د. حسن يوسف الشريف

شعار رفعه الكثير من الوطنيين الأمريكان "ارجعي إلى بيتك يا أمريكا"، ولم يسمعه باهتمام أحد من الرؤساء؛ لأن الحزبين الحاكمين في أمريكا (الديمقراطي والجمهوري) يهمُّهما في الغالب الوصول إلى البيت الأبيض أو الكونجرس، والوصول إلى ذلك له طريق واحد فقط يتنافس عليه الجميع، وهو الاستسلام المطلق لما تريده "إسرائيل" أو ترغب فيه، وبعد أن تتأكد الحكومة "الإسرائيلية" مَن هو الذي سيطبق ذلك من الحزبين، فترسل الإشارات إلى منظمة الشر الأمريكية وهي ما تسمى لجنة العلاقات الأمريكية "الإسرائيلية" أو (إيباك) لتنبه على لجانها المنتشرة في كل الولايات الأمريكية لتجمع الأموال وتجيّش الأصوات لهذا المرشح أو المرشحين الذين يقدمون الدعم المطلق "لإسرائيل"، ولا يشذّ عن هذه القاعدة أي رئيس حتى الآن، ولا يستطيع أي رئيس في المستقبل القريب أن يقفز من فوقها إلا بعد تطبيق ما جاء في المقال السابق عن ضرورة تطبيق خطة التطهير والتغيير التي تكلمنا عنها.
وإني لأعجب من بلاد الحرية والديمقراطية كيف لا يستطيع عالم أمريكي مثل (ناعوم تشومسكي) رغم أنه يهودي أن ينشر كتابه "11/9 وتشريح الإرهاب"، ثم ينشره في فرنسا!! ويزداد عجبي مما يذكره النائب (بول فندلي) في كتابه "من يجرؤ على الكلام؟": "نعم قلة قليلة جدًّا هي من تجرؤ على نقد السياسة "الإسرائيلية" أو الحديث عن حقوق الفلسطينيين، و(بول فندلي) كان نائبًا بالكونجرس لمدة 18 سنةً، وسبب إبعاده عن فرصة النجاح هو أنه تكلم مرة عن العرب الفلسطينيين بصورة إيجابية، فقررت منظمة الشر "إيباك" ضرورة حشد الجمهور لإسقاط (فندلي) في الانتخابات وتم لهم ما أرادوا.
نعم "ارجعي إلى بيتك يا أمريكا" لإعادة ترتيبه قبل اشتعال النار فيه؛ وذلك بأن يحمل الشعب الأمريكي السلاح ضد منظمة الشر "إيباك"، وهذا ما حذر منه رئيس الأركان (توماس مورر) حين قال: "إن شعبنا لا يعرف مدى قبضة هؤلاء علينا، وإذا عرف الشعب حقيقة هؤلاء فسيهب إلى حمل السلاح"، هذا من أجل سرب طائرات أخذته "إسرائيل" رغم أنف رئيس الأركان، فكيف إذا عرف الشعب الأمريكي أن الصهيونيين الأمريكيين هم الذين ضغطوا على الإدارة الأمريكية لخوض الحرب العالمية الأولى، ((راجع الموضوع في كتاب رجل المخابرات الأمريكية (جون بيتي) "الستار الحديدي حول أمريكا")).
ومما جاء فيه قوله: "إن بعض ممثلي الحكومتين البريطانية والفرنسية كانوا مقتنعين بأن الوسيلة الوحيدة لإغراء الرئيس الأمريكي (ويلسون) بدخول الحرب هي تعاون اليهود الصهيونيين، وبهذا استطاع اليهود الصهيونيون جرَّ أمريكا إلى الحرب العالمية الأولى"، ولقد قتل في هذه الحرب مