أن تخرج من السجن بعد الإحساس المرير بالظلم خبر سارٌّ جدًّا، ولكن أن تخرج من سجن صغير إلى سجن أكبر خبر سيئ..

 

أن تخرج من السجن قبل انتهاء المدة المحكوم بها عليك خبر سارٌّ جدًّا، ولكن أن تخرج بعفو صحي وليس بقرار عفو عام يُسقط العقوبة أو بإفراج شرطي عند بلوغ ثلاثة أرباع المدة، أو حتى بعد سداد كامل العقوبة حتى لا يصبح ولو شكليًّا في عنقك دَين لأحد خبرٌ ليس بسارٍّ جدًّا؛ لأنك تصبح مهددًا بالعودة إلى السجن مجددًا ومحرومًا من حقوقك الطبيعية.

 

أن تخرج من السجن نتيجةً للضغوط الأسرية والحزبية والحقوقية الوطنية والعالمية، وتلك السياسة المحلية والعالمية بعد قضية سياسية وجريمة هي في الحقيقة تحدٍّ لإرادة النظام الذي تشخصن بصورة غير طبيعية فهذا خبر سار.

 

ولكن أن تصبح من البداية إلى النهاية من لحظة تعقبك وترصد خطواتك وتصريحاتك ولقاءاتك إلى إحكام خطة للإيقاع بك لسجنك وعقابك ضحية لحسابات سيايسة محلية ودولية وضحية لمغامرات وتجارب للنظام الذي لا يحترم الدستور ولا القانون فهذا هو أسوأ ما يتصوره وطني أو سياسي، أن تصبح حريتك ورقة ضغط فهذا سيء جدًا جدًا.

 

تحيةً إلى "أيمن نور" وزوجته "جميلة إسماعيل" رغم كل ذلك، تحية له وقد كان من المحرمات الخطيرة في السجن أن تلتقي به أو تسلم عليه، وعندما التقينا قدرًا في ردهة ومدخل سجن "المزرعة" بطرة وتقدمت لتحيته والسلام عليه ووقفت قليلاً لتبادل حديث معه عن صحته وأحواله، قامت الدنيا ولم تقعد وغضب الضباط الذين يرافقونه والحراس الذين يحرسونني وكانت خشيتهم من العقاب واللوم والتقريع كبيرة حقيقية.

 

وبعد خروجي من السجن لأعود إليه مرتين بعد ذلك نزيلاً، ومرات لا أحصيها زائرًا أقوم بمهامي النقابية للسؤال عن الزملاء المحبوسين كان مثار الضحك دائمًا مع الضباط السؤال الدائم عن "أيمن نور" وأحواله وصحته مع تحميلهم السلام إليه؛ لأن اللقاء والزيارة من المحظورات؛ ولأن حمل السلام إليه يعرضهم- كما يقولون- إلى لبس البيجاما والجلوس في البيت بعد إقالتهم.

 

التحية والتقدير ليست لأيمن فقط، ولكن في المقام الاول لزوجته الأستاذة جميلة إسماعيل، وقد لعبت دورًا مهمًا وأساسيًّا في حمل قضية أيمن للرأي العام المصري والعالمي، ولطالما استقبلت منها رسائل (SMS)، ووقفت معها وقفات متعددة، وحضرت معها ندوات ومؤتمرات في مناسبات شتى، ولقد حفرت لنفسها مكانًا بارزًا في الوجدان المصري على مر التاريخ مع "إيزيس" و"ناعسة" وغيرهن، وضربت مثالاً للمرأة المصرية الوفية لزوجها وأسرتها وقضيتها.

