عماد العدوي

- هذه هي مصر التي حباها الله بفضله، ومن ثم ذكرها في القرآن الكريم في مواطن كثيرة بالخير والأمن.
- هذه هي مصر على مر العصور، عُرفت بالغوث والنجدة لمن يحتاج إليها والأمان لمن يطلب الأمن في حماها، هي التي عُرف أهلها بالشهامة والمروءة.
- كل هذا قدَّره الله لمصر؛ فهو سبحانه الذي قال فيها ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (البقرة: من الآية 61)، فكما ذكر ابن كثير والقرطبي عن ابن مسعود وغيره أنها مصر فرعون حتى قرأها ابن مسعود ﴿اهْبِطُوا مِصْرَ﴾ بدون تنوين.
- هذه هي مصر التي قال الله فيها ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (يوسف: من الآية 99).
- أراد الله لها شأنًا عظيمًا، ولذا فنحن نستعرض دورها الإغاثي عبر العصور:
* لما اشتد الجدب بأهل الشام- وخاصةً فلسطين- في عهد نبي الله إبراهيم، أمره الله أن يتوجه إلى حيث الخصب والنماء؛ إلى مصر، وبالفعل جاء هو وزوجته سارة إلى مصر، ولما كانت سارة شديدة الجمال أُعجِبَ بها الملك وأراد أن يفعل بها الفاحشة، فإذا بها قد توضأت وصلَّت ثم قالت: "يا رب آمنت بك، وآمنت برسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي.. اللهم اكفني شر هذا الكافر"، فأُخذ هذا الملك عنها وضُغط، ثم قال لها: "ادعي ربك أن ينقذني"، فقالت السيدة سارة "يا رب إن يُقتل أُقتَل به فلا تقتله يا رب".
فلما نجاه الله أحسَّ هذا الملك- برغم أنه كافر- أنه يجب عليه أن يكرم ضيافة إبراهيم عليه السلام وزوجته، ومن ثم أهدى إليهما أشياء كثيرة، من بينها السيدة هاجر أم إسماعيل وجدة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وظل رسولنا يحفظ هذا المعروف، ويوصي بأهل مصر خيرًا؛ فكما ورد في صحيح مسلم: "إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يسمَّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمةً ورحمًا أو قال ذمةً وصهرًا".
- هذه هي مصر، أرض الغوث؛ ففي زمان يوسف عليه السلام عندما أصبح مسئولاً عن خزائن مصر أصابت البلاد جدب ومجاعات، ومن هذه البلاد فلسطين؛ التي كان يعيش فيها أبوه يعقوب عليه السلام.
من لهذه البلاد بعد الله إلا مصر؛ فإذا بها تُطعم البلاد المجاورة جميعًا؛ ليس يومًا أو أسبوعًا أو شهرًا، وإنما سبع سنوات كاملة، رغم أن ملك مصر كان كافرًا، ولكنها شهامة أهل مصر، فرفض أن تأكل مصر ويجوع جيرانُها؛ فإذا به ينفِّذ ما يريده وزيرُه يوسف عليه السلام.
- هذه هي مصر التي على أرضها تربَّى موسى عليه السلام، وعلى أرضها كتب الله التيهَ والذلَّ على بني إسرائيل، وعلى أرضها أهلك الفراعنة الظالمين.
- هذه هي مصر التي لم يجد عيسى ابن مريم وأمه الأمان إلا على أرضها بعيدًا عن بطش اليهود، وظلت مصر هكذا أرض غوث حتى دخل الإسلام بلاد الشام، ويوم أن فُتِح بيت المقدس وتسلَّم عمر بن الخطاب مفاتيحه إذا به يُرسل عمرو بن العاص لفتح مصر، ويأتي عمرو إلى مصر عبر رفح- التي يحاصَر خلفَها الآن إخوانٌ لنا، تجمعهم بنا العقيدة والعروبة والإنسانية- ومن رفح إلى العريش!.
