الصورة غير متاحة

 د. حسن يوسف الشريف

 

لعلَّ من المفيد أن نذكر أن من الدروس المستفادة في الحرب الشرسة على قطاع غزة أنها ليست موجهةً ضد حماس وحدها، وإنما هي حرب ضد أي مقاومة للمشروع الصهيوني الأمريكي، وأن الدافع وراءها هو دافع ثقافي، فالجانب المعادي لنا صريح في صياغة سلوكه وفق ثقافته؛ فاسم دولته "إسرائيل" هو نبي من الأنبياء، وشعار علمه "نجمة داوود" هو نبي أيضًا، وبرلمانه "الكنيست" هو اسم المعبد اليهودى، واسم مخابراته "الموساد" هو في الثقافة اليهودية: رمز لقلعة تعرضوا فيها للحصار وصمدوا فيها حتى قُتلوا جميعًا ولم يستسلموا، حتى اللغة التي يتحدثونها فهي عادت للحياة بعد موت أكثر من ألفي عام وهي "العبرية".

 

كما أن "الإرهاب" و"حرب الإبادة الجماعية المقدسة" هي "ثقافة توراتية"، حتى إن مساحة دولتهم هي ثقافة يهودية؛ لذلك لا يوجد حتى الآن حدود دولية معترف بها للكيان الغاصب في فلسطين، وتذكر جريس هالسل وهي السكرتير الصحفي للرئيس الأمريكي الأسبق جونسون أنها حضرت موقفًا سأل فيه أحد الصهيونيين الرئيس جونسون الاعتراف بالمناطق العربية التي احتلتها "إسرائيل" عام 1967م بأنها جزء من إسرائيل، فرد عليه الرئيس جونسون: "إنك تسألني عن الاعتراف بحدودك.. إنك لم تحدد حدود إسرائيل بعد". (راجع كتاب "النبوءة والسياسة"، جريس هالسل).

 

فدولتهم في ثقافتهم هي من النيل إلى الفرات، ورغم أن ثقافتهم خطر عليهم وعلى العالم فهم يعتزون بها وينصرونها ويضحون من أجلها، كما تراهم في فلسطين المحتلة، وحينما أقول إن "إن ثقافتهم خطر" فهو ليس تحاملاً مني، وإنما هو رأي لبعض أشهر مثقفيهم في الصحافة الأمريكية، فها هو اليهودي (أ.ف.ستون) يكتب في الـ(واشنطن بوست) 19/8/1979م مقالاً يعرب فيه عن تخوفه من "دبلوماسية التوراة"، ولا سيما محاولة الاستشهاد بالتوراة لتقرير استمرار سيطرة الكيان على الضفة الغربية، فقال: "ليس ثمةَ مَن يجهل أن التوراة في القرون الوسطى كانت تُحفظ في حرز حريز ويبقيها الكهنة بعيدة عن أيدى الجماهير؛ لئلا تشوش أفكارهم ويقع بينهم شقاق ومحنة.. وقد يكون الوقت قد حان لحفظ الكتاب المقدس في حرز جديد على الأقل حتى ينتهي الصراع العربي الصهيوني". (مَن يجرؤ على الكلام، بول فندلي، ص 463).

 

فثقافة الكيان الصهيوني في فلسطين تفرض عليهم أن يؤمنوا بأن كل عربي هو عدو لهم، سواء كان ينتمي للفكر القومي أو الإسلامي، وهذا يذكره صراحةً كتاب "مكان تحت الشمس": بأنه يجب القضاء على كل بؤر الشر التي تقاومهم والمتمثلة في القومية العربية والتيار الإسلامي، وخاصةً الإخوان المسلمين، وراجع تعريف كلمة صهيوني في "دائرة المعارف الصهيونية" لتعرف أنهم لا يُفرِّقون في عدائهم لكل مَن يقاوم مشروعهم الاستيطاني الاستعماري سواء أكان قوميًّا أو إسلاميًّا.

 

أما الذي لا يقاومهم من القوميين أو الإسلاميين فهم في هدنة معه حتى يتمكنوا منه، فيستخدمونه لخدمتهم كما يخدم الحيوان الإنسان، فالناس وغيرهم حيوانات إما أن تخدمهم أو لا تستحق البقاء كما تقول ثقافتهم، وراجع ما كتبه (هيرتزل) في كتابه "دولة إسرائيل".