 

خرج أيمن من السجن ليمارس نشاطه العام فورًا، وليقول للذين سجنوه ظلمًا متمثلاً قول العقاد يوم خرج من محبسه بعد شهور قضاها بتهمة العيب في الذات الملكية عندما وقف أمام قبر سعد زغلول ينشد:

قضيت جنين السجن تسعة أشهر       ...       وها أنذا في ساحة الخلد أولد

عداتي وصحبي لا خلاف عليهمو     ...       سيعهدني كل كما كان يعهد

 

عرفت "أيمن نور" منذ مدة طويلة، كان طالبًا يمثل زملاءه في اتحاد الطلاب، ثم عرفته صحفيًّا بالوفد ثم دخل غمار السياسة وأنا في سجنى لمدة 5 سنوات، وتابعت محاولاته لتأسيس حزب المستقبل أو تنشيط حزب الوفد ودخوله البرلمان ونشاطه السياسي ودأبه لتأسيس حزب الغد وترشحه للرئاسة، ولم أكن من مستقبليه عندما زار مقر المرشد والتقى مكتب الإرشاد لشرح برنامجه للرئاسه بسبب غيابي بالسجن، ثم نزل ضيفًا علينا بسجن المزرعة منتقلاً من سجن "عنبر الزراعة" الملاصق لنا بعد الحكم عليه بخمس سنوات، وتشديد القيود على التنقل داخل السجن، وأثناء الزيارة وفي ردهات المكاتب إذا كان بها أيمن لأي سبب أو دخلت عليه "جميلة" للزيارة؛ حيث يتم غلق الأبواب وإخراج المساجين ومنع المرور حتى لا يرى أحدًا أو يراه أحد.

 

اليوم مولد جديد لأيمن نور ولحزب الغد

 الصورة غير متاحة

 د. أيمن نور

خرج أيمن من السجن أكثر نضجًا، وأقوى عزمًا، وأفصح لسانًا، وأقوى حجة، وأشد إيمانًا بالله ثم بقضيته وقضية وطنه.

 

لفت انتباهي في الانفراد التلفزيوني الذي أطل به أيمن على الشعب المصري مع الإعلامية القديرة "منى الشاذلي" نبرة الثقة الشديدة في حديثه وتوقفت متأملاً طويلاً عند قوله: "إن أهم ما استفدت به في هذه السنوات الثلاثة والنصف هو قربي من الله"، مع تأكيده أنه قرأ كتبًا أكثر مما فعل خلال أربعين سنة هي السنوات التي انقضت من عمره عندما سُجن.

 

القرب من الله: منحة في طيِّ محنة، نعمة من الله أن يقربك منه بسبب لا تحبه ولا ترضاه، يقربك منه في ظلمات الظلم والسجن بأكثر مما تظن أن يقربك منه وأنت تطوف بيته الحرام وتتعلق بأستار الكعبة، يقربك منه ليمدك بالقوة والعزة والشموخ في الوقت الذي ظنّ خصومك أنهم يدمروك ويدمروا شخصيتك ويشوهوا حياتك ويعزلوك عن الناس.

 

لا أنسى في هذا المقام كثيرين التقيت بهم في رحلاتي بالسجون المصرية العشرة التي نزلت أو مررت بها، وفي سيارات الترحيلات التي قطعت بي مئات الكيلو مترات إلى النيابة أو المحاكم أو الامتحانات، أو للمستشفيات أو للإفراجات، أو بين السجون في التنقلات هؤلاء جميعًا أحدث السجن بهم أكبر الأثر وغير نمط حياتهم وأفكارهم.

 

من هؤلاء رجل الأعمال الشهير حسام أبو الفتوح، وعضو مجلس الشعب ورجل الأعمال خالد محمود، ولعلي أعود إلى حكاياتهم وقصصهم في مناسبة أخرى.

 

أرسلت إلى "أيمن نور" و"جميلة" رسالة تحية فور قراءة خبر الإفراج وبعد الفشل في إتمام الاتصال التليفوني، وبعد فجر أول يوم خارج السجن ولا أقول حرية؛ لأن الحرية لا يفقدها المرء خلف الأسوار ترددت في الاتصال ثم حسمت ترددي وقلت بعد رنتين أو ثلاثة أتوقف عن المحاولة، وإذا بـ "جميلة" يأتيني صوتها عبر التليفون ضاحكة تقول: تساؤلنا من يطلبنا في هذا الوقت، إنه شخص صلى الفجر ثم جلس يذكر الله وأعطتني أيمن لأرحب به في ساحة الكفاح والجهاد من أجل الحرية والاستقلال والديمقراطية، واعتذرت له عن هذا التوقيت غير المناسب، فقال لا حرج عليك: صلينا الفجر ثم بقينا مستيقظين، وكان من وصيتي له: لا تفقد هذا القرب من الله في زحمة الحياة.. إياك، هذه رحمة عظيمة نحن في أمسِّ الحاجة إليها ليس في السجن فقط، بل على الدوام.

