1- توقيف رئيس الدولة صنو للفراغ الدستوري:

مبدأ الحصانة الدبلوماسية والقضائية لرؤساء الدول ووزراء الخارجية مقرر في الأصول العامة الجوهرية للقانون الدولي في النظام الدولي المعاصر؛ بغية تمكين الرئيس من القيام بمسئولياته ولحماية الدولة ومجتمعها، واستقرار بنيانها الدستوري والإنساني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

 

فرئيس الدولة هو المسئول عن المجتمع وممثله في الداخل والخارج والقائم على شئونه مع الهيئات المنتخبة؛ ولذلك مبدأ الحصانة من ثمَّ لصيق بمسئولية الحفاظ على وجود وكيان الدولة، وهي وحدها بهياكلها الشعبية والدستورية تنتخب رئيسها أو تعزله.

 

2- التنازل الاتفاقي المتقابل بين مجموعة من الدول عن حصانة رئيس الدولة استثناء ضيق نطاقه، قاصر على الدول التي قبلته اتفاقًا:

المحكمة الجنائية الدولة بالنسبة للدول التي أبرمت اتفاقية روما لتأسيسها، هي محكمة ذات اختصاص قضائي تكميلي وتبعي للقضاء الوطني، واتفق أطرافها فيما بينهم وحدهم في المادة 37 منها على قبولهم (وحدهم) اتفاقًا، ملاحقة رؤساء دولهم وحدهم ووزراء الخارجية والرسميين في تلك الدول.

 

وهذا التنازل عن الحصانة الوظيفية شاذ يتناقض مع الأصل العام المستقر في القانون الدولي لا سابقة له، وهذا التنازل عن الحصانة لا يفترض ولا يفرض ولا يلزم ولا يقيد إلا الدول المتفقة الأطراف في اتفاقية روما، ولا يلزم هذا التنازل الدول التي لم تقبل اتفاق الانضمام والتصديق على اتفاقية روما دولة السودان مثلها مثل دول أخرى من بينها الصين وروسيا ليست طرفًا ولم تصدق على الاتفاقية، ومن ثمَّ لا يلزمها تنازل دول أخرى عن حصانة رؤسائهم.

 

3- ليس محض رفض الاتهام بكافٍ وإنما تتوجب المقاومة القانونية الدولية:

القاعدة أنه ليس يكفي الرفض الإعلامي أو الجماهيري للاتهامات الجنائية أو لأوامر التوقيف إذا ما صدرت هذه أو تلك من جهات لها صفة قضائية دولية، ولو لم تكن مختصة أو مخطئة فيما أصدرته من أوامر التوقيف.

 

فمن غير الحكمة ومناقض للاقتدار بل هو من دواهي المواقف غير المسئولة، بأن يُكتفَى في مواجهة أي من هذه القرارات أو الأوامر بإعلان رفضها أو استنكارها، أو بأن يختار الصمت أو الامتناع عن المنازعة في صحة الإجراءات أو في صدق مناقضة؛ لذا فإن المواجهة والتعامل القانوني الدولي واجب الاتهام للحقائق أو عن إثبات خلو الاتهام من الدليل، ومن ثمَّ البراءة وبراءة نظام الحكم، ومن باب أولى ومن وجه خاص إذا ما كانت هذه الأوامر أو القرارات قد صدرت بما يجاوز الأوضاع القانونية الدولية واجبة الاحترام، أو بما يخالف أو يناقض الأصول القانونية الدولية العامة، أو إذا كانت قائمة الاتهام فاسدة الأساس بغية كشف التجاوز أو المخالفة أو المناقضة أو فساد الاتهام وغنيٌّ عن البيان أن للدفاع صوره المباشرة وصوره بالوكالة.

 

ولا يخفَى أن أصحاب المخططات الاستعمارية والإمبريالية  الجديدة الدولية يتوقعون هذا الموقف العربي التقليدي، والذي طالما ما أعانهم على امتداد القرن الماضي- ومن حيث لا يدري العرب- على نجاح الأفخاخ الإستراتيجية التي ينصبونها لتدمير حاضر ومستقبل العرب.

 

إذ إن المقتضى الحتمي لهذا الاكتفاء بالرفض أو الامتناع عن أوجه التعامل الكفء والحصيف في كل ما تقدم، بل في بعضه، من شأنه تمكين المخططات المدبرة دوليًّا [الموضحة في فقرة (4) وفقرة (5) فيما يأتي] من تحقيق كل أهدافها بإلقاء الدولة المعنية شعبها وشعوب المنطقة فعلاً كما أريد لها إلى تهلكة متوقعة، وهذا ليس من شيم الرؤساء المسئولين عن شعوبهم؛ بل يعد استخفافًا بالمسئولية ونكوصًا عن حمل مسئولية المنصب.

