منذ بدايات عصر كامب ديفيد، يدور في مصر صراع شرس على انتماء مصر العربي، وهويتها الحضارية الإسلامية، ودورها في التصدي للعدوين الأمريكي والصهيوني.
أنصار كامب ديفيد وأصدقاء أمريكا، يعادون العروبة والإسلام والمقاومة، مسلحون في ذلك بشرعية السلطة، وباقي الشعب وقواه الوطنية، يدافعون عن التوحد مع الأمة، مسلحون في ذلك بالشرعية التاريخية ونصوص الدستور.
وهو صراع مستمر لم يتوقف لحظة، ولكنه يشتد ويحتد في أوقات العدوان على أي طرفٍ عربي، فنغضب نحن ونطالب بالتدخل والمساندة والمشاركة وقطع العلاقات وغلق السفارات وإلغاء المعاهدات والعودة إلى الصف العربي.
ويصمتون هم ويتجاهلون أو يتواطأون وينادون بضبط النفس والحكمة وبر الأمان، وفي سبيل تبرير مواقفهم المراوغة، يكذبون، فيقلبون الحقائق ويزيفون التاريخ.
ومن أجل ذلك يوظفون إعدادًا من الكتاب والمثقفين ليديرون لهم الجانب الفكري من الصراع، ومن أول هؤلاء، كان توفيق الحكيم عندما كتب في السبعينات مقال بعنوان "حياد مصر" طالب فيه بأن على مصر أن تقف على الحياد بين العرب والكيان الصهيوني كما وقفت سويسرا على الحياد في الحرب العالمية الثانية، فمصر ليست عربية، وانضم إليه حسين فوزي ولويس عوض يؤكدون ما قاله، ويتحدثون عن الغزو العربي الإسلامي لمصر، وعن مصر الفرعونية وحضارة 5000 سنة.. إلخ، وتصدى لهم أحمد بهاء الدين ورجاء النقاش وآخرين، وكانت معركة شهيرة انتصر فيها شرفاء الأمة لهويتها وعروبتها.
وتكررت هذه الحملات مع كل عدوان على أي جزءٍ من الأمة خلال الثلاثة عقود الماضية، فهم يريدون إبراءَ ذمتهم من أية مسئولية للدفاع عن الشعب العربي، بحجة أننا لسنا منهم، وهم ليسوا منا.
والآن ومع عدوان غزة الأخير خرج لنا ألف توفيق حكيم، وكلهم يكذبون، وأهم ضحايا هذه الأكاذيب هو أبناؤنا من الشباب الذين قد يصدقون هذه الأكاذيب، وقد ينخدعون فيعتقدون بأن مصر شيء وفلسطين شيء آخر، وأنه ليس لمصر شأن بما يدور حولها.
إلى هؤلاء الأبناء، سأحاول أن أُقدم قراءةً موضوعيةً لتاريخ مصر الحقيقي لكي يعلموا ويتعلموا من نحن، وما هي أمتنا وما هي هويتنا؟ حتى لا يضلوا الطريق.
وسأبدأ بالجدول التالي الذي يُلخص فترات احتلال مصر قبل الفتح العربي الإسلامي:

من هذا الجدول يتضح لنا الآتي:
- أن الحضارة المصرية القديمة العظيمة بدأت تضعف وتندثر منذ الألف الأول قبل الميلاد وبدأت مصر تدريجيا تفقد المقدرة على الاحتفاظ باستقلالها إلى أن فقدته تماما ولمدة تزيد عن 9 قرون في الفترة قبل الفتح الإسلامي.
- فبعد أن فتحها الإسكندر الأكبر عام 332 ق.م، حكمها البطالمة 302 عامًا متواصلة، تلاهم الرومان لمدة 343 عاما، ثم الروم الشرقيون أو البيزنطيون لمدة 319 عامًا.
- وقبل ذلك وحتى في فترات تحررها، كانت مصر دائمًا مشتبكةً في حروب ومعارك للدفاع عن وجودها وأمنها وحدودها ضد الأعداء الخارجيين
- وكان هذا مؤشرًا ودليلاً أن هذه الأرض الطيبة، عليها أن تبحث عن مصيرها وأمنها داخل نسيج أكبر أوسع منها، يضمها هي وجيرانها الذين لم تختلف ظروفهم كثيرًا، حتى تستطيع أن تتصدى للحملات العدوانية المتكررة القادمة من الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، وأن تحتفظ باستقلالها بعد أن تحققه، وأن تصنع نقلةً نوعيةً حضاريةً جديدةً قادرةً على المنافسة والبقاء في عالم أصبح شديد المراس.
ولكن من أين لها ذلك؟
- جاءت الإجابة مع الفتح العربي الإسلامي الذي نجح، خلال بضعة قرون قليلة، أن يفتح كل هذه الأقطار ويؤسس دولة مركزية كبرى، ويصهر كل ما فتحه في بوتقة واحدة، وينتج نسيجًا واحدًا جديدًا، استوعب كل ما فات، ولكنه أكثر تطورًا ورقيًّا، هو الأمة العربية الإسلامية.
وأصبحت مصر جزءًا لا يتجزأ من كل ذلك، ولأول مرة تنتقل حدودها الآمنة بعيدًا عنها إلى أقاصي الشرق والغرب والجنوب، ولتتبوأ بسبب ذلك مكانة القلب من هذه الأمة الوليدة الفتية.
فمصرنا القوية القائدة التي يفخر بها العرب والمسلمون وكل شعوب العالم، لم تصبح كذلك إلا بسبب انتمائها الجديد إلى أمتها الأوسع والأرحب بعد الفتح العربي والإسلامي.