 

بحثت طويلاً عن أسماء الـ 8 الذين أُفرج عنهم مع أيمن أو بسبب أيمن، فلم أجد لهم ذكرًا، وفي يوم الجمعة قرأت أن من بينهم الأخ جمعة سليمان أحد أعضاء الجماعة الإسلامية الذين يعانون أمراضًا عدة منها الفشل الكلوي، ولم أقرأ عن بقية الـ(9) شيئًا، فهل يتفضل النائب العام بنشر أسمائهم، والتهم التي كانت موجهة إليهم والسجون التي كانوا بها.

 

إنني أتوجه إلى المستشار عبد المجيد محمود برجاء أن تقوم النيابة العامة بواجبها تجاه المسجونين، وقد استبشر الناس عند توليه مهام النائب العام "خيرًا"؛ أن يتم مراجعة الملفات الصحية للمحبوسين جنائيًّا وسياسيًّا، والجنائيون في أمسِّ الحاجة إلى هذه المراجعة الدورية، ومنهم من يموت من المرض او الإهمال الطبي والأزمات الصحية المفاجئة، ولن يُضار المجتمع بشيئ إذا أفرج عنهم إفراجًّا صحيًّا.

 

أما السياسيون فإن حبسهم بسبب سياسي هو المبرر الرئيسي لالتماس أي سبب ولو ضعيف لإخراجهم من تلك المحنة، فلا يجوز أبدًا أن يتم تصفية الحسابات السياسية والخصومات والمنافسات السياسية عبر المحاكم الاستثنائية العسكرية وأمن الدولة، أو حتى عبر محاكم عادية مختارة دوائرها بعناية للتنكيل بالخصوم.

 

وعلى النائب العام أن يصحح تلك الأخطاء السياسية التي قد تكون استنفدت غرضها بمرور شهرين أو سنة على أكثر، ويتم نسيان الأمر برمته ممن أصدر الأوامر بالتنكيل، ويبقى الضحايا رهن الحبس والسجن لسنوات دون مبرر منسيين، ولا يقدر أحدٌ على عرض ملفاتهم على من يهمه الأمر.

 

لديك يا سيدي النائب العام على الأقل 10 من الإخوان في القضية العسكرية يعانون أمراضًا متعددة على رأسهم: خيرت الشاطر، وعصام حشيش، وفتحي بغدادي، ومحمد علي بشر، ولديك يا سيدي مجدى حسين الذي يعاني من آلام شديدة في عموده الفقرى، ولديك الكثيرون ممن يمكنك انتداب اللجنة التي قامت بمراجعة أوضاع الـ(9) المفرج عنهم لإعداد تقارير دورية عن حالتهم الصحية، وانتهاز الفرص المتاحة الملائمة للإفراج التدريجي عن هؤلاء الضحايا.

 

وبهذه المناسبة أطالب السيد مدير مصلحة السجون بتطبيق توصيات لندوتين شاركت فيهما على الأقل بالمجلس القومي لحقوق الإنسان ونقابة الأطباء عن الرعاية الصحية بالسجون، إلى حين يتم حل المشكلة من أصلها بالإفراج عن الأبرياء أو حتى المدانين جنائيًّا بسبب الحالة الصحية.

 

عزيزي أيمن.. مرحبًا بك بين أصدقائك وأحبابك ومؤيديك.. مرحبًا بك في ساحة العمل السياسي، مدافعًا عن الحرية وحقوق الإنسان.. مرحبًا بك أنت وزوجتك رمزَيْن للصمود في وجه الظلم وعدم الاستسلام للقهر.