كلما وقعت جريمة شنعاء مثل تلك التي حدثت في حي الحسين بالقاهرة الأسبوع الماضي تساءل المراقبون: هل يعود العنف إلى مصر رغم الإدانات المتكررة له؟ لقد شهدت مصر خلال تاريخها الحديث أحقابًا من العنف بدأت مع بداية القرن الماضي باغتيال "بطرس غالي" على يد "الورداني"، ثم كانت حلقة واكبت ثورة 1919 ما بعدها واشتهرت حماية "اليد السوداء"، وكان أبرزها وأقواها أثرًا اغتيال السردار "كي ستاك"؛ مما أفقد "الوفد" وزعيمه "سعد باشا زغلول" الحكم ودخلت مصر عهدًا من الاستبداد في ظل الاحتلال، وكانت فترة هدوء أعقبها عنف أشدّ في الأربعينيات، شاركت فيه معظم القوى السياسية، ولكن يتم التركيز فقط على "الإخوان" الذين يُنسَب إليهم حوادث فردية، وكان أشهرها اغتيال "الخازندار" ثم "النقراشي" بينما اغتال آخرون "أحمد ماهر"، وحاولوا أكثر من مرة اغتيال "النحاس باشا" و"حامد جودة" وغيرهم.
آخر حِقَب العنف كانت أشدها وطأة (1987- 1997) وبدأت المراجعات الشجاعة للجماعة الإسلامية، ثم أخرى مترددة ضعيفة لرمز من رموز "الجهاد"، ويضعفها أنه ترك الجهاد منذ عقود ولا يمثل لها قيادة الآن.
كل حقبة من تلك الحقب كان للعنف أسبابه ودواعيه، كان ضد الاحتلال أساسًا، وضد رموز الاحتلال ومعاونية وخدَّامه من وجهة نظر الممارسين للعنف، وهؤلاء تنوَّعوا بين كل التيارات السياسية من الحزب الوطني إلى الوفد إلى الإخوان إلى مصر الفتاة واليسار، وشخصيات مستقلة انفصلت عن التيار الرئيسي، ويمكن الرجوع إلى المصادر والمراجع وكتب المؤرِّخين لاستقصاء تلك الأحداث التي لم يتم إدانتها في الضمير الجمعي المصري؛ بسبب الاحتلال ورضوخ القصر لمطالب الإنجليز ووقوع الأحزاب جميعًا في أسْر العملية السياسية التي يديرها الاحتلال لتحقيق مصالحه واللعب بالجميع للبقاء في مصر.
بعد الثورة تحوَّل العنف إلى صراع وطني داخلي، وكان أبرز محطاته أحداث 1954- 1955 بين الإخوان ونظام عبد الناصر، وانتهى ذلك سريعًا رغم محاولة العودة إلى العنف عام 1963- 1964 ولكنَّ الشهيد سيد قطب حوَّل مسار الشباب إلى العمل السلمي التربوي في العودة إلى منهج الإخوان الأصيل، وبقيت الأسلحة البيضاء وقليل من المتفجرات التي تم تجهيزها من قبل؛ حتى اكتُشفت عند القبض على تنظيم 1965 لتمثل فرصةً نادرةً للنظام لإلصاق تهمة العنف من جديد للإخوان؛ الذين ليس من منهجهم إطلاقًا استخدام العنف وكافة أدبياتهم بما فيها ما كتبه "سيد قطب" تدين العنف ولا يسمح باستخدامه إلا في حالة الجهاد في فلسطين عام 1948 وضد الإنجليز في القنال 1951.
أحداث الستينيات القليلة تم اتهام المخابرات الليبية بها، ولم تقع محاكمات جادَّة محايدة، ولم أقرأ تقارير وتحاليل محايدة حولها.
وكانت موجة العنف الأخطر التي شهدتها مصر في العهد الجمهوري التي بدأت باغتيال السادات ومقدماته، وكان من أبرز معالمها:
1- استهداف السائحين والإضرار بالاقتصاد الوطني.
2- الوقوع في فخِّ الفتنة الطائفية باستهداف أبناء الوطن من المسيحيين النصارى.
3- إيقاع خسائر بشرية كبيرة في ضباط وجنود البوليس المصري الوطني.
4- سقوط مواطنين أبرياء في صراع بين جماعات العنف وبين النظام السياسي.