 

إن معاهدات السلام التي يعقدونها مع العرب هي "تكتيك مرحلي" لحين السيطرة على المنطقة، فها هو رئيس الوزراء الأسبق (نتنياهو) قد سمعناه كثيرًا أثناء الانتخابات البرلمانية وغيرها حينما يتحدث عن مصر يقول: "....أعداءنا في الجنوب"، فمصر رغم استسلامها الكامل لمعاهدة كامب ديفيد فهي في نظرهم "عدو"!!.. ولا ندري متى يستيقظ النظام العربي!!.

 

إن مقاومة "مشاريعهم الشيطانية" واجب علينا جميعًا مسلمين ومسيحيين، وحينما أقول "مشاريعهم الشيطانية" فهو ليس كلامي، اسمع إلى السيد المسيح عليه السلام كما جاء في الإنجيل: أجابوا وقالوا له أبونا إبراهيم فقال لهم يسوع: "لو كنتم أبناء إبراهيم كنتم تعملون أعمال إبراهيم.. أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، ذلك كان قتالاً للناس" (يو 8:39-45)، (راجع إعلانات المنطق المسيحي، الإعلان التاسع، ص 397، مركز القديس كيرلس السادس).

 

ولقد صدق المسيح عليه السلام، فهم شياطين يحاربون كلَّ مَن يقاومهم مسلم أو مسيحي أو قومي، ها هو المفكر المسيحي الفلسطيني الدكتور (عزمي بشارة)، وهو نائب في الكنيست عن العرب فلأنه يكشف الحقائق اتهموه بأنه ينتمي في ولائه إلى حزب الله، وعقدوا له محاكمات وهو خارج فلسطين لأنه حريصٌ على الحقوق العربية.

 

وبعد هذه الحقائق الثابتة نسأل: لماذا يعيب علينا حكامنا العرب أن نطالبهم بالالتزام بثقافتنا العربية ومطالبنا القومية؟

 

ويجب على شعوبنا العربية وخاصةً مفكرينا ومثقفينا العرب أن يحرسوا ثقافتنا وينصروها فثقافة أي أمة هي ذاتها، ومَن يفرط في ذاته فهو يتخلى عن مبرر وجوده.

 

ويجب على العلمانيين العرب أن يتشبثوا بثوابتنا الثقافية، كما يتشبث العلمانيون الصهيونيون بثوابتهم الثقافية مثل "حق الاستيطان" و"حق الهجرة" الممنوح لأي يهودي في العالم إلى فلسطين و"القدس" و"أرض إسرائيل التوراتية".

 

ويجب ألا نخدع أن هناك فرقًا بين أحزابهم السياسية، فالاختلاف فقط هو في أسلوب وطريقة التعبير عن تحقيق أهدافهم، وراجع في ذلك بحث الدكتور (هيثم الكيلاني) رئيس تحرير مجلة الجامعة العربية "شئون عربية" والمنشور في مجلة عالم الفكر الكويتية (سبتمبر 1999) وعنوانه "العرب والصهيونية والقرن الواحد والعشرين".

 

يجب على المفكرين والمثقفين العرب أن يسرعوا بغير إبطاء لتحديد ما يجب أن يتفقوا عليه من ثوابتنا الثقافية، وخاصةً في المجال السياسي والقومي، قبل أن تنجح "حرب الأفكار" الأمريكية الصهيونية في جرِّ مثقفينا إلى مربع العداء لثوابتنا الثقافية القومية والسياسية.

 

إن ثقافتنا العربية نموذج يشيد به الكثير من علماء الغرب والشرق، وراجع ما كتبته عميدة الاستشراق الألماني الدكتورة (أناماري شمل) في المقدمة التي كتبتها لكتاب المفكر والدبلوماسي الألماني (فيلفرد هوفمان) "الإسلام كبديل"، وروجيه جارودي وغيرهم.

