م. أسامة سليمان

 

لا يختلف أحد في أن اتفاقية كامب ديفيد تعد الأطول صمودًا بين طرفي الصراع الكيان الصهيوني والعرب، متمثلةً في مصر.

 

وأيًّا كان من حافظ على استمراريتها أومن نقض بعض بنودها، وكذلك أيًّا كان الإجحاف فيها لحقوق طرف على حساب الطرف الآخر، إلا أنه وبعد مرور ثلاثين عامًا وجب إعادة النظر فيها وما حقَّقته لكلا الطرفين وحق للطرفين أن يعيدا النظر فيها لمصلحة كل منهما العليا، كما أقرت بذلك نفس بنود الاتفاقية.

 

أما السكوت وعدم التفكير في جميع جوانبها على مدار السنين السابقة والتأثيرات الناتجة فهذا ما لا يجب السكوت عليه وسأتناول من وجهة نظري محورين مهمين تجاه الاتفاقية:

 

الأول هو الشعب المصري، والثاني هو النظام المصري الذي لم يتغير طوال العقود الثلاثة التي هي عمر صمود الاتفاقية.

 

أما عن الشعب المصري وهو المحور الأهم تجاه الاتفاقية، فقد تم التعامل معه من قبل النظام المصري والأطراف الخارجية على طريقة أنه ما زال دون السن القانونية الراشدة التي تمكنه من معرفة حقائق الاتفاقية ومورس عليه تعتيم كامل وتزوير بشع؛ حتى لا يصعد لدهاليز السياسة ويعلم مخاطر بنود هذه الاتفاقية الجائرة، حتى إنه يقال إن السبب في إشهار الحزب الوطني على يد السادات هو الحفاظ على تنفيذ بنود الاتفاقية، وتأكيد استمراريتها حتى هذا الوقت.

 

أما الشعب فليس له علاقة من قريب أو بعيد بالاتفاقية وما ورد فيها، حتى عندما استفتوه لزوم الغطاء الشرعي والديكوري للدستور أوردوا الاتفاقية مع 14 موضوعًا آخر، وعلى الناخب أن يختار بـ"نعم" أو "لا" على الموضوعات المختلفة الـ15 مرة واحدة وبالمقطوعية وليس لك خيار آخر أو يبطل صوتك ولتأكيد ما يريده النظام وقتها لم يذهب أحد إلا من أراده النظام.

 

ومن يومها والنظام الحاكم يمارس أشدَّ أنواع التعتيم على ما تحويه الاتفاقية من بنود مجحفة أو سرية مع كل الإشادة لما سيعمُّ البلاد من جرَّاء الاتفاقية، كالرخاء بدون فقر، والتقدم بدون تخلف والتنمية بدون توقف أو حتى سلام بدون حرب.

 

وتمر السنون تلو السنين والشعب المقهور يعاني الويلات من قسوة الحياة وشظف العيش هذا غير التنكيل والتكبيل الذي جرَّه علينا قانون الطوارئ وتغوُّل السلطة التنفيذية وعلى رأسها الجهات الأمنية حتى ابتعد الشعب تمامًا عن ممارسة حقوقه السياسية التي كفلها له الدستور.

 

وبالطبع شغل هذه المناصب السياسية من يجيد التسلق والتفهم لحال النظام السياسي وما ورثوه من جراء الاتفاقية ونتاج ذلك هو فقدان الوعي بالاتفاقية وما فيها وآثارها، وسيطر الجهل على الأجيال التالية حول الاتفاقية حتى أصبحت واقعًا مفروضًا وليس مرفوضًا، شأنها شأن قانون الطوارئ والتزوير والفساد والبقاء مدى الحياة في السلطة.. إلخ، وللأسف نجح المهتمون من كل لون في إقصاء الشعب المصري عن قضاياه المصيرية، واستطاع الإعلام الفاسد إجادة الخداع وقلب الحقائق وخلط الأوراق حول هذه القضايا حتى انطلت على نسبة كبيرة من الشعب المغيب والفاقد للوعي بمصالحه.

 

هنا وحتى نصحِّح الأوضاع يجب على كل وطني مخلص يبصر حقائق الأمور ويقدِّر خطورة القضايا أن يمد يد العون والمساعدة، وأولها هي كيف نعيد للشعب وعيَه ونوضِّح له بجلاء وحياد ما يحيق بالوطن ومستقبله.

