المرحلة الراهنة هي مرحلة صعبة وفارقة وخطيرة على مستوى العالم أجمع، وعلى منطقتنا العربية وعلى منطقة الشرق الأوسط، وخصوصًا القضية الفلسطينية.

 

فعلى المستوى العالمي تضرب الأزمة المالية أجناب العالم أجمع، وخاصةً القوة العظمى والوحيدة التي كانت تقود العالم إلى حرب تركيع جبارة لا تُبقي ولا تذر ﴿فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (الحشر: ممن الآية 2)، وهم الذين كانوا يُقسِّمون العالم إلى أغنياء وفقراء ومتخلفين كدول العالم الثالث، وهم يتعاظمون بأموالهم التي نهبوها وحصلوها زورًا وبهتانًا وجمعوها من الحروب وتجارة السلاح للمتحاربين وشن الحروب نيابةً عن المتخاصمين (وكله بحسابه)، وظنَّوا أنهم- بما يملكون من أموال واقتصاد قوي لا يحصون أرقامه- قادرون على استعباد العالم وتركيعه ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ﴾ (الحشر: ممن الآية 2)، وتغلغل اليهود- والربا لعبتهم المفضلة- فأقاموا الاقتصاد كله على دعائم الربا، فعلا البنيان ولكن على غير أركان، فانهار هذا البنيان مرةً واحدة، وتداعت تبعاته على كل المراهنين عليه والمرتبطين به.

 

على الجانب الآخر تزايدت حركة الاحتجاجات، وزاد وعي الشعوب بحقوقها وإن كانت دون المستوى المطلوب، وازدادت الجرأة في المطالبة بالحقوق والتعبير عن الغضب، وجنحت الحكومات مع حكامها بعيدًا عن شعوبها وتدثرت بالفساد والتصقت وتترست بمراكز القوى من المفسدين واستخدموا قوة الجيش والشرطة لحمايتهم من شعوبهم بدلاً من تسخير الجيش لحماية البلاد، وعلى أثر ذلك فقدت الشعوب الثقة تمامًا في حكامها وحكوماتها، وباتت تفكر فقط في موعد رحيلها والبعض يفكر في كيفية رحيلها، هذا الحال جعل الوضع غير مستقر في معظم البلاد العربية والجميع ينتظر بين لحظة وأخرى تغييرًا سيطرأ في موضع من المواضع وبلد من البلدان.. فهل سيحدث هذا قريبًا؟ وأين؟ ومتى؟.

 

على جانبٍ آخر وبخصوص التهدئة بين الفلسطينيين والصهاينة هل يمكن أن تتم؟ وهل إذا حدثت سيلتزم بها الصهاينة؟ وهل ستُفتح المعابر التي يسيطر عليها اليهود!؟ وهل سيُفتح معبر رفح؟ وإذا لم تُبرم التهدئة فما مصير معبر رفح؟ هل تتجرأ الحكومة المصرية وتفتحه؟ أم سيظل مغلقًا تحت تذرعاتٍ أخرى؟ وهل يمكن أن تحدث مصالحة بين فتح وحماس؟ وهل ستقبل السلطة الفلسطينية بذلك؟ وإذا قبلت فهل يقبل ذلك فريق الدحلانيين؟ وهل من المعقول أن يقبل فريق رام الله بخيار المقاومة، وهو الذي وقَّع على وثيقة لاستئصال المقاومة؟.

 

كل هذه الأسئلة وغيرها كثير يدور في الفكر، يبحث عن إجابة شافية، وتزداد الحيرة والبحث عن الإجابة، كلما تحدَّث الفرقاء عن قرب الوصول إلى مصالحة وعن الخطوات الإيجابية التي اتخذت والتي في الحقيقة لم يبنِ على أرض الواقع منها شيء.

 

في الواقع فإنني أتمنى أن تحدث التهدئة، وأن تُفتح المعابر وتُرفع المعاناة عن إخواننا في كل فلسطين وليس في غزة وحدها، وأن تُحرر الأرض، ولكن بين الأُمنية والواقع حدود ومسافات وآلام ومعاناة؛ حيث إنني أرى أن تحقيق التهدئة وقبول العدو له أمر صعب المنال رغم احتياج العدو له، لكنه يريد تهدئة ترفع أسهم العدو وتضعف موقف المقاومة، تريد تهدئة لا تلزمها بشيء ولا تكلفها في ذات الوقت شيئًا، وهذا لن يحدث ولن تقبل به المقاومة, وبالتالي هم يريدون الآن أن يطول زمن المفاوضات؛ لأن الواقع الحالي ليس في صالحهم واستمرار الوقت يعني استمرار الحصار والمعاناة للشعب الفلسطيني, وهم يضغطون على الحكومات العربية وخاصةً الوسيط المصري من أجل الضغط على حماس وفصائل المقاومة لبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه دون مزايدة أو توتر لحين الوصول إلى حل، في الوقت الذي يرفضون فيه كل الحلول، والمعنى بقاء الحصار لحين إشعار آخر، وفي هذا يحقق العدو بعضًا من المكاسب التي عجز عن تحقيقها بالحرب؛ حيث الوضع الآن أكثر سوءًا من ذي قبل وحجم الدمار مهول والوضع الإنساني صعب مما يزيد من المعاناة لدى المواطنين؛ مما تعجز معه الحكومة الفلسطينية المقالة في غزة من علاج الوضع لعل وعسى يتحرك الشعب الغزاوي ضد المقاومة وضد حماس وإن لم يفعل فليتحمل الشعب الحصار من جرَّاء ذلك، كما أنه على الجانب الآخر تريد الحكومة الصهيونية الضغط زمنيًّا لإفشال مؤتمر الإعمار لغزة المقرر عقدة في الثاني من شهر مارس المقبل.

