علَّمتنا التجارب الغربية مع منطقتنا أن الغرب لا يستريح إلى الرؤساء الذين لا يتجاوبون مع أهدافه، فيعمد هذا الغرب إما إلى تطويع النظم المعارضة أو التخلص من هذه النظم، وقد حدث ذلك مرارًا في العالم العربي، في مصر والعراق وفي سوريا وليبيا، ويحدث الآن في السودان.
ولذلك فإن السؤالَ الأكثر إلحاحًا بالنسبة للمراقب ما إذا كان الغرب قد قرر تطويع نظام الرئيس السوداني أم قرر التخلص منه شخصيًّا أو من نظامه بالكامل، ويترتب على الإجابة بأحد الأمرين نتائج مختلفة.
المقطوع به هو أن الغربَ قرر اتخاذ موقفٍ حازم مع السودان، بعد أن استمرَّت المؤامرة عليه في سياق مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية على الأقل منذ عام 2003م، ويبدو أن السيناريو وكان واضحًا للغرب، وأصبح واضحًا الآن للمراقب الموقف، وهو أن تسخين المشكلة في مجلس الأمن قد وصل إلى درجةٍ معينة، تم عندها إحالة عددٍ من الشخصيات السودانية وعلى رأسها البشير إلى المحاكمة، وقد نظر إلى هذا العمل على إنه محاولة للضغط على السودان علَّه يستجيب للمطالب الغربية، فلما رفض السودان، وبعد إبرام اتفاق السلام مع الجنوب الذي كان موضوع معركة دبلوماسية حامية مع الخرطوم، بدأ الغرب في معركةٍ أخرى لإرغام الحكومة السودانية على إبرام اتفاق سلام مع المتمردين.
فلما تم ذلك وفقًا للتوجهات الغربية، وتجاوب الحكومة السودانية على غير إرادتها رغبةً في التوصل إلى تسوية وإنهاء المشكلة في دارفور، فإن الغربَ الذي أنشأ التمرد دفع المتمردين إلى عدم الانضمام إلى هذا الاتفاق، وعاد مرةً أخرى يكرر مواقفه ضد الحكومة ويُصعِّد ضغوطه ضد السودان، في هذه الأثناء كان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية قد حصل على معلوماتٍ من مواقع المتمردين ومن المعارضة السودانية، ومواقع المنظمات الإنسانية العاملة في دارفور والمدفوعة سياسيًّا وأمنيًّا، ولها علاقات بالكيان الصهيوني والولايات المتحدة، هكذا توصَّل المدعي العام إلى قناعةٍ من هذه المصادر بأن وزيرَ الدولة للشئون الإنسانية أحمد هارون وعلي خوشيب قد ارتكبا جرائم حرب، وأنه يجب محاكمتها أمام المحكمة الجنائية الدولية، ولم يهتم السودان بهذه الخطوة؛ لأنه يعرف أنها قضية سياسية.
وفي ديسمبر 2007م صدر قرار الدائرة التمهيدية في المحكمة باعتقال أحمد هارون وعلي خوشيب، وطلبت المحكمة من السودان تسليمهما، ولكن السودان أكد أنه ليس طرفًا في نظام المحكمة، وأن القضية سياسية والتهم ملفقة، وانتظر الغرب لكي يتجاوب البشير مع المحكمة أو بعبارةٍ أخرى مع المطالبة السياسية للغرب، ولكن البشير أقسم أنه لن يُسلِّم أي سوداني.
وأخيرًا.. صدر القرار على البشير نفسه، وفُهِمَ منه أحد أمرين، إما أن الغربَ قرر التخلص من البشير بهذا القرار وتوليد الضغوط عليه في الداخل والخارج حتى ينهار، وإما قرار اعتقال البشير إهانة للسودان وإهانة للبشير بما يكفي لكي يفهم البشير الرسالة ويتفاوض مع الغرب على شروطه.
والطريف أن المتحدث باسم الخارجية الفرنسية قد أبدى استعداد فرنسا للعمل في مجلس الأمن لتأجيل تنفيذ قرار المحكمة، أو وقف إجراءات المحكمة ضد البشير إذا نفَّذ البشير عددًا من الشروط التي وضعها المجتمع الدولي.
ولكن المشكلة هي أن كلمة المجتمع الدولي هي الدول الكبرى المتآمرة على السودان، وأن هذه الشروط لا يعرفها السودان، وإنما جاءت متناثرة بشكلٍ غامض في تصريحات المسئولين الغربيين، ويمكن أن نجمع ما ورد بهذه التصريحات، وهو أن السودان يتعين عليه أن يسوى مشكلة دارفور بأسرع ما يمكن، وهذا مستحيل؛ لأن الغرب يساند التمرد ويعتمد عليه في تنفيذ مخططه، تمامًا مثلما قال التمرد بعد صدور القرار إن التمرد سيكون أداةَ تنفيذ هذا القرار ضد البشير، أي السعي إلى اعتقاله وقلب نظام حكمه.
أما الشرط الثاني الذي يتطلبه الغرب من البشير فهو إنهاء المشكلة الإنسانية، ويعلم الغرب أنها مشكلة مستعصية تفاقمت بعد الحرب في دارفور، وأن المنظمات الإنسانية العاملة في دارفور تسعى لتحقيق المخطط السياسي وليس إلى تخفيف معاناة الطوائف المنكوبة في دارفور.
أما الشرط الثالث فهو أن يتخذ السودان خطوات تخفف من الاحتقان السياسي في الداخل، أي أن الغربَ قد امتدَّ اهتمامه خارج دائرة دارفور، ويعمل من أجل المعارضة السودانية ضد البشير.
أما الشرط الرابع فهو طلب الغرب أن يحسن السودان علاقته بتشاد، بعد أن أصبحت تشاد هي رأس الحربة للتآمر على السودان ومساندة المتمردين؛ مما دفع السودان هو الآخر إلى مواقف ضد تشاد، والغريب أن الغرب قد توسط لإصلاح العلاقات بين السودان وتشاد وأعاد العلاقات الدبلوماسية بينهما، رغم أن ذلك قفزًا على الواقع واحتفالاً بالشكل دون المضمون.
وأخيرًا، طلب الغرب بأن يسلم السودان المطلوبين في المحكمة الجنائية الدولية حتى ينجو بنفسه من محاولة لإحداث فتنة كبيرة في السودان، فهل لهذه الشروط التي يلح الغرب عليها، ويحاول تصعيد ضغوطه والسعي لدى مجلس الأمن لإدانة قرار السودان بطرد عددٍ من المنظمات الإنسانية من دارفور، يوحي بأن الغرب يريد قلب النظام أم أنه فعلاً يُبقي على النظام إذا نفَّذ هذه الشروط؟.
لا شبهة عندي في أن الغربَ يريد تغيير النظام الذي بدأ بطابع إسلامي وأصرَّ عليه حتى الآن، ويريد السودان الجديد الذي زالت عنه صفته العربية الإسلامية، وهذا مطلب نهائي؛ ولذلك فإنه يُشجِّع المتمردين لقلب نظام الحكم ولهم علاقات وثيقة بالكيان الصهيوني، ويُمكِّنهم أن يفهموا كيف يُسخِّرون السودان لخدمةِ المشروع الصهيوني والغربي.
يترتب على ذلك أن التصدي لهذه المؤامرة هو تأكيد الطابع العربي الإسلامي للسودان الذي لا يمكن أن يكون شخصيًّا هو المستهدف في هذه الملحمة.