 

4- على النظام في السودان القيام بالتعامل الإيجابي والمواجهة القانونية الدولية الرصينة تكاتفه القوى الإقليمية والدولية وأصحاب الخبرة والاختصاص القانوني والقضائي الدوليين:
وعلى ذلك إذًا انتقالنا تمحيص الأوضاع المتصاعدة إلى الوضع في السودان؛ فإن على السودان حكومة ومؤسسات دستورية وسياسية، وأيضًا فرض عين على قوى المجتمع المدني في مصر والدول العربية والإسلامية والإفريقية والمنظمات الإقليمية منضمًا إليها القمم الفكرية وأصحاب الخبرات القانونية وهم كُثُر، القيام بمسئولية التفكر ورسم إستراتيجية قانونية دبلوماسية رصينة إقليمية ودولية والقيام بتنفيذها متكاتفين بغية تحصين السودان وتحصين مصر والدول العربية والإسلامية والإفريقية، وتحقيق مختلف الأهداف القانونية والإستراتيجية والقضائية والقومية؛ لتحصين السودان ومن بعده مصر من التفكك وتفاقم الصراع، ولمواجهة الصراع الداخلي والخارجي الذي يشكل الموقف الخطير الماثل غير المسبوق في التاريخ المسجل دون أن يغيب عن كل هؤلاء أن المخططات الاستعمارية الإمبريالية والعولمة ما زالت مستمرةً منذ القرن التاسع عشر، وأضيف لها بتراكم الإستراتيجيات وتطويرها إلى أشكالها الحالية المستحدثة، ومضافًا إليها الأطماع الجديدة التي تستهدف البترول واليورانيوم والذهب ومياه النيل والأراضي الزراعية، وهو ما لا يتحقق إلا بتدمير سيادة الدول العربية والأفريقية على أقاليمها وأراضيها ومؤسساتها الدستورية واستقرار شعوبها اجتماعيًّا وإنسانيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا.

 

وإن لم يفعل ويقوم كل منا بدوره في هذه المسئولية الجماعية وإن لم يستجب النظام الحاكم  في السودان لهذه الدعوة القومية الشاملة، وإن لم تستجب المنظمات الإقليمية المتخصصة وإن لم يتدافع المتخصصون الدوليون من مختلف دول العالم لمواجهة هذه المخططات الخطيرة التي تكتسي بكساء الشرعية والقانون، نقول إن لم نقم بذلك في أقرب وقت على أعلى مستوى نكون جميعًا- وفي المقدمة منا النظام الحاكم في السودان- قد ساهمنا في تحقيق الذريعة التي اصطنعها المخططون بليل لتدمير السودان ومصر معه، ومعهما أركان هذا الإقليم الكبير، وتنجح بذلك أيضًا خطة "الفوضى" العظمى "الخلاَّقة" للحكومة العسكرية الكونية الوحيدة.

 

5- اتفاق الأمن الصهيوني الأمريكي يتمم الحصار الجديد الذي يهدد أمن السودان ومصر ودول العرب والمسلمين وإفريقيا:

باستظهار الخريطة الجيوسياسية، وترسيم مجريات الحوادث منذ فبراير 2005م ندرك فورًا الترابط والتزامن بين ما يجري في الإقليم كله: قتل الحريري، لبنان، اتهام سوريا، اتهام إيران، فلسطين في الضفة وغزة في غزة، واتهام تركيا، يمكن استنباط المخطط الإستراتيجي للكيان الصهيوني وأمريكا، ومن ثمَّ فإن أمن السودان ومصر القومي والأمن العربي والأمن الإفريقي تتهدده مخططات جديدة استعمارية إمبريالية جسام المذكورة، والتي تكاد تكون ماثلة للعيان، وقد اكتملت على المسرح في يوم 16 يناير عند توقيع اتفاقية الأمن بين أمريكا والكيان الصهيوني بعد الاقتحام الإجرامي لغزة، ومتابعة الإجرام في الضفة؛ حيث بقي المشهد الأخير الذي تتوقعه القوى الدولية المناوئة من السودان والعرب لتحقيق الذريعة الأخيرة ألا وهو الرفض والامتناع عن التعامل مع القرارات الجائرة؛ استعدادًا للانقضاض على مياه النيل ومعها السودان ومصر والدول العربية والإفريقية والذهب واليورانيوم والبترول والأراضي الخصبة، وتنهار المؤسسات وينسحق استقرار شعوب المنطقة الإنساني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وكذا مستقبلها والأداة الجاهزة هي الحصار المسلح الذي تحقق نتيجة هذه الاتفاقية، وهو الذي يمتد من الهند بقوس إلى شرق أفريقيا بذريعة القرصنة، وأضافت إليه اتفاقية الأمن باقي أضلاعه الممتدة من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر بامتداده، وبذلك اكتمل الحصار النهائي للسودان ولمصر وكافة الدول العربية، بل ويشمل معهما باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا. "إن الشعوب التي لا تبصر بعيونها سوف تبكي بها".

------------

* أستاذ القانون الدولي والمقارن وعضو المجلس الرئاسي للاتحاد الدولي للمحامين