 

وحتى لو حدثت تهدئة فلن يلتزم بها الصهاينة، وستظل الخروقات والقتل والاعتقال والعمليات العسكرية، في الوقت الذي ستطالب فيه الحكومات العربية حركات المقاومة بعدم الرد وتفويت الفرصة عليهم وعدم إطلاق الصواريخ دون أن يكون لهم تأثير على الصهاينة، حتى إذا ضاق الأمر بالفلسطينيين وقاموا بالرد كانت "إسرائيل" على أتم الاستعداد لحرب جديدة، ساعتها سيهب العرب جميعًا لانتقاد المقاومة وسينعتونها بأبشع النعوت والألفاظ، وعندها ستبدأ مرحلة جديدة من مراحل الصراع وحلقة من حلقات النصر لهذه الأمة.

 

أما المعابر فالغالب عندي أنها حتى لو تم الاتفاق على التهدئة فلن تفتح إلا قليلاً وحسب ما يريد الصهاينة، وهذا ما بدا ظاهرًا حين اشترطوا نسبة الفتح بـ80% وستبقى نسبة الـ20% هي مسمار جحا الذي يتعللون به، و"إسرائيل" التي لم تلتزم بقرار دولي، لن تلتزم باتفاق مع العرب ولا الفلسطينيين.

 

أما مصير معبر رفح فسيظل معلقًا بالقرار الصهيوني من التهدئة وفتح المعابر، فإذا لم تقرر الحكومة الصهيونية الموافقة على فتح المعابر فلن يفتح معبر رفح والحجج والتعليلات جاهزة، كما أن معبر رفح يستخدم كوسيلة ضغط من سلطة رام الله والحكومة المصرية على فصائل المقاومة وحكومة غزة لتحقيق مكاسب في حوار فتح مع حماس والفصائل.

 

أما موضوع المصالحة الفلسطينية فهو موضوع شائك، وأرى أن تحقيقه يشبه المعجزات التي يتطلع إليها الجميع، فالسلطة الفلسطينية لن تقبل بخيار المقاومة ولن تستطيع الانحياز إليه ولا أدري كيف يمكن أن يقبل بالمقاومة من ربط ورهن حياته العملية والسياسية بالعدو؟ هل يقبل الحليف الصهيوني بمبدأ المقاومة؟ أقول وبكل أسف لا وألف لا، إذًا ماذا يحدث؟ وما جدوى هذه الجلسات والمحاورات والمشاورات؟ أقول هذه هي السياسة التي لا يستطيع سياسي يفهم في السياسة أن يرفض طلب الحوار والمصالحة، وإلا كان أمام الرأي العام هو الداعي إلى الانقسام والفرقة، وبالتالي يخسر الرأي العام وربما تكون نتائج هذه الخسائر هو خسارة الموقف برمته، بل ربما تاريخه السياسي، وستظل الجلسات والحوارات وقتًا من الزمن مع التسريبات التي تتم إلى الرأي العام حتى تتاح الفرصة لإعلان فشل الحوار أو تحميله طرفًا من الأطراف، وهذه معركة أشبه ما تكون بمعركة عض الأصابع, وعندها ستعود المعادلة إلى نقطة البداية مرةً أخرى هذه النقطة تتغير عندها موازين القوى وتظهر قوى وتختفي أخرى، وبمعنى أدق سيستمر الصراع بين فصائل المقاومة وسلطة رام الله جولات وجولات حتى ينتهي هذا الجيل من الخانعين من سلطة رام الله ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).

 

كل هذه الأوضاع تفرض استحقاقات على الجميع، استحقاقات يدفعها البعض وقد يحصلها في أحيان أخرى، استحقاقات تضع الجميع على أهبة الاستعداد لتقليل الخسائر أو لتعظيم المكاسب، استحقاقات تدفع البعض إلى القمة، وقد تهوي بآخرين إلى القاع. ولنا بمشيئة الله عودة أخرى لتفصيل هذه الاستحقاقات.