وظهرت هذه المكانة الخاصة بوضوحٍ أثناء الحروب الصليبية 1096- 1291م التي انكسرت فيها قوى العدوان على أيادي جيوش عربية إسلامية تحت قيادة مصرية، وبعض التذكرة مفيد:
- في عام 1187 نجح صلاح الدين الأيوبي، بعد أن وحَّد مصر وسوريا وشمال العراق، في أن يُحرر القدس وعكا ويافا وصيدا وبيروت وعسقلان.
- بين أعوام 1217 و1221 فشلت الحملة الصليبية الخامسة في احتلال مصر.
- في عام 1244م نجح الصالح أيوب حاكم مصر وبجيش عربي في تحرير القدس مرةً أخرى بعد أن كان قد أُعيد احتلالها في عهد السلطان الكامل عام 1228م.
- في عام 1249م فشلت الحملة الصليبية الأخيرة بقيادة لويس التاسع في احتلال مصر، وتم أسر الملك الفرنسي.
- في عام 1261م نجح قطز حاكم مصر وبقيادة جيش عربي في هزيمة التتار في معركة عين جالوت بعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية عام 1258م.
- في عام 1286م حرر السلطان بيبرس حاكم مصر إنطاكية والكرك وقيسارية وأرسوف ويافا.
- في عام 1289م استولى السلطان قلاوون حاكم مصر على إمارة طرابلس واللاذقية.
- في عام 1291م حرر السلطان الأشرف خليل بن قلاوون حاكم مصر صور وحيفا وبيروت وعكا لتحرر بذلك آخر إمارة صليبية.
هذه هي دروس التاريخ عن مصر والفتح الإسلامي والأمة العربية والعدوان الأجنبي، وهي دروس وعاها جيدًا قادة العدوان الغربي الحديث منذ قرنين من الزمان، وتحرَّكوا على هديها ولا يزالون.
فها هو نابليون وهو بصدد السعي لضرب المصالح البريطانية في الشرق، يختار مصر ليبدأ بها ويحاول احتلالها عام 1798م، وتفشل محاولته بسبب المقاومة الوطنية وبسبب عدم سماح الإنجليز له بذلك، وضربهم لأسطوله في الإسكندرية.
ثم تتأكد هذه المكانة ثانية على يد محمد علي حاكم مصر، الذي حاول تجديد شباب الأمة بتأسيس دولة فتية جديدة تخلف الدولة العثمانية وتضم الحجاز والشام والسودان، فتجتمع الدول الغربية وتحاربه وتنتصر عليه وتوقع معه "معاهدة كامب ديفيد الأولى" المشهورة باسم معاهدة لندن عام 1840م، والتي سيسمحون له فيها بحكم مصر وتوريثها لذريته بشرط عدم الخروج إلى العالمين العربي والإسلامي والانعزال عنهما تمامًا.
وبعد عزل مصر محمد علي، تم احتلال معظم الأقطار العربية، ثم العودة إلى مصر ذاتها لاحتلالها عام 1882م.
وكانت هذه هي باكورة مشروعات تقسيم وتجزئة الأمة العربية التي اكتملت في ترتيبات الحرب العالمية الأولى بمعاهدة سايكس بيكو وصكوك الانتداب الإنجليزية الفرنسية الإيطالية على أقطارنا، وتوطدت بزرع الكيان الصهيوني، وهي الترتيبات التي لم ننجح حتى الآن من التحرر من آثارها.
وبعد الحرب العالمية الثانية:
ومع بدية حركات التحرر الوطني بعد الحرب العالمية الثانية بدأت الأمة العربية تستعيد إدراكها ووعيها بهويتها، فتحررت معظم الأقطار ما عدا فلسطين، وتم تأسيس جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وتضامن العرب في حروب 1948 و1956م و1967 و1973م، والتفوا معًا حول قضية مركزية هي قضية فلسطين، وتوحدوا ضد العدو الصهيوني وتم إنشاء اتفافية الدفاع العربي المشترك.. إلى آخره.
ولكن هذه الصحوة المؤقتة والناقصة سرعان ما ضربت مع انسحاب مصر من ميدان المعركة وانعزالها وعزلها عن أمتها العربية بعد حرب 1973م بموجب اتفاقيات السلام المصرية الصهيونية المشهورة باسم كامب ديفيد.
وبانسحاب مصر توالت الهزائم العربية: فطردت القوات الفلسطينية من لبنان عام 1982م، واعترفت قيادتهم بالكيان الصهيوني، وتنازلت عن فلسطين 1948م، وعجزت باقي دول الطوق العربية عن مواجهة الكيان الصهيوني بدون مصر، وانتقل الصراع ضد الصهاينة إلى صراع عربي- عربي، واحتلت أمريكا العراق 2003م، وتغول الكيان الصهيوني وتكررت اعتداءته على لبنان وفلسطين، ونشطت مشاريع التفتيت في السودان ولبنان والعراق.
وانتقل الضعف إلى مصر ذاتها وتراجع دورها الإقليمي، وفقدت إرادتها الوطنية، والبقية تأتي.
إنه نفس الدرس التاريخي القديم الجديد، إن انعزلت مصر عن الأمتين العربية والإسلامية يضعف الجميع وينتصر الأعداء، وتُحتل الأوطان.
إن عزلَ مصر هو هدف دائم لأعداء الأمة، وهو عودة فاشلة ومستحيلة إلى عصور ما قِبل الميلاد، عصور ما قبل الفتح العربي الإسلامي، عصور ظلَّت مصر خلالها محتلةً لأكثر من 9 قرون متصلة.
----------------