ودخل الإسلام إلى بلد النيل.. وما أدراك ما النيل؟! هذا النيل كان له موعد مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ عندما كان لأهل مصر عادة، أنهم كل سنة كانوا يزيِّنون فتاةً بِكرًا ويُرضون والديها، ثم يلقونها في النيل (عروس النيل) حتى يفيض بالماء، فجاء عمرو بن العاص فأبطل هذه العادة فجفَّ النيل، فأراد أهل مصر أن يرحلوا، فأرسل عمرو إلى عمر بن الخطاب يحادثه في هذا الأمر، فأرسل له الفاروق: لقد أحسنت صنعًا، ثم قال له: إذا جاءتك رسالتي فألقِها في نهر النيل، وكان مكتوبًا فيها: "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر؛ فإن كنت إنما تجري من قِبَلك ومن أمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت إنما تجري بأمر الله الواحد القهار؛ فنسأل الله أن يُجرِيَك"، فإذا بالنيل بعد أن أُلقيت فيه هذه البطاقة يفيض بالماء في ليلة واحدة 16 ذراعًا.
- وظلت مصر أرض غوث حتى جاء عام الرمادة واشتد الجوع والقحط؛ فماتت المواشي واشتدت المجاعة، حتى اسودَّ وجهُ عمر بن الخطاب من الحزن، وأقسم ألا يأكل لحمًا وسمنًا حتى يحيا الناس.. امتلأت المدينة بمخيمات للاجئين (60 ألف لاجئ).
وهنا يرسل عمر بن الخطاب برسالة إلى عمرو بن العاص والي مصر، وفيها: "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك، أفتراني هالكًا ومن قِبَلي، وتعيش أنت منعَّمًا ومن قِبَلك، فواغوثاه واغوثاه"، فأرسل إليه عمرو بن العاص "أحمد الله إليك؛ الذي لا إله إلا هو.. أما بعد، أتاك الغوث فالريث الريث؛ لأبعثنَّ إليك بعيرًا (قافلة إغاثية) أولها عندك وآخرها عندي".
ثم أرسل عمرو مع أهل مصر قافلةً إغاثيةً، مكوَّنةً من ألف بعير محملة بالدقيق والذبيب والتمر، وعشرين سفينة، وخمسة آلاف كساء، وكذلك أرسل والي حمص ووالي العراق حتى رفع الله هذه المجاعة.
ما كان لعمرو بن العاص وأهل مصر أن يقولوا: ما شأننا وأهل الحجاز.. المهم أن تحيا مصر وفقط.. لم يفعلوا هذا؛ لأنهم أهل شهامة ومروءة.
- واستمر دور مصر الإغاثي؛ ففي عهد صلاح الدين رأى في جنوده ضعفًا، فأراد أن يقوِّي من بنيانهم ليجهِّزهم للحرب مع الصليبيين، فأرسلهم إلى مصر حتى استقووا، ثم أخذهم وأخذ جنودًا من مصر لهذه الحرب الفاصلة التي بعدها تم تحرير بيت المقدس، فكانت مصر أرض غوث بالغذاء والمال والرجال.
- واستمر هذا الغوث أيام قطز؛ عندما أراد غوثًا بالمال والرجال لكسر شوكة التتار، فلم يخذله أهل مصر، فأمدوه بالمال والسلاح والرجال، فكانت عين جالوت، ونصَرَ الله عباده المؤمنين ولم يُضيِّعْ أجر المنفقين.
- ويتوالى غوث هذا الشعب الكريم عندما احتلت إيطاليا ليبيا، ومُنِع عن المجاهدين السلاح والطعام حتى يركعوا للطليان؛ فإذا بأهل الغوث، أهل مصر، يمدونهم بالمال والسلاح والطعام حتى يكسروا الطليان، وقد كان.
- كان هذا هو دور مصر الإغاثي عبر التاريخ؛ فهل يراد لها أن تُزحزَحَ عن مكانها ودورها الذي أراده الله لها أم ماذا حدث؟!
فاللهم احفظ مصرنا من كل مكروه وسوء، واجعلها ربَّنا واحةً للأمن والأمان، واجعلها غوثًا للملهوفين وسائر بلاد المسلمين.
----------