لقد استبان لي أن أمتنا في حاجة ماسَّة إلى مفردات تتسم بالوضوح والإمكانية والثبات لتقرير طريق النهضة، ولا شك عندي أن مفرداتٍ من قبيل العلم والعدل والصلاح، أو الاستقامة والقوة أو الشجاعة هي مفردات أصيلة (واضحة، وممكنة، وثابتة) للبناء الحضاري والسير في ركب الحضارة الإنسانية.

 

ولقد تتبَّعت هذه المفردات في أمتنا، لا سيما المعاصرة، فوجدت شططًا، فلا قاعدة علمية أنشأنا، ولا صار مستوى خريجينا من الجامعات ذا نفع، بل تأخرت جامعاتنا وتقدمت عليها جامعات بني صهيون، وصرنا في ذيل الأمم لولا بقية قليلة من آحاد الناس يبرزون في جامعات من هنا أو هناك، ولعل مرد هذا التفوق لعوامل شخصية في هؤلاء العلماء لا لبيئة مشجعة من جامعاتنا.

 

وأما عن العدل فكل مظاهره تختفي حين نرى أحكام القضاء لا نفاذ لها، وحين نرى المدنيين يحالون لمحاكمات عسكرية، وحين نرى رجال الشرطة يقتلون المواطنين ويعذبونهم، وحين نرى غيابًا تامًّا وحقيقيًّا لتداول السلطة، وفوق ذلك حين نرى تزويرًا فجًّا لكل انتخابات، والأمة التي يضيع العدل بين بنيها لا يُرجى لها نهضة أبدًا، وما اتخذ قوم بعضهم بعضًا مطايا إلا سادت فيهم قيم الرشوة والفهلوة والفساد، وهي قيم لا تستقيم معها نهضة أبدًا.

 

وأما عن الصلاح أو الاستقامة فالحق أن في أمتنا صالحين كُثر ومصلحين أقل، وما كان الله ليرفع لأمة لواءً إذا كثر الصالحون وقل المصلحون.. يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117)، وحين سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث"، ولاحظوا دقة قول الله تعالى ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ وليس وأهلها صالحون، وقارنوا ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وما ورد إلينا من قصة "به فابدأ؛ إنه لم يتمعر وجهه غضبًا لله".

 

أريد أن أقول: إن الأمم التي تنفض يدها من الأخلاق أمم منخورة الكيان ولا استمرار لها، وفي هذا الصدد يمكننا أن نفهم قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16)، وأمتنا الراهنة ليست بعيدةً عن هذا الدرك؛ حيث قد كثر الخبث رغم وجود الصالحين!.

 

وأما عن القوة أو الشجاعة فلا شك أن الأمة الضعيفة التي لا تبني مفردات قوتها قدر استطاعتها أمة على خطر من أطماع المحيطين بها، وقد لا نملك أن نجاري خصومنا في قوتهم وتكنولوجياتهم مرحليًّا، لكننا وبكل تأكيد نملك أن نعدَّ لأطماعهم قدر ما نستطيع من قوة، وفي هذا الصدد يمكننا تفهُّم قول الله تعالى ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60).

 

من هنا نقول: الطريق من هنا يبدأ بالعلم وبالعدل وبالصلاح وبالقوة، على أن الإنصاف يقتضي القول بأن الطريق يبدأ بالعدل ثم تليه المفردات الأخرى.