أُتيحت لي زيارة خاطفة إلى دمشق للقاء رئيس المكتب السياسي لحماس برفقة عددٍ من الإخوة والشخصيات، على رأسهم المربي الكريم د. سليمان الشطي والصديق الأديب د. علي الجعفري العنزي، وشاركنا العميد صفوت الزيات المحلل العسكري والإستراتيجي في قناة (الجزيرة).

 

وبرغم كل الاحتياطيات والاعتبارات الأمنية التي عادةً ما يُحاط مضيفنا بها لرمزيته ولخصوصية مكانته؛ بل وللتجارب السابقة التي تعرض فيها لمحاولات اعتداء واغتيال.. بقيتُ إلى جانبه أربع ساعاتٍ متواصلة لم يشعرني أنا والحاضرين بإعيائه وتعبه الذي أدركنا لاحقًا أنه خارجٌ للتو من وعكةٍ صحيةٍ ما زالت آثارها باقية، استقبلنا وتناولنا وجبة غداء دسمة، وصلينا العصر، ومكث معنا بأريحية وتبسط حتى قُبيل صلاة المغرب، وحاولت جاهدًا مراتٍ ومراتٍ أن أستأذنه لكنه أصرَّ على بقائنا ومواصلة الحديث معنا حتى بعد مغادرة العميد الزيات لارتباطه بمحاضرة أُقيمت على هامش زيارته عن تداعيات الحرب على غزة في المركز الثقافي بمخيم اليرموك.

 

كنتُ في بدايات اللقاء أنظر إلى ملامح هذا الرمز الذي لم ألتقِه إلا مرةً واحدة منذ سنوات في إطار عام جمعنا على مائدة العم عبد الله العلي المطوع أبي بدر- رحمه الله تعالى- في حشدٍ جامعٍ من الإخوة والشخصيات، وكان متوقدًا بشبابه وحماسه وإيمانه العميق بقضيته حتى إني أذكر من كلماته المؤثرة تأكيده أن الواقعَ الذي تعيشه المقاومة اليوم ما هو إلا تعبيرٌ عن الصورة التي استشرفها مع إخوانه قبل عشرين سنة عندما أسسوا الحركة تحت أسوار جامعة الكويت إبَّان تتلمذهم فيها.

 

أعتبر لقاءاتي بالرموز والشخصيات فرصة للتعلم والتأدب وإدراك قسمات تميزهم، وأبحث كثيرًا في تفاصيل سيرهم، دافعي في ذلك التزود من معين تجاربهم وملامح قوة تأثيرهم.

 

لقد بقيت اللحظات الأولى أتفرس في شخصية أبي الوليد، وأعلم تمامًا أن هذا التبسط والتواضع الذي يبديه بسجية تأسرك وتذهب الهالة المصطنعة التي تحاول أن تتعامل بها التزامًا بسمت اللقاء وطبيعة الأجواء، لكنه لا يترك شاردة في كلامه ولا واردة إلا غلَّفها بنكاته وضحكاته التي تخلو من قدحٍ أو ذم لشخص أو مسئول؛ فهو يتأدب في تقييم الرجال ويظهر أحسن ما فيهم بل يبرر لهم ويعتذر عنهم ليسع الجميع بأخلاقه، قدوته في ذلك رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع أصحابه وأتباعه.

 

وقد بلغ من ود أبي الوليد المخجل أن قدَّم لنا بيده الطعام وهيَّأ الفاكهةَ لنا بأنامله الكريمة ليقدمها مع كل موقفٍ وتعليقٍ حتى إني كنت أحاول أن أتحاشى إشغاله بتقشير البرتقال مثلاً وتقديمه لإخواني معي في الوفد الزائر، لكنه كان يصرُّ ويواصل ويكرر وهو يستذكر تلك الأيام الخوالي التي قضاها في رحاب الكويت؛ فيذكر المواقف المضحكة والأسماء التي جمعته في دربه، ويستحضر بالعرفان المواقف المشرفة التي تبنَّتها الكويت حكومةً وشعبًا طوال سنوات النضال والجهاد الفلسطيني حتى أحداث غزة الأخيرة.

 

تأثَّر أخي أبو الحسن (د. علي العنزي) من ذكريات أبي الوليد حتى إنه كان يستغرق لاحقًا في التأمل والتفكير عندما يسترجع أن هذا الجيل من أبناء حماس انتزعوا من الكويت في لحظةٍ من الزمان، وتضوروا من ألمِ الفراق، حتى إن مرافقنا ومضيفنا الشاعر الأديب أبا صهيب عبَّر عن هذه اللحظة في شطرٍ من قصيدة مطولة بقوله "قلبي قد شُطِرَ إلى وطنين!".

