سري سمور

سننشغل فترةً من الزمن بإخطارات هدم المنازل التي سلمتها سلطات الاحتلال لأهالي حي البستان في منطقة سلوان والمحاذي لجنوب الحرم القدسي الشريف، وسننشغل بمناظر قضم الجرافات لتلك المنازل وبكاء الذين غُلبوا على أمرهم من سكانها المقدسيين وصراخهم: "أين العرب.. أين الهيئات الدولية.. أين..؟!"، ولكن وبعد فترةٍ من الزمن قد تطول أو تقصر، وأرجح أنها لن تطول كثيرًا، سنهدأ قليلاً لننشغل بالاعتداء الجديد القادم وبإجراء التهويد التالي، والذي سيلي عملية الهدم الواسعة التي ستشمل 88 منزلاً للمقدسيين الفلسطينيين والتي تؤوي 1500 منهم!.

 

الاعتداءات على المسجد الأقصى وإجراءات تهويد مدينة القدس لم تتوقف في عهد أي حكومةٍ يمينية كانت أو يسارية أو محسوبة على يمين الوسط حسب التصنيفات والاصطلاحات التي يجري تداولها، وتحويل حي البستان إلى حدائق للمغتصبين الذين قدموا إلى هذه الديار المقدسة من شتى بقاع الأرض يجري في عهد حكومة كاديما، في وقت أعلنت فيه مدينة القدس عاصمة للثقافة العربية للعام الميلادي الحالي 2009م، وأيضًا في الوقت الذي يلطم فيه البعض الخدود ويشق آخرون الجيوب وتُخفق قلوب بعض آخر هلعًا من الحكومة اليمنية المتطرفة بزعامة بنيامين نتنياهو التي يجري التداول بشأن تشكيلها في الأسابيع القادمة، ويمنِّي بعض الحالمين أنفسهم بسقوطها سريعًا كي تجري انتخابات جديدة تعيد كاديما إلى الحكم أو حزب العمل ولا يلتفتون ولا يفكرون لحظةً بأن سكان حي البستان المقدسيين يتم إخطارهم بهدم منازلهم في عهد كاديما، وأن باراك حين كان زعيمًا لحزب العمل ورئيسًا لوزراء الكيان سمح بل تآمر مع شارون كي يدنس المسجد الأقصى المبارك، فمتى يفيق هؤلاء؟ وحتى متى سيظلون في سكرتهم يعمهون؟!.

 

انتفاضة النفق في صيف عام 1996م كانت تعبيرًا عن رفض الشعب الفلسطيني لذلك الاعتداء الصارخ من نتنياهو، وقد شاركت قوات الأمن الفلسطينية في الاشتباكات مع قوات الاحتلال، ولكن الانتفاضة تم احتواؤها من بيل كلينتون وبقي النفق، وبعد حوالي سنتين شرعوا في بناء مغتصبة "هارحوماه" أو السد المنيع على جبل أبو غنيم.

 

وهنا فضلت السلطة الفلسطينية أسلوب "المقاومة الشعبية السلمية"، كما أُطلق عليها؛ حيث نصبت خيام اعتصام قبالة الموقع الذي شرعت الجرافات في تغيير معالمه، وفي الخيام عُقدت المؤتمرات الصحفية وأطلقت شعارات الشجب والاستنكار والإدانة وخطر ما يجري على "عملية السلام"، وكان  المتصدر لتلك الفعاليات صلاح التعمري محافظ بيت لحم الحالي، وتحول جبل أبو غنيم إلى هارحوماه مثلما تحوَّلت فلسطين إلى "إسرائيل"، وأم خالد إلى "نتانيا" وملبس إلى "بتاح تكفا"، وقرية كاتب هذه السطور الصغيرة الوادعة قرية أم الشوف تحوَّلت إلى "جفعات نيلي"؛ حيث تقطنها عدة عائلات من يهود اليمن، وهناك مئات القرى والمدن والبلدات الفلسطينية المنكوبة التي يُقيم على أراضيها المغتصبة شذاذ الآفاق من روسيا وبولندا وأثيوبيا وغيرها.

 

فعلى مراحل وسنوات ابتلعوا الأرض وسرقوها من أصحابها في ظل ثورات يجري إجهاضها كما حدث لثورة 1936م وما تبعها، وبيانات شجب واستنكار وإدانة ومناشدة للمجتمع الدولي وتوسل للأمريكيين والأوروبيين.

 

وكل اعتداء وإجراء تهويدي يتبعه آخر أكثر صلافةً ونحن "نعد العصي"، وكأن مهمتنا أصبحت العمل كفريق إحصاء لما يقومون به من سطو على الأرض والشعب والمقدسات، وأتذكر أن  الإذاعة الصهيونية باللغة العربية أجرت لقاءًا مع أحمد قريع (أبو العلاء) في ظل إحدى الاعتداءات، وإذا لم تخني الذاكرة، أثناء أزمة جبل أبو غنيم فقال ما معناه: "إن الحكومة الإسرائيلية يجب تُفهم شعبها أن القدس الشرقية هي عاصمة الدولة  الفلسطينية المستقلة.. وهم سينسحبون منها ولا داعي لإقناعهم بوهم البقاء فيها.."، كان هذا من حوالي عشر سنوات ولم ينسحبوا من القدس ولم تقم الدولة العتيدة، بل أحكموا قبضتهم عليها وأمعنوا في تهويدها وأتمنى أن يكون السيد قريع قد أعاد حساباته، خاصةً بعد تصريحاته الأخيرة بأن كل الخيارات مفتوحة!.

 

نحن على أبواب حوار وطني يتمنى السواد الأعظم من شعبنا نجاحه وفي ظل تحويل حي البستان إلى حدائق، والخلخلة لأساسات المسجد الأقصى، لا بد أن نوجه كلمةً كلها ألم وحزن ممزوج بالرجاء إلى مَن يؤمن بأن "الحياة مفاوضات": ما الذي تنتظر رؤيته في القدس وفلسطين لكي تغير قناعتك؟ وهل سيأتي يوم تستنكر فيه محاولات تحويل نابلس إلى "شخيم"» أو جنين إلى "العفولة 2"؟.

 

فليكن الحوار لمنع مثل هذا السيناريو الذي بدأ قبل 60 عامًا وحوّل 78% من فلسطين إلى "إسرائيل"، وقبل العرب- رسميًّا- ومعهم منظمة التحرير بهذا، وتمادى الاحتلال في غيّه وتوسَّع في عدوانه ردًّا على هذا القبول، وبقينا  ننتظر الإنصاف من الظالم ونطلب حقنا من لصٍّ لئيم ونأمل العفو من قاتل حقود، فليكن الحوار مبنيًّا على  أساس التصدي لهذه المخططات لا على أساسِ اقتناع الرباعية بأننا نحترم الحضارة والرومانسية وسنعجب بالحدائق التي ستبني على أنقاض حي البستان؛ وذلك مخافة أن يُقال بأننا "ندعم الإرهاب والتطرف"!.

-------------

* قرية أم الشوف المدمرة قضاء مدينة حيفا المحتلة

** حاليًّا: جنين- فلسطين المحتلة

sari_sammour@yahoo.com

s_sammour@hotmail.com