التجول في شوارع قطاع غزة يدفعك لمشاهدة صور لم تكن تتخيلها في ظل العولمة وثورة الاتصالات، وما يقال عن انتهاء حملات التجويع التي كنا نسمع عنها في كتب التاريخ.

 

من بين من شاهدناهم أثناء جولتنا في شوارع القطاع هذا الطفل الذي حار فيما يفعل من أجل لقمة العيش؛ من أجل أن يكون يد العون لبيته وأهله وإخوته الصغار، في ظل حصار دولي خانق وظالم أضنى كاهل الغزيِّين دون أن يُصغي أحد إلى صرخاتهم.. إنه الطفل بركة أبو غدين (12 عامًا) من سكان غزة، وهو أحد الأطفال الذين يعملون في حفر المقابر، وجدناه يحفر حفرةً طولها متر تقريبًا لتنتظر الحفرة ابنها، فعلى من سيشير عقرب الساعة قالها بركة "(أنتظر لأحفر حفرة حتى أكون ترابها يومًا من الأيام.. لأستريح من عيش كهذا".

 

وتابع بركة لـ(إخوان أون لاين): أوصلتنا الحياة والحصار إلى مسار مغلق أمامنا لا نعلم أين مفتاحه، فلجأنا لتراب الأرض ونهاية البشر لعل النهاية يومًا تكون بداية لطريق حياة الشرفاء.

 

 الصورة غير متاحة

 أطفال غزة ضحايا سفاكي الدماء الصهاينة

أحمد الحواجري طفل آخر اعتنق المعاناة من أجل أن يفتح صندوق حياته الأبيض، ذلك الصندوق الذي احتار الطفل من أين يكون الدخول، أيكون من شر طريقه مسدود أم يكون من خير طريقه شوك محشود.

 

يقول الحواجري لـ(إخوان أون لاين): "أبيع القبر بـ500 شيكل، لم أخف يومًا من شكل الموتى فمنهم من رأيته يضحك أمام أشعة الشمس، ومنهم من رأيته يدفن في الحفرة التي حفرتها وهو مسودّ الوجه، أفلا أكون طفلاً يحفر رياض الجنة أم حفر النار؟! والله لعجائب الدنيا بصمات على أفعالنا".

 

والطفل رشيد أبو غدين (16 عامًا) وعندما بدأ في هذه المهنة كان من أصغر الأطفال الذين يعملون بها يقول: "أدرس بالصف الثاني الإعدادي، لا أجد شيئًا ألبسه في مدرستي، متفوق دائمًا ولا أعرف طريق الفشل، كنت أواكب يومي بالمقابر حتى تغرب الشمس لأرى حصاد عملي في كل ليلة، وتابع: "أرى الإنسان الجبار والإنسان الفقير يسقط في الحفر التي حفرتها بيدي".

 

وأضاف وقد بللت الدموع وجنتيه: "أريد حقيبة مدرسية، أصبحت وأمسيت وأنا أنتظر أحدًا ليشتري مني قبرًا لكي أشتري حقيبة مدرسية، لكن لماذا كتب عليّ الزمن أن أعيش من وراء من ماتوا وأن أصرف على نفسي من شقاء جثث قد هلكت؟!".

 

ويكمل رشيد: "لدي 12 أخًا و7 أخوات، ولديَّ إخوة يساعدونني في عملي بل وقد علمتهم المهنة بشكل متقن، فهي ليست بالشيء الصعب وكذلك ليست بالشيء السهل كثيرًا فهي مهنة النهاية البشرية".

 

بائعة العلكة!

هدى طفلة صغيرة لم تتعدَّ الثامنة من عمرها، تأتي صباحًا هي وإخوتها الستة ليبيعوا العلكة والحلوى في غزة؛ حيث يتوزع الأطفال الستة على عدة أماكن، فبعضهم يذهب إلى مربع الجامعات، وبعضهم يدور في الطرقات الرئيسية والأماكن المزدحمة، وبعضهم يذهب إلى المحالِّ والأسواق أو حتى إلى المستشفى؛ حيث اعتادت رشا أن تدور في أروقة مستشفى الشفاء لتبيع للمرضى فوق الأسرة!.

 

وتقول هدى: "عندما أرى الآخرين يذهبون إلى المدرسة أشعر بالحزن"، وترفع الصغيرة رأسها وتنظر إلى السماء مبتسمةً: "أتمنى أن أذهب للمدرسة مثلهم لأعرف كيف أكتب وأقرأ"، لكنها تُطرِق عينيها إلى الأرض بنظرات منكسرة وتبكي، وتعاود التقاط علبة (العلكة) لتلاحق المارِّين فوق الأرصفة بعبارات التوسل والدعاء بأن يشتروا منها.

 

 الصورة غير متاحة

أطفال غزة يعانون من الحصار الظالم

"اشتروا مني الله يخليكم"، هي الكلمات الأولى التي تعلمتها منذ كانت صغيرة، تقول: "كان عمري 5 سنوات عندما علمتني أمي كلمة "اشتروا مني"، وتركتني في أحد الشوارع لأبيع العلكة"، لكن هدى كانت تقول اشتروا مني بطريقتها الطفولية، فتلفظ حرف الشين بالسين، لصغر سنها.

 

تقضي هدى ساعات طويلة وهي تدور في الشوارع والطرقات، تبحث عمن يشتري منها، ولا تعود إلى المنزل إلا بعد أن تبيع كل العلب التي بحوزتها.. تقول: "أحيانًا أتأخر في بيع كل ما لدي، كما أنني أشعر بالتعب الشديد من كثرة المشي"، وتتابع: "أشعر بالجوع أحيانًا، فأبقى دون طعام إلى أن أعود للبيت".

 

لم تتوقف عمالة الأطفال إلى هذا الحد؛ حيث أشارت دراسة فلسطينية إلى أن عدد الأطفال العاملين- سواء بأجر أو بدون أجر (أعضاء أسرة غير مدفوعي الأجر)- قد بلغ 32.900 طفل؛ أي ما نسبته 4.4% من إجمالي عدد الأطفال في الفئة العمرية (10- 17 سنة).

 

وأشارت النتائج إلى أن 30.9% من الأطفال العاملين في الفئة العمرية (10- 17 سنة) هم غير ملتحقين بالمدرسة (بواقع 27.9% في الضفة الغربية و51.5% في قطاع غزة)، و33.8% من بين الذكور و13.2% من بين الإناث، مقابل 69.1% من الأطفال العاملين ملتحقين بالمدرسة بواقع 72.1% في الضفة الغربية و48.5% في قطاع غزة وعلى مستوى الجنس 66.2% من بين الذكور و86.8% من بين الإناث.

 

ولفتت الدراسة إلى أنه لوحظ أن 21.3% من الأطفال العاملين في الفئة العمرية (10- 17 سنة) هم مستخدمون بأجر لدى الغير، مقابل 73.9% منهم صنِّفوا كأعضاء أسرة غير مدفوعي الأجر (74.9% في الضفة الغربية و67.2% في قطاع غزة)؛ في حين أشارت النتائج إلى أن 4.8% من الأطفال في الفئة العمرية (10- 17 سنة) يعملون لحسابهم الخاص.

 

وأوضحت البيانات إلى أن عمل الأطفال تركز في الزراعة؛ حيث بلغت نسبة الأطفال في الفئة العمرية (10- 17 سنة) العاملين في هذا المجال 48.4%، ثم التجارة والمطاعم والفنادق 30.2%، ثم في التعدين والمحاجر والصناعة التحويلية 10.5%، في حين بلغت نسبة العاملين في قطاع البناء 6.8%.