 

والعجيب الغريب أن هذا الاسترجاع في الذاكرة لأبي الوليد قد شمل أسماء لامعة اليوم في جيل العمل الإسلامي في الكويت، وما زال يذكر تفاصيل الرحلات والأنشطة التي دشن بها مساره في أجواء الصحوة حينها، وقد يذكر اسم الشيخ الذي صلى بهم القيام وماذا قرأ حينها من سور القرآن، والمكان الذي كانوا فيه والسنة التي تم فيها هذا النشاط، وأبرز الأسماء التي شاركت، ويتوقف بين ذكرى وأختها ليردد "يا ألله على روعة وصفاء هذه الذكريات"!.

 

يقول لي د. الشطي بعد أن عاتبته بابتسامة المستغرب لعدم إخطارنا بمعرفتهم الحميمة لبعض.. قال: "خشيت أن يكون نسيني مع طول الغياب وتبدل الشباب!". لقد نادى أبو الوليد د. الشطي باسمه من أول مصافحة، وكأنه كان معه ليلة البارحة، وأخذ يمازحه ويقول بابتسامة مشرقة: "من وين طلعت لي؟ ولم هذا البياض في لحيتك وأنت أكبر مني بسنتين؟!"، لكن عادةً أبي الحسن أن يأخذ بألبابنا بشعره خاصة عندما اكتشف أن هذا القائد متذوق للأدب ومحب للشعر، فشجعه ليسمع منه، ويلقي عليه قصيدتين من روائع ما نظم في الجهاد وفلسطين، فما كان من أبي الوليد إلا أن تفاعل وانتشى وجاش بالثناء والإطراء على أخينا وشاعرنا أبي الحسن وأهداه قصائده وكتابه "تحفة الأسماع"، بعد أن تلمس الحس الشرعي في خطاب أبي الوليد وكثرة استشهاده المتقن بالآيات والروايات.. كل هذا وأكثر يتخلله مواقف مع القادة وحوارات عن المواقف والتحديات وإجابات عميقة عن طبيعة المرحلة وخصوصية الحالة الفلسطينية.

 

وكان مما شدني في كلامه حديثه عن فقده وتأثره باستشهاد أخيه المجاهد الكبير سعيد صيام الذي قال: "إنه رغم الجرح والألم فإني أيقنت أن الحرب ستقف؛ لأن الكيان الصهيوني كان يبحث عن أي انتصار وبطولة مزعومة تحقق شيئًا من حفظ ماء وجهه للداخل الصهيوني، وقد وجد ضالته في المجاهد الكبير سعيد صيام".

 

أكثر ما كرر من كلمات خلال ساعات اللقاء عبارة "اطمئنوا.." يريد أن يعزز الثقة في صمود إخوانه، ويؤكد أن الأوضاع تنحو صوبهم؛ فقراءتهم للساحة تختلف في الغالب مع ما يُطرح من تحليلات وتعليقات على الأحداث في وسائل الإعلام، وأكد أن المعركة في غزة لم تنتهِ بعدُ؛ فاتفاق التهدئة لم يُبرم بعد، ولم تفتح المعابر حتى هذه اللحظات، وما زال الحصار جاثمًا على أبناء الشعب، والمعتقلون في سجون السلطة لم يُفرج عنهم؛ لأن الإيعاز بالإفراج تحكمه معادلات أخرى ليس من بينها السلطة في رام الله.

 

ومع هذا.. فإن شعورَ الاطمئنان تمثل بالنسبة له في الاختراقات الأوروبية التي بلغت أفقًا غير مسبوق، والسقف الذي تلتزمه حماس بات الآخرون يناورون حوله بعد أن كانوا يعتبرون طرحه ضربًا من المستحيل والخيال، والشعوب التي هبت تعيد اليوم تعبئة قواها الحية بآليات وأدوات جديدة غير مسبوقة لإحداث عامل ردع جديد يدخل على المعادلة ليوازن العدالة الضامرة في نفوس الغرب وبعض إخواننا العرب.

 

عشرات الأسباب عبَّر عنها أبو الوليد دافعة؛ لأن نعيش في رحاب الاطمئنان الذي يدفع لمزيد من العمل والبذل وشحذ الهمم؛ فالنزال مراحل، والتحرر مشروع أجيال.

 

خرجنا من عند أبي الوليد محملين بهدايا تذكارية عن المسجد الأقصى، وحلوى عربية طلب إهداءها لإخواننا في مخيمهم السنوي وإبلاغ سلامه لكل الأحباب والأهل في الكويت.

 

إنه الزمن يسطر للقادة أمثال أبي الوليد صحائف العز والشرف لمَن ضحوا وقدموا من حرِّ دمائهم وعزائمهم لتهنأ الأمة بإباءِ الجهاد وراية التحرير من وعثاء الذلة والغربة، هنيئًا لك أبا الوليد هذا الحظ الذي ناله قبلك الكبار وسادة التاريخ فكتبوا ملاحمهم على رايات الجهاد وساحات المقاومة، وأثبتوا أنَّ في الأمةَ خيرها ورجالها الذين لا يخبوا سعيرهم ضد قوى البغي والطغيان... والله أكبر ولله الحمد.