المعركة ضد كامب ديفيد مستمرة، وكنا قد تناولنا في حديثٍ سابقٍ بطلانها بموجب أحكام القانون الدولي.
وفي هذه الجولة سنتناول الاتفاقية ونقيمها على ضوء مواد ونصوص الدستور المصري، وسنكتشف معًا أن اتفاقيات السلام المصرية الصهيونية تخالف وتناقض عددًا كبيرًا من مواد الدستور في ثلاثة مسائل رئيسية:
1- السيادة
2- الانتماء إلى الأمة العربية
3- الشريعة الإسلامية.
وسنقوم بتناول كل محور بالتفصيل في السطور التالية..
أولاً: السيادة (خمس مخالفات دستورية)
1- مصدر السيادة الوطنية على سيناء:
لم يعد مصدر السيادة المصرية الحالية على سيناء، هو حقنا التاريخي فيها بصفتها جزء من أراضي الوطن.
وإنما مصدر السيادة الحالية وسندها هو اتفاقية السلام، فلقد أصبحت سيادتنا عليها مشروطة بالتزامنا بأحكام الاتفاقية.
فإن رغبنا في إنهاء الاتفاقية والخروج منها، تستطيع إسرائيل إعادة احتلالها بحجة أن انسحابها كان مشروطًا بالاعتراف بها والسلام والتطبيع معها.
وهو ما يُمثِّل في الحقيقة أخطر آثار كامب ديفيد.
إذْ تنص المادة الأولى من الاتفاقية في فقرتها الثالثة على:
"عند إتمام الانسحاب المرحلي المنصوص عليه في الملحق الأول، يقيم الطرفان علاقات طبيعية وودية"، وهو ما يُعتبر مخالفةً صريحةً للمادة الثالثة في الدستور التي تقر حقَّ السيادة للشعب بدون قيدٍ أو شرطٍ فتنصُّ على: "السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها..".
2- السيادة العسكرية والدفاع عن الوطن وسلامة أراضيه:
تنص الاتفاقية في الفقرة الأولى من المادة الرابعة على:
"بغية توفير الحد الأقصى للأمن لكلا الطرفين؛ وذلك على أساس التبادل تقام ترتيبات أمن متفق عليها بما في ذلك مناطق محدودة التسليح في الأراضي المصرية والإسرائيلية وقوات أمم متحدة ومراقبون من الأمم المتحدة، وهذه الترتيبات موضحة تفصيلاً من حيث الطبيعة والتوقيت في الملحق الأول، وكذلك أية ترتيبات أمن أخرى قد يتفق عليها الطرفان".
وهي الترتيبات التي انتهت إلى نزع سلاح ثلثي سيناء المجاور لفلسطين، وتقييد عدد القوات المصرية في الثلث الباقي، ومنع إنشاء أي مطارات أو موانئ عسكرية مصرية فيها؛ الأمر الذي يحرم مصر من الدفاع عن سيناء، فيما لو قررت إسرائيل إعادة احتلالها مرةً أخرى كما حدث في عامي 1956 و1967م.
وهو ما يُمثِّل انتقاصًا كبيرًا من سيادتنا العسكرية على كامل الأراضي المصرية، ويهدد أمن وسلامة أراضي الوطن، ومن ثَمَّ يناقض المواد التالية من الدستور:
- مادة 58: "الدفاع عن الوطن وأرضه واجب مقدس..".
- مادة 79: "يؤدى الرئيس أمام مجلس الشعب قبل أن يباشر مهام منصبه اليمين الآتية: أقسم بالله العظيم.. أن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه".
- مادة 180: "الدولة وحدها هي التي تنشئ القوات المسلحة، وهي ملكٌ للشعب مهمتها حماية البلاد وسلامة أراضيها وأمنها..".
3- السيادة المصرية في إخراج القوات الأجنبية من أرض الوطن:
نصَّت المادة الرابعة من الاتفاقية في فقرتها الثانية على: "يتفق الطرفان على تمركز أفراد الأمم المتحدة في المناطق الموضحة بالملحق الأول، ويتفق الطرفان على ألا يطلبا سحب هؤلاء الأفراد، وعلى أن سحب هؤلاء الأفراد لن يتم إلا بموافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بما في ذلك التصويت الإيجابي للأعضاء الخمسة الدائمين بالمجلس؛ وذلك ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك".
وهو ما يعني أنه ليس لمصر الحقَّ في المطالبة بسحب هذه القوات إلا بعد موافقة أعضاء مجلس الأمن الدائمين مجتمعين، وهو ما يعني أنه ليس لمصر السيادة على قرار وجود هذه القوات على الأرض المصرية.
هذا مع العلم بأن هذه القوات لم تعد قوات للأمم المتحدة، وإنما قوات متعددة جنسية تحت إدارة أمريكية وبأغلبية تشكيل أمريكية.
4- السيادة المصرية في توقيع المعاهدات:
تنص المادة السادسة من الاتفاقية في فقرتيها الرابعة والخامسة على ما يلي:
- "يتعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزام يتعارض مع هذه المعاهدة".
- مع مراعاة المادة 103من ميثاق الأمم المتحدة، يقر الطرفان بأنه في حالة وجود تناقض بين التزامات الأطراف بموجب هذه المعاهدة وأي من التزاماتهما الأخرى فإن الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة تكون ملزمة ونافذة".
وهو ما يخالف حق السيادة المطلقة الوارد في المادة الثالثة من الدستور والسابق الإشارة إليها، والذي يعطي لمصر الحق في توقيع الاتفاقيات وإقامة العلاقات التي تتناسب مع مصالحها بصرف النظر عن أي طرفٍ آخر.
