منذ تأسست الحركة الصهيونية عام 1897م، نجحت في تحقيق ثلاثة أهداف كبرى وتكاد أن تنجح في تحقيق الهدف الرابع، ولقد استغرق تحقيق كل هدف منها ما يقرب من ربع قرن. ودعونا نتذكر القصة منذ بدايتها:
الهدف الأول في ربع القرن الأول 1897 1922: (الرخصة)
بعد أن نظم الصهاينة أنفسهم في مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897م، أرادوا أن يباركوا فكرة وطن قومي لليهود في فلسطين، برخصة رسمية من القوى الكبرى ومن الشرعية الدولية حينذاك. وهو ما تم بالفعل في وعد بلفور 1917م وفي صك الانتداب البريطاني على فلسطين الصادر من عصبة الأمم عام 1922م والذي نصَّ في مادته الثانية على حق اليهود في وطن قومي في فلسطين، وكان ذلك هو هدفهم الأول الذي نجحوا في تحقيقه، بعد محاولات متعثرة من الهجرات التسللية التي لم تنجح في تهجير أكثر من 50 ألف يهودي على امتداد القرن التاسع عشر.
فحققوا الهدف الأول.
الهدف الثاني في ربع القرن الثاني 1922 1947: (التهجير)
بعد الحصول على الرخصة، بدءوا في تنفيذ الهدف الثاني، وهو تهجير أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين، وهو الأمر الذي ورد صراحة في المادة السادسة من صك الانتداب البريطاني.
وقد اعتمدوا في ذلك على تمويل المنظمات والشخصيات الصهيونية الكبرى، وأسسوا له صندوق خاص تحت إشراف المنظمة الصهيونية العالمية، ونجحوا بالفعل، تحت حماية الاحتلال البريطاني، في هذه الفترة، في تهجير ما يقرب من 500 ألف يهودي إلى فلسطين. ليرتفع عدد اليهود فيها من حوالي 60 ألفًا عام 1917 إلى ما يقرب من 650 ألفًا عامي 1947/1948.
وحققوا الهدف الثاني.
الهدف الثالث في ربع القرن الثالث 1947 1973: (بناء الدولة)
وتبدأ المرحلة الثالثة بالحصول على قرار من الأمم المتحدة بدولة يهودية، وهو القرار المشهور باسم قرار التقسيم الصادر في 29 نوفمبر 1947، والذي أعطى اليهود 56.4% من فلسطين وأعطى العرب 44.6 % منها، في وقت لم يكن يمتلك اليهود سوى 5.6 % من أراضى فلسطين. وليشرعوا فورًا في بناء دولتهم المسماة بإسرائيل والتي نجحوا بالفعل في بنائها بالأساليب الآتية:
* ارتكاب عدد من المذابح الإرهابية مثل دير ياسين وأخواتها والتي نجحوا بها في تفريغ البلاد من حوالي 750 ألف عربي.
* الانتصار على جيوش الدول العربية مجتمعةً في حرب 1948، مستغلين تردي حالة العرب الخاضعين للاحتلال الأوروبي، والاستيلاء على مزيد من الأرض لتصل جملة ما يسيطرون عليه إلى 77.4 %.
* استقبال دعم هائل من الأموال والسلاح من أمريكا والدول الأوروبية ضمنت لدولتهم البقاء والتفوق العسكري على الجانب العربي.
* اغتصاب باقي فلسطين في 1967م بالإضافة إلى سيناء والجولان.
* تهجير 1.5 مليون يهودي إضافي إلى فلسطين في الفترة من 1949 إلى 1973.
* التحالف مع الولايات المتحدة وحلفائها التي أعطتهم دعمها الكامل كما أمدتهم بالحماية والغطاء الدوليين من خلال موقعها في الأمم المتحدة.
وحققوا الهدف الثالث.
الهدف الرابع 1973 2009: (الاعتراف)
وليبدءوا بذلك العمل على تحقيق هدفهم الرابع والمتمثل في انتزاع الاعتراف الفلسطيني والعربي بشرعية دولة "إسرائيل" والذي يكادون أن ينجحوا في تحقيقه:
* فلقد نجحوا بعد حرب 1973 في إخراج مصر من الصراع وأخذوا منها اعترافًا كاملاً بدولة "إسرائيل" بموجب اتفاقيات السلام المشهورة باسم كامب ديفيد.
* ثم بعد أن طردوا القوات الفلسطينية من لبنان عام 1982، نجحوا بعد ضغوط 11 عامًا، في أن ينتزعوا من القيادة الفلسطينية اعترافًا بدولة "إسرائيل" وتنازلاً عن فلسطين 1948 بموجب اتفاقيات أوسلو 1993.
