يصدر قرار الدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية وسط حملة إعلامية وحرب نفسية هائلة ضد السودان والرئيس البشير، وكلما اقترب موعد صدور القرار اشتدت الحملة، ورد السودان بالمزيد من جهود التسوية والتنمية في دارفور وفي السودان، كذلك يصدر القرار بعد فشل الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي في استصدار قرارٍ من مجلس الأمن تطبيقًا للمادة 16 من نظام روما بتأجيل صدور القرار أو الإجراءات لمدة عام على الأقل يُتاح خلاله لجهود التسوية أن تثمر، بدلاً من مناهضة البشير وملاحقته والضغط على المتمردين لتوقيع معاهدة أبوجا للسلام في دارفور، فأصبح تعنت مجلس الأمن ودوره في الإحالة إلى المحكمة وفي رفض تأجيل الإجراءات دليلاً دامغًا على هذه المؤامرة على السودان.
كذلك لا يمكن أن نغفل أن القرار يصدر في وقت تلعق غزة جراحها من جرًّاء أعمال الإبادة الصهونية، ورفض المدعي العام للمحكمة أن يحرك الدعوى ضد المجرمين الصهاينة بأي طريق، رغم مئات الشكاوى المقدمة له، وكذلك طلب السلطة الفلسطينية بذلك أيضًا، وأخيرًا يصدر القرار مؤكدًا النية الإجرامية للرئيس البشير دون تحقيق وتدبر، بينما محكمة يوغوسلافيا السابقة تؤكد في حكمها الأخير أنها لم تتمكن من تأكيد هذه النية الإجرامية لدى الرئيس الصربي السابق، رغم الجرائم الفاحشة ضد أهالي كوسوفا والتي قدَّمت إلى المحكمة موثقة.
ولكن السؤال يبدو الآن حول ماذا يجب على السودان عمله تجاه هذا القرار؟
الحق أن القرار سياسي لا يقوم على أي سند قانوني، كما أنه يمثل سابقةً تعتبر في نظرنا بالغة الخطر؛ لأنها تستخف بمبدأ الحصانة وهي ركن ركين من أسس العلاقات الدولية، خاصةً أن تفسير المحكمة لنظامها وبشكلٍ أخص دور مجلس الأمن والقيمة القانونية لقرار إحالة الدعاوى إلى المحكمة، ومبدأ الحصانة في نظام المحكمة تبعث على القلق حول مصير هذه المحكمة، وحقيقة دورها في مساندة السلام والأمن عن طريق ملاحقة المجرمين، بينما لا يقوم عملها على أي سندٍ من القانون؛ مما أثار الريبة في نفوس الدول التي خشيت أن يكون وضعها كطرف سببًا لاستهدافها، وأن كونها ليست طرفًا مثل السودان لم يمنع أيضًا من استهدافها.
ورغم أن السودان أعلن أنه ليس معنيًّا بما تصدره المحكمة، لكني أعتقد أن السودان يجب أن يقوم بحملة مضادة على المستوى القانوني، وهناك فرق بين قرار معيب قانونًا من طرف المتهم وهو السودان، وبين قابلية القرار للتنفيذ، فمن الناحية القانونية يستطيع السودان تحدي هذا القرار في دعوى مباشرة لأول مرة في التاريخ أمام محكمة العدل الدولية؛ حيث للسودان كدولة طرف في نظامها أن ترفع الدعوى، كما أنه يجوز رفع الدعوى على غير الدول استثناءً على ما ورد في النظام الأساسي للمحكمة واستنادًا إلى الرأي الاستشاري للمحكمة العالمية والصادر عام 1949 في قضية التعويض عن أضرار الناجمة عن خدمة الأمم المتحدة؛ حيث أصبحت المنظمات الدولية بدءًا بالأمم المتحدة تتمتع بالشخصية القانونية الدولية.