 

وأيًّا كانت الوسائل المستخدمة فيجب التركيز على هدف توعية الشعب بمختلف شرائحه حول كامب ديفيد وما فيها، وأولها اختراق السيادة، سواءٌ في القرار أو حتى على أرض سيناء الحبيبة أو في مساعدة دولة شقيقة كفلسطين في استعادة الأرض، وقبل كل ذلك ندرك أنها كانت البداية الحقيقية لشرعية الكيان الصهيوني في أن يكون له دولة على أرض عربية لدولة شقيقة، وسكتنا عن حقوق الشقيقة فلسطين بل ضيَّعناها في مقابل عودة سيناء بالسيادة المنقوصة والحدود غير الآمنة والمهددة من الكيان الصهيوني هذا غير القوات الدولية متعددة الجنسيات التي ترابط على أرض سيناء الحبيبة منذ توقيع الاتفاق لنخرج من ميزان القوى الإقليمي ونعطيه طواعيةً لإسرائيل كي تعبث في المنطقة دون رادع.

 

يجب أن تعلم كل الأجيال أن أي عربي مسلم أو مسيحي أو يهودي أغلبيةً أو معارضةً مع السلام، لكننا جميعًا يجب أن نكون ضد الاستسلام المفروض علينا حاليًّا، نعم نحن مع سلام الشجعان، لا استسلام الجبناء، والحقوق لا تُمنَح بل يجب أن تُنتزَع، كما أن السلام والسيادة يحتاج كل منهما إلى قوة تحميه وتحافظ عليه، وهذا يوجب علينا لمّ الشمل العربي وتحديد أفق إستراتيجي لاسترداد فلسطين وها نحن نرى حكومات صهيونية متعاقبة تجتمع على ألا يكون أي دولة لفلسطين.

 

يجب أن نعي ما يخبرنا به رب العزة في كتابه الكريم عن اليهود ومستقبلهم في أرض فلسطين وعن الدور الذي يجب أن نعدَّ أنفسنا له وما وعد المصطفى صلى الله عليه وسلم في فتح القسطنطينية عنا ببعيد رغم تعاقب الأجيال على فتحها تحقيقًا للوعد النبوي.

 

فلن يفلح شعب هُزِم فكريًّا ونفسيًّا وحُرِم من أي حق له في إدارة شئون الدولة، حسب ما ينص عليه الدستور، وألهينا في البحث عن لقمة العيش، وتنافسنا في أن نكون من أقوى المستهلكين لكل ما هو مستورد أجنبي وجنبنا الزراعة، وعجزنا عن الصناعة، وأهملنا السياحة، وأفسدنا الذمم والضمائر، حتى سجَّلنا أرقامًا قياسيةً في انتهاك حقوق الإنسان وعدم الشفافية والبؤس.. إلخ، وحققنا أرقامًا متدنيةً في كل ما هو حميد كالتعليم والبحث العلمي والإدارة والاقتصاد والرياضة.. إلخ، وهذا يفسر أن ما حدث ويحدث لنا من قرارات في كل المجالات ويتسبَّب فيها النظام المصري طوال العقود الماضية هو مما جنته علينا اتفاقية كامب ديفيد.

 

يجب أن نعلم أن كامب ديفيد هي أول اتفاق رسمي بين دولة عربية والكيان الصهيوني المغتصب، وأننا أول دولة عربية تعترف بشرعية الكيان الصهيوني وحقه في الاحتلال، ضاربين بكل ماضينا وما فيه من شهداء لدحر الاحتلال عرض الحائط.

 

يجب أن نعلم أننا أول من نسفنا القضية الفلسطينية كقضية عربية قومية لكل العرب وكل الأجيال وحوَّلناها حسب الاتفاقية إلى قضية سكان أراضٍ محتلة وشتَّتنا وحدتها وبعثرنا قوتها.
يجب أن نعلم أنه بالاتفاقية خرجت مصر عسكريًّا لأول مرة من الصراع العربي الصهيوني وتسبَّبنا في تقوية العدو عسكريًّا خلال الـ30 سنة الماضية.

 

يجب أن نعلم حسب بنود الاتفاقية أننا أعطينا أمريكا صلاحياتٍ واسعةً في استخدام منطقة شرم الشيخ، بما فيها القواعد العسكرية والمواقع الإستراتيجية التي تخلَّت عنها إسرائيل بما يخدم إستراتيجياتها في المنطقة ولا نملك أي موقع منها أو حتى محاولة الاقتراب من سيناء، حسب ما ورد في الاتفاقية من تقسيمها إلى مناطق أ، ب، ج.

