البدوي عبد العظيم البدوي

كلنا يعرف البرنامج الشهير الذي تعرضه قناة (الجزيرة) الإخبارية، والذي يعرض لوجهتَي نظر متناقضتين يتبنَّى كلاًّ منها ضيفٌ يقابل صاحب وجهة النظر المعاكسة له في ذات الوقت وبذات الحلقة، ولكن في حقيقة الأمر ليس د. فيصل مذيع (الجزيرة) فقط من يقدِّم هذا البرنامج، بل تقدمة أيضًا الحكومة المصرية مع كل من ينتظر منها شيئًا بدايةً من الشعب المصر ومرورًا بالقضية الفلسطينية وانتهاءً بالعرب.
فالملاحظ أن الشعب المصري كلما أراد شيئًا فعلت الحكومة عكسه وعلى طول الخط، حتى الأحلام البسيطة لرجل الشارع البسيط لم تحققها له الحكومة، فطالما طلب الناس حرية التعبير ليشعروا بأنهم بشرٌ ولهم وجودٌ وكيانٌ فلم يأبَه لهم النظام، وحال بين الناس وبين القضاة وصناديق الانتخابات، ثم لما أحسَّ القضاة بعظم المسئولية الملقاة على عاتقهم والتي وضعها الشعب في أعناقهم، ورفضوا كل تلك الموانع التي تحُول بين الشعب والحرية؛ منعت الحكومة الحرية عن القضاة أنفسهم؛ حتى لا يجد الشعب من يسانده، وبالتالي يتم للنظام ما أراد، وتجري الانتخابات القادمة لمجلس الشعب ثم الانتخابات الرئاسية في هدوء شديد وبدون ناخبين (عفوًا أقصد بدون مشاكل).
ولم يكتفِ النظام المصري الرسمي بالشعب المصري، بل بحث عمن أرادهم الشعب الفلسطيني في انتخابات حرة نزيهة بجد (وليس خالتي "نزيهة" بتاعت مصر) أشرف عليها الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية والرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر؛ حيث اختار الناس حركة حماس لتمثِّلهم في التعبير عن القضية، فلم يرضَ عن هذا الاختيار، وقام- وما زال- بعكس ما يريده الشعب، وكأن لديه عقده من الاستماع لصوت الناخبين، وكان الناس يحتاجون وصايةً من أحد عليهم، فعادى حماس ومنع عنها الطعام حتى الهواء، بل امتدَّ المنع لأهالي رفح المصرية المتهمين بتهريب الطعام لأهلهم في غزة، أليس هذا اتجاهًا معاكسًا؟!
وعندما أراد العرب الاتفاق على شعار المقاومة كخيار إستراتيجي بدلاً من خيار (السلام) أجهدَ النظامُ المصري ذلك الخيارَ حتى تظلَّ الدول العربية تشتري الخيار عن طريقنا هذا إن لم نكن نحن من نبيعه حتى حرَّم الشعب العربي على نفسه أكل الخيار نكايةً فينا.
وليت كل ذلك كان بنتيجة، بل إن النظام كلما أمعن في إذلال الناس ردَّ عليهم حلفاؤهم إهانتهم المرة تلو الأخرى، وآخرها إهانات (ليفني 1، ليفني 2، وقف إطلاق النار، ثم إقالة عاموس جلعاد و(لحس) كل ما تم الاتفاق عليه بين مصر وجلعاد من تفاهمات حول التهدئة أو حول الحوار أو حول المعابر أو حول صفقة الأسير شاليط).
فهل يفيق النظام ويحترم شعبه الذي هو مصدر شرعيته؛ حتى يحترمه الآخرون؟ نأمل ذلك قبل فوات الأوان.