 

وحتى في الجانب القانوني لثقافتنا، فقد أشادت به المجامع العلمية، ففي عام 1938م عُقد في لاهاي مؤتمر (القانون المقارن) وقد تقرر فيه: اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا مهمًّا من مصادر التشريع، وفي عام 1951م عقدت شعبة الحقوق بالمؤتمر الدولي للقانون المقارن مؤتمرًا للبحث في الفقه الإسلامي في كلية الحقوق بجامعة باريس تحت اسم "أسبوع الفقه الإسلامي"، ودعت إليه عددًا من أساتذة القانون والمستشرقين، وفي ختام المؤتمر صدر بالإجماع القرار الآتي: "نظرًا لم ثبت للمجتمعين في المؤتمر من الفائدة المحققة التي أتاحتها المباحث المعروضة خلال "أسبوع الفقه الإسلامي"، وما دار حول هذه المباحث من مناقشات أثبتت بجلاء أن الفقه الإسلامي يقوم على مبادئ ذات فائدة أكيدة، وأنه ينطوي على ثروة فقهية، وعلى مجموعةٍ من الأصول الفنية تتيح لهذا الفقه أن يستجيب بمرونته لجميع مطالب الحياة الحديثة" (ظلام من الغرب، محمد الغزالي، صـ 190، دار الاعتصام 1978).

 

ويرى الكثير منهم أنها ستكون ثقافة المستقبل في العالم، فليس في ثقافتنا العربية ما نخجل منه، بل هي مثال للكرامة والتضحية والشهامة والمروءة ونصرة المستضعفين بغض النظر عن دينهم ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (التوبة: من الآية 6)، بل إن نفس الآية طلبت منا ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾.

 

كما أن ثقافتنا قد نهتنا عن استخدام أي نوعٍ من الإكراه لإجبار الغير على قبولها أو استخدام القوة لفرض الثقافات، بل تدعو إلى عرضها دون فرضها ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: من الآية 29)، و﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256)، و﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: من الآية 99).

 

التزام العدالة مع كل الناس، على اختلاف معتقداتهم أو ثقافاتهم هو من ثوابتنا الثقافية، ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8))، قال المفسرون: "فيه التنبيه على وجوب العدل مع الكفار" (الرازي، جـ 5/65)، ويقول ابن تيميه: "العدل واجب لكل أحدٍ على كل أحدٍ في كل حالٍ".

 

الأصل في التعامل مع الآخر في ثقافتنا هو السلام، وإذا حصل منه ما يُعكِّر صفْو السلام فلا تتعجل الاعتداء عليه، بل نحاول معه للوصول إلى مساحةٍ من الخير نتعاون فيها، ولا نساعد في تصاعد الشر والعدوان، ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2)، قال فيها المفسرون: "وليس للناس أن يعين بعضهم بعضًا على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه، لكن الواجب أن يعين بعضهم بعضًا على ما فيه البر والتقوى" (الرازي، جـ5/555).

 

وإذا وُجد الاعتداء من العدو لا نسرع برد العدوان بالعدوان بل بالحوار والتفاهم، ولكن إذا أصرّ العدو على ظلمه وعدم رد الحقوق إلى أصحابها؛ فالواجب هو المقاومة والصبر والثبات فيها، حتى عودة الحقوق إلى أصحابها، وفي الحديث "لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموه فاثبتوا" (انظر كتابنا (الطب الفكري) صـ 202 وما بعده، والحديث في البخاري ومسلم).

 

ولا يمكن أن ننسى أن مقاومة الاحتلال حق في ثقافتنا، وأن الاحتلال لأي أرضٍ عربية يوجب على الجميع تقديم النفس والمال لتحريرها.

 

والذي نريد أن ننبه عليه ونبدأ البحث في دراسته هو: هل معاهدة كامب ديفيد من حقها أن تصادر ثوابتنا؟، وليس في الدنيا معاهدة تعارض ثوابت الثقافة لأي أمة، حتى وإن قبلت أى أمة ذلك فنحن لن نقبله أبدًا، فإنه ليس من حق أحد كائنًا من كان أن يفرض علينا أن نتخلى عن ثوابتنا الثقافية والقومية، إن مراجعة علاقتنا السياسية بالكيان الصهيوني المحتل لمقدساتنا الإسلامية والمسيحية وأرضنا العربية أمر حتمي، ونبذ هذه المعاهدات ضرورة تحتمها الإضرار التي لحقت بأمتنا وحضارتنا وثقافتنا وقوميتنا.

-----------------

*Dr_hyms@yahoo.com