرد ذكره.

 

كذلك طالبت القوى الوطنية أحيانًا بقطع العلاقات مع "إسرائيل"، وردت الحكومة ردودًا خرافيةً تقوم على الدجل القانوني والتمويه السياسي.

 

كما طالبت هذه القوى بإنهاء المعاهدة، وردَّت الحكومة بأن ذلك يعني الحرب مع "إسرائيل"، ومصر لم تعد قادرةً على أي حرب، وإنما أُعيد تصميمها لكي تكون دولةً مسالمةً، مهما تحرَّش بها الآخرون، وإذا ضُرِبت على خدِّها الأيمن سلَّمت خدها الأيسر قربى إلى الله وإلى السلام.

 

ولكي يقول المجتمع المصري كلمته لا بد أن يقرأ المعاهدة، ولا بد أن يدور نقاش واسع حول آثارها السلبية والإيجابية المفترضة، لكي يقرر بعد ذلك إن كان يجب الإبقاء عليها أو تجميدها أو إلغاؤها، فهذا قرارٌ سياسيٌّ من الدرجة الأولى، أما التبريرات القانونية فهي سهلة، المهم أن يقرر المجتمع المصري مصير المعاهدة.

 

لهذا السبب أدعو جميع القوى الوطنية في مصر إلى أن تقوم بتدريس هذه المعاهدة والحصاد المر الذي خلفته لمصر، ومناقشة البدائل وطريقة التعامل مع هذه المعاهدة، وأن تفتح الأحزاب السياسية فصولاً للدراسة، وصالات للتدريبات واللقاءات طوال هذا العام، كما يجب على الحكومة أن تكلِّف أحد المراكز المستقلة بدراسة مستفيضة لحصاد هذه المعاهدة في ثلاثين عامًا، اللهم إلا إذا كان الزواج بين مصر و"إسرائيل" لمدة ثلاثين عامًا قد أدخله مرحلةَ الأبدية، ولم يعترف بالانفصال أو الخلع مهما كانت خطايا الطرف الآخر.