ومن ناحية أخرى، فإن الدعوى تدخل في اختصاص المحكمة وهو بحث النزاع حول معاهدة دولية وهي في الواقع معاهدة روما التي يقوم موقف السودان منها على أساس القانون الصحيح، وكذلك تفسير اتفاقية الأمم المتحدة لقانون المعاهدات خاصةً المادة 34 التي تؤكد نسبية أثر المعاهدة.
من ناحية ثالثة، يستطيع السودان تحدي المحكمة الجنائية الدولية أمام محكمة العدل الدولية من خلال دورة طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة تطلب فيه الرأي الاستشاري من المحكمة حول أداء المحكمة الجنائية ضد السودان، في سابقةٍ سوف تكون مفيدة لعمل المحكمة الجنائية الدولية.
أما مسألة قابلية القرار للتنفيذ فهناك ثلاث نقاط مهمة: الأولى التنفيذ عن طريق مجلس الأمن، وهذا غير وارد لأنه لا علاقةَ بين الأمم المتحدة وهذه المحكمة سوى ما تقرر في نظامها من دور لمجلس الأمن في الإحالة والتأجيل، ومن الصعب أن يتدخل المجلس من الناحية القانونية أسوةً بما هو حادث في حالة محكمة العدل الدولية، لسببٍ بسيطٍ وهو أن نظام المحكمة جزءٌ من ميثاق الأمم المتحدة، وأن عضوية الدولة في نظام المحكمة أثر من آثار عضويتها في الأمم المتحدة، كما أن الميثاق ينص صراحةً على دور للمجلس في تنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية.
النقطة الثانية، أشار البعض إلى أن الدول الأطراف في نظام روما ملزمة بالتعاون مع المحكمة الجنائية في تنفيذ أحكامها وهذا صحيح، ولكن هذه الدول أيضًا تستطيع أن تفلت من هذا الالتزام بموجب المادة 98 من نفس النظام، وتنص على أن المحكمة لا تستطيع أن تجبر الدولة الطرف على انتهاك حصانة الشخص الذي تطلبه المحكمة، سواء كان أساس هذه الحصانة هو قانونها الوطني أو القانون الدولي.
النقطة الثالثة، هي أن الدول غير الأطراف في نظام روما ليست ملتزمةً أصلاً بهذا النظام ما دامت ليست أطرافًا فيه، يترتب على ذلك أن أحكام المحكمة ليست ملزمة لها بأي طريق.
فكيف يمكن للمحكمة الجنائية أن تنفذ هذا الحكم في الوقت الذي تحاول فيه إرساء سابقة خطيرة مخالفة للقانون الدولي، وإن كانت براقةً وجذابةً بالنسبة لمنظمات حقوق الإنسان، وكيف تثبت المحكمة تجردها ومصداقيتها القانونية أمام سيل المخالفات القانونية التي تحيط بقرارها، ثم كيف تدافع المحكمة عن الطابع السياسي المتحيز لعملها وهي تستهدف البشير بينما تغفل عن مواجهة جرائم إسرائيل وأمريكا في فلسطين والعراق؟ وكيف نسكت على مخالفة أوكامبو لواجبات وظيفته في تسييس القضية وتسويقها إعلاميًّا، والامتناع عن أداء ما يلزمه به نظام المحكمة من ضرورة التحقيق في جرائم موثقة؟ وكيف تجرؤ المحكمة وتطمئن إلى مذكرة المدعي العام المدفوع سياسيًّا وتأكيده توفر القصد الجنائي عند البشير، بينما ترددت محكمة يوغوسلافيا بكل ثقلها وخبرتها في تأكيد هذه النية عند رئيس الصرب السابق الذي لا شبهةَ في خطورة جرائمه وتعليماته لجنوده بارتكابها خطيًّا؟.
إن المحكمة الجنائية قد كتبت بهذا القرار شهادة وفاتها بسبب حماقة المدعي العام وضحالة الخبرة القانونية لقضاتها، ومن واجب المجتمع الدولي أن يهب لإنقاذ حلم العدالة الجنائية التي لوثتها الحركة الصهيونية... إنها مؤامرة على السودان والأمة تحت ستار العدالة الجنائية.