مع العلم بأن هذا النص في الاتفاقية قد وُضِعَ خصيصًا لمواجهة العلاقات المصرية العربية خاصة اتفاقية الدفاع العربي المشترك.
5- السيادة المصرية في إنهاء أي علاقةٍ مع أي دولة:
نصَّت الفقرة الثالثة من المادة الثالثة من الاتفاقية على:
"يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستتضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وإنهاء المقاطعة والحواجز ذات الطابع التمييزي المفروضة ضد حرية انتقال الأفراد والسلع".
مما ترتب عليه ان تكون العلاقات المصرية الإسرائيلية في كل المجالات المذكورة، هي علاقات إلزامية وإجبارية لمصر، فهي جزءٌ لا يتجزأ من الاتفاقية، فالتزام إسرائيل ببنود الاتفاقية مثل عدم العدوان على الأراضي المصرية على سبيل المثل مرهون بالتزام مصر بإقامة هذه العلاقات والاستمرار فيها.
وحتى لا تترك لنا الولايات المتحدة حرية تفسير النصوص، فإنها قد قامت بالنص صراحةً على هذا المعنى في مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية الموقعة في 25 مارس 1979م، والتي نصَّت على حق الولايات المتحد في التدخل عسكريًّا، وحقها في دعم إسرائيل فيما تتخذه من تدابير ضدنا، أن نحن قمنا بانتهاك أحكام المعاهدة أو التهديد بانتهاكها بما في ذلك الإجراءات العسكرية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية.
إذن علاقتنا مع إسرائيل بموجب الاتفاقية هي علاقات إلزامية فوق طبيعية، إذ إنها تجردنا من حق ممارسة سيادتنا في إقامة أو قطع العلاقات بما يتوافق مع مصالحنا الوطنية.
وهو ما يخالف مادة السيادة بالدستور، وهي المادة الثالثة سالفة الذكر.
*****
ثانيًا: انتماء مصر العربي
تضمن نص المادة الثالثة من الاتفاقية ما يلي:
- "يقر الطرفان ويحترم كلٌّ منهما سيادة الآخر وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي".
- "يقر الطرفان ويحترم كل منهما حق الآخر في أن يعيش في سلامٍ داخل حدوده الآمنة والمعترف بها".
- "يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستتضمن الاعتراف الكامل..".
وتخالف النصوص السابقة الفقرة الثانية من الدستور المصري التي تنص على:
".. الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة"؛ حيث إن الاعتراف بإسرائيل هو تنازل عن جزء من أرض الأمة العربية هو فلسطين 1948م، التي المغتصب المحتل الذي ليس له أي حقوق تاريخية أو قومية في هذه الأرض.
بل إن الصراعَ ضده منذ قرن من الزمان يدور حول ملكية هذه الأرض، هو يدَّعي زورًا وبهتانًا أنها تخصه، ونحن نقاتل من أجلها لأنها أرضنا، لم نغادرها أبدًا منذ 14 قرنًا.
الاعتراف إذن، هو انحياز إلى وجهة نظر العدو في صراعنا معه، بالمخالفة للحقائق التاريخية ولنصوص الدستور المصري.
*****
ثالثًا: الشريعة الإسلامية
تنصُّ المادة الثالثة من الاتفاقية في فقرتها الثانية على:
"يتعهد كل طرفٍ بأن يكفل عدم صدور فعلٍ من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية وأفعال العنف أو التهديد بها من داخل أراضيه أو بواسطة قوات خاضعة لسيطرته أو مرابطة على أراضيه ضد السكان أو المواطنين أو الممتلكات الخاصة بالطرف الآخر، كما يتعهد كل طرفٍ بالامتناع عن التنظيم أو التحريض أو الإثارة أو المساعدة أو الاشتراك في فعلٍ من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجهة ضد الطرف الآخر في أي مكان، كما يتعهَّد بأن يكفل تقديم مرتكبي مثل هذه الأفعال للمحاكمة".
وهو ما يخالف المادة الثانية من الدستور التي تنصُّ على ما يلي:
"الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"؛ حيث إن أحكام الشريعة في اغتصاب الوطن، والدفاع عن المظلومين واضح وصريح بنصوص الآيات.. يقول الله تعالى في كتابه الكريم:﴿لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9)﴾ (الممتحنة)، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 191 )، ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ( النساء: من الآية 75 ).
إذن هي مخالفة صريحة للنصوص الإسلامية المتعلقة بالمسألة مجال البحث.
الخلاصة:
- يترتب على كلِّ ما سبق، بطلان اتفاقية السلام المصرية الصهيونية لمخالفتها لأحكام الدستور المصري.
- ولقد سبق وأن تناولنا بطلانها بموجب أحكام القانون الدولي.
- وهو ما ينزع عنها أية مشروعية.
- وهو أمر ثابت، لا يُغيِّره تمسك السلطة التنفيذية بها والإصرار على الالتزام بأحكامها.
- فمصدر الشرعية هو الدستور الذي يسمو على ما كل عداه من قوانين أو اتفاقيات أو سلطات.
- حسنًا وماذا بعد؟
- بقى أن نتوكل على الله ونجتهد لإسقاطها، مسلحين في ذلك باليقين في أن الشرعية معنا، وليكون السؤال التالي هو: كيف الطريق إلى التحرر من كامب ديفيد؟، وهو موضوع حديث قادم إن شاء الله.
------------