 

يجب أن نعلم أننا ساعدنا المحتل في تجريد القوات الفلسطينية والميليشيات اللبنانية من السلاح تدريجيًّا وبإشراف دولي عربي، وكذلك تقديم أي مقاوم لمحاكمة صهيونية مقابل الوعود الأمريكية بزيادة المساعدات المالية والاقتصادية، وكذلك تعويض مصر عن المساعدات العربية التي ستفقدها نتاج التوقيع على الاتفاقية.

 

يجب أن نعلم أننا وافقنا على تنسيق استخباري مصري أمريكي حول أوضاع المنطقة العربية كلها منذ توقيع الاتفاقية في 1979م وليس بعد أحداث سبتمبر  2001م، وأن الرئيس الراحل وافقهم على تخفيض قوات الجيش إلى الثلث تقريبًا.

 

يجب أن نعلم أن ما خفي كان أعظم، وأننا ننتقل من السيئ إلى الأسوأ، إننا في أمسِّ الحاجة لحزمة من المفاهيم والقيم تسري في جسد الأمة، فتحررها من الوهن والضعف الذي أصابها عقودًا طويلةً، وتعلي روح الانتماء الوطني، وتنمي الإيجابية، وتقوي الإرادة نحو وجوب الإصلاح وضرورة التغيير.

 

يجب أن يعي الشعب حقَّه في التغيير والإصلاح، وأنه منوطٌ به وحده، فنعلم الصغير قبل الكبير حقَّه الدستوري في المقاومة السلمية في إزالة كل مستبد ظالم أو فاسد ومفسد، بدءًا بالاعتراض والاحتجاج، وانتهاءً بالتغيير، ومرورًا بالتظاهر.. وغيرها من وسائل الاحتجاج السلمي التي تبني ولا تهدم.

 

أما عن المحور الثاني، وهو النظام الحاكم بكل مؤسساته الرسمية، فالمعلوم سلفًا أن الرئيس الراحل وقعها في ظروف غير الظروف، ومنها ظرف الإكراه والاضطرار؛ حيث كانت سيناء تحت الاحتلال، وظرف التدخل الأمريكي القوي والضاغط، هذا بجانب الظرف الشخصي الذي كان يصنعه الرئيس الراحل لنفسه، وتبنِّيه للسلام المزعوم، والكل يعلم أن مؤسسات الدولة- وحتى الشعب- وُضِعَت جميعًا في اتجاه إجباري وحيد للقبول بهذه الاتفاقية، هذا بجانب ما اتخذه السادات من تحوُّل مصر كحليفٍ للاتحاد السوفيتي إلى حليفٍ إستراتيجي للأمريكان.

 

أما وقد مرَّ ثلاثون عامًا على الاتفاقية فهذا يفرض على النظام المصري أن يدرس ما جنته مصر سلبًا وإيجابًا في كل المجالات وليس واحدًا منها فقط، وقد يكون القرار الصائب هو السعي إلى تعديل البنود وتطويرها أو السعي لنقضها وإلغائها فورًا والظرف الزمني مهم للغاية وفق المصلحة العليا وليس المصلحة الشخصية الضيقة لفئة محدودة على حساب الآخرين؛ لذا فمن المهم إدراك ما على أجندة النظام من أولويات وفق الأمن القومي المصري أولاً، فالبعد الإقليمي ثانيًا، ثم البعد العالمي بعدها وليس العكس، ويجب أن ينظر صنَّاع القرار إلى وجوب ألا تتقاطع هذه الأولويات ضد المصالح العليا للوطن، وهذا يفرض النظر والدراسة لعدة أمور؛ هي:

 

* على مستوى الأمن القومي..

- تأمين الحدود الشرقية وهي الأهم؛ لطبيعة الجار الغادر الاستيطاني، والذي لم يتنازل حتى الآن عن مشروعه الكبير حتى ضفاف النيل.

 

- التخلص من شبح الضغوط الحالية والمستقبلية على القرارات المصيرية، خصوصًا مياه النيل وما يعانيه العدو الآن من شحِّ المياه، رغم أننا نعاني فقرًا مائيًّا يتزايد في الأعوام القادمة.