5- تعدد الجهات التي تتبنَّى الجرائم وتنوُّعها، ولكن جميعها تنتمي إلى تيار واحد تقريبًا أو فصيل منه، وهو التيار الإسلامي، وفصيل العنف بالذات الذي انقسم إلى جماعتين: إحداهما تستخدم العنف بصورة منهجية للانقلاب على النظام والاستيلاء على السلطة (الجهاد)، والأخرى استخدمت العنف في البداية تحت شعار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ثم وقعت في فخِّ التحالف مع "الجهاد" كراهيةً في الإخوان واستعجالاً للنتائج، وكانت النتيجة اغتيال السادات وعشرات الضحايا في أسيوط، ثم انقصم التحالف داخل السجون لتعود "الجماعة الإسلامية" من جديد إلى مرتع العمل السلمي.
اليوم يطلُّ العنف برأسه من جديد خلال السنوات الخمس الماضية وتتجه التحليلات إلى تحميل أطراف أخرى المسئولية عن الجرائم التي لا يقرها شرع ولا دين ولا عقل ولا خلق.
المسئولون تقريبًا يُجمعون على أن العدوان والإرهاب الصهيوأمريكي يتسبَّب في إيجاد حالة عداء للنظام؛ بسبب خضوعه لتلك السياسات العدوانية أو تهاونه في التصدي لها ولو بالكلام أو الإدانة، وأحيانًا بسبب مشاركته في تلك الحروب والحملات العسكرية الأمريكية، كما حدث في العراق، والآن يعلق اتهامًا ضخمًا في رقبة النظام المصري بالتواطؤ في حرب غزة التي تم الإعلان عنها في مصر، وبعد لقاء "ليفني" مع "مبارك" وبسبب تصريحات "أبو الغيط" المسيئة والسيئة والحرب الإعلامية الضروس التي شنَّها الإعلام المصري على ضحايا الحرب في غزة وعلى قياداتهم التي التفوا حولها "حماس" و"المقاومة".
التسريبات تتوالى عن "عمل بدائي"، "حادث فردي"، "مجموعة الإنترنت"، والاتهام يتجه إلى تنظيم "القاعدة" الذي تحوَّل إلى مدرسة فكرية، وتدريب على الإنترنت لصناعة المتفجرات البدائية، ورسم الخطط وشرح التجارب السابقة واستخلاص الدروس.
ولقد نشط الأمن في تعقب مجموعات عديدة التقيت بالكثير منهم في مبنى نيابة أمن الدولة أو في سيارات الترحيلات؛ كل تهمتهم أنهم يتصفَّحون مواقع "القاعدة" على الإنترنت، وأبلغ عنهم أصحاب النت كافيه، او تحدثوا معًا حول السفر إلى العراق للجهاد ضد الأمريكيين، مجرد حديث أبلغ عنه أحدهم، أو التقوا في مناسبة عقيقة مولود مثلاً، وكان أحد الحاضرين متابَعًا أمنيًّا فتم القبض على الجميع.
ينتظم هؤلاء جميعًا الانضواء تحت ما يُعرف أمنيًّا بـ"السلفية الجهادية"؛ لذلك تجد أن معظم نزلاء السجون المصرية من التيار الإسلامي الآن هم من السلفيين؛ الذين يكرهون العمل التنظيمي أصلاً، ولكن يسهل جذبهم إلى أي تيار رافض حتى ولو كان عنيفًا.
الظروف المحلية والانسداد السياسي والضغوط الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي وبطالة الشباب وتدهور التعليم وتأميم المساجد وحصار العمل الإسلامي السلمي مثل الإخوان والشكوك التي لم تتبدَّد حول "الجماعة الإسلامية"، وضعف خريجي الأزهر، والمتابعة الأمنية الشديدة للمساجد، والاحتقان الطائفي وعلوّ الصوت العلماني، وضعف الإعلام الديني، وانتشار الفكر السطحي الذي يهتم بالشكل دون الجوهر ويركِّز على الجزئيات دون الكليات، ويتجادل حول فتاوى هامشية دون لبِّ الإسلام ولا يهتم مطلقًا بفقه المقاصد الشرعية ويختلق معارك على الهواء.. إلخ مما يشتِّت اهتمام الشباب المسلم عن القضايا الرئيسية كل ذلك يخلق مناخًا مواتيًا لعودة العنف إلى مصر، عنف عشوائي عبثي لا يهدف إلى قلب النظام؛ مما يجعله مستريحًا إلى حدٍّ ما ولا يبحث عن حلول حقيقية لوقفه، وتقوم به مجموعات صغيرة بدائية فلا يستطيع الأمن محاصرته والقضاء عليه أو تكرار تجربة المراجعات.
وأخطر من ذلك كله أنه يعطي القيادة السياسية تحت ضغط التقارير الأمنية ذريعةً وهميةً لفرض حالة مستمرة من الطوارئ أو التعجيل بقانون الإرهاب الذي في الأدراج؛ ليخنق به الحياة السياسية، ويهدِّد الحريات الشخصية، ويقضي على كل أمل في إصلاح جادٍّ أو تغيير سلمي.