* تلاها اعتراف الأردن "بإسرائيل بموجب اتفاقيات وادى عربة عام 1994.
* ثم أخيرًا اعترف النظام الرسمي العربي كله ممثلاً في جامعة الدول العربية بحق "إسرائيل" في الوجود، بموجب مبادرة السلام العربية الصادرة عام 2002.
* من الذي بقي منا، يرفض الاعتراف ويعوق تحقيق الهدف الصهيوني الرابع في معركة القرن الطويلة؟
* بقى الشعب العربي الأعزل، صاحب الأرض الذي لم يتغير موقفه أبدًا في هذا الصراع.
* وبقيت قوة مسلحة وحيدة صامدة في الأرض المحتلة ترفض الاعتراف وتقاوم، هي غزة بقيادة حماس وأخواتها من منظمات المقاومة.
* إن انهزمت لا قدر الله، أو استشهد أهلها جميعًا، سيكون الصهاينة بذلك قد أنهوا ما يزيد على قرن من الصراع لصالحهم، وستموت القضية لعقود طويلة قادمة.
* وإن انتصرنا بإذن الله، تعثَّر المشروع الصهيوني بأكمله.
* * *
كانت هذه هي قصة قرن من الصراع، لم يكفَّ شعبنا فيه يومًا واحدًا عن المقاومة والاستشهاد، وهو ما نجح حتى الآن في تجريد الكيان الصهيوني من أي مشروعية حقيقية، رغم كل الدعم الدولي الذي تلقاه.
في هذا السياق التاريخي يجب أن نقرأ العدوان الأخير على غزة، ونقرأ الأحداث الجارية، ونحدد بوصلتنا للمستقبل.
فالمعركة تدور الآن حول الاعتراف بإسرائيل وكل ما عدا ذلك تفاصيل أو قضايا فرعية.
ليست القضية هي الانقسام الفلسطيني، أو الخلاف بين المتشددين والمعتدلين أو الدور الإيراني والدور العربي، أو التنافس على المكانة الإقليمية بين دولة عربية هنا وأخرى هناك، وليست أيضًا مجرد صراع محدود على صواريخ حماس أو المعابر أو الإعمار.
إنما القضية الآن هي: هل سينجح العدو في كسر وإخضاع القلعة الأخيرة المسلحة، الرافضة أن تتنازل له عن فلسطين؟، أم سيفشل؟
وبناءً عليه:
فإنه انطلاقًا من هذا المنطلق فقط، علينا أن نحدد أهدافنا المرحلية وندير معاركنا القادمة، وهو ما يعني أهمية تركيزنا الآن على ما يلي:
* عدم الانجرار إلى معارك فرعية وهمية.
* إدارة معاركنا في المسائل التفصيلية والتكتيكية والمرحلية مثل: التهدئة والحصار والمعابر، وعيوننا على الهدف الإستراتيجي والمبدئي الرئيسي وهو عدم الاعتراف "بإسرائيل".
* العودة إلى الاشتباك مع مشروعية الكيان الصهيوني والمجسدة في القرار 181 وما بني عليه من القرار 242 واتفاقيات السلام العربية- "الإسرائيلية"، وما يترتب على ذلك من إعادة المطالبة بكل فلسطين.
* العمل على إخراج كل الأطراف الفلسطينية من التزامات أوسلو المتمثلة في: التنازل عن فلسطين 1948، والاعتراف بإسرائيل، والتخلي عن المقاومة والسلاح كطريق للتحرير، وما أسفر عنها من اعتبار المقاومة إرهابًا وسلاحها غير مشروع، واعتبار العدوان الصهيوني دفاعًا عن النفس.
* وترجمة ذلك في رفض أي اتفاقيات أمنية جديدة لنزع السلاح الفلسطيني عامةً وسلاح غزة على وجه الخصوص، والاشتباك مع الاتفاقيات القديمة والضغط الشعبي لإخراج النظام الرسمي العربي منها.
* الدفاع بجدية وبكل الأدوات عن حق المقاومة في استيراد وتصنيع وحمل السلاح بكل أنواعه.
* تحرير غزة من أدوات الضغط والإخضاع وأهمها الحصار والمعابر المغلقة.
* مراقبة شعبية عربية لعمليات الإعمار حتى لا تتحول إلى أدوات للإخضاع أو قنوات للتطبيع والتجسس أو وسائل للإفساد والتخريب والاستقطاب إلى معسكر التسوية.
* تصعيد التعبئة لمناصرة قضية فلسطين والمقاومة، وإتباع سياسة تصعيد شعبي عربي في أوقات التهدئة، من أجل أن نكون أكثر استعدادًا إذا تكرر العدوان مرةً أخرى، لا قدر الله.
---------------