 

- الآثار السلبية الخطيرة المترتبة على تطبيع العلاقات المختلفة مع العدو، ومنها الآثار الاجتماعية المدمرة، وتصدير الغاز بأسعار بخس يندى لها الجبين، والتراجع الزراعي في المحاصيل الرئيسية التي تتمتع بها مصر، فضلاً عن اختراقهم عمق المجتمع المصري ومؤسساته الرسمية وغير الرسمية والتفكيك الاقتصادي المخطط، وأبرزه بيع القطاع العام ووقف التصنيع الحربي، وما نجم عنه من تحوُّل المليارات من يد الدولة إلى حفنةٍ من رجال الأعمال يتحكمون في القرارات المصيرية وسيادتها.

 

- الآثار السلبية لوفود السياحة الصهيونية الواردة إلينا عبر الحدود على المجتمع ومجال السياحة نفسه.

 

- التزايد الملحوظ في من جندتهم الكيان الصهيوني كجواسيس لها يضربون في العمق المصري ومؤسساته.

 

- الحفاظ على مشاعر الرأي العام المصري والعربي تجاه قدسية المسجد الأقصى ثالث الحرمين وقبلتهم الأولى ومشاعر الغضب لاحتلال أرض عربية إسلامية.

 

- الآثار السلبية الناجمة عن ضرب بنود الاتفاقية للثوابت الوطنية، كضعف الانتماء الوطني وسلبيته وتفتت وحدته.

 

* على المستوى الإقليمي..

- أهمية الحفاظ على حركة حماس، والتعاون معها لتأمين الحدود؛ فهي حائط الصد بيننا والكيان الصهيوني، والقوي الأمين خير من الخائن الضعيف.

 

- دراسة عوامل التحلل الداخلي للكيان الصهيوني على المستوى الاجتماعي والعقائدي والسياسي.

 

- دراسة إمكانية استثمار تطرف الحكومة اليمنية القادمة في نقض الاتفاقية لصالح مصر الوطني ودفع القضية الفلسطينية في حقها المشروع للمقاومة حتى دحر العدو المحتل وتحقيق مكاسب على المستوى الدولي.

 

- أهمية نقض الاتفاقية لصالح الدفاع عن حدودنا حال غدر الصهاينة واعتداءهم علينا وفق مشروعهم الإستراتيجي، خصوصًا أن سيناء خالية من الحماية المصرية بموجب الاتفاقية، أم ساعتها سنلجأ لأمريكا أو مجلس الأمن!! ولا أنسى ما قاله الراحل السادات رافضًا إخلاء سيناء من السلاح بقولته: "إن الحديث الدائر في الكيان الصهيوني عن نزع سلاح سيناء يجب أن يتوقف، فإذا كانوا يريدون نزع سلاح سيناء فسوف أطالب بنزع سلاح الكيان الصهيوني كله، كيف أنزع سلاح سيناء؟، إنهم يستطيعون العودة في أي وقتٍ يريدون، بل وخلال ساعات"..

 

هذا ما قاله السادات في 19 مارس 1974م، ثم للأسف وقَّع عكسه تمامًا في 26 مارس 1979م، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

* على المستوى الخارجي..

- دراسة الآثار المترتبة للأزمة العالمية وانحسار الدعم الدولي للكيان الغاصب في المرحلة القادمة.

 

- النظر في العلاقة الوحيدة مع القطب الأمريكي وأثرها في رفض كل العلاقات الأخرى سواء إقليميًّا أو دوليًّا رغم أن المستقبل يوحي بتعدد الأقطاب المتبوعة إقليميًّا وعالميًّا.

 

- حسن استثمار رئاسة الديمقراطيين بقيادة أوباما لأمريكا في توجيه بنود الاتفاقية لصالح الوطن والقضية الفلسطينية.

 

- النظر في الخروقات الصهيونية وحربها المتواصلة على المدنيين في لبنان وفلسطين وامتلاكها للسلاح النووي والتفوق العسكري واستثمارها في نقض الاتفاقية.

 

أخيرًا يبقى السؤال.. هل يأتي يوم نتحرر فيه من قيود اتفاقية جائرة حبستنا ثلاثين عامًا؟.. خسرنا فيها الكثير من الريادة والتقدم والرخاء والسلام الاجتماعي والانتماء الوطني!! نعم إذا وعى الشعب مخاطر كامب ديفيد وامتلك إرادة التغيير، وانتبه النظام الحاكم وتخلَّص من قيوده وشهواته، وكانت له إرادة سياسية تراعي مصالح الوطن.

------------

* Us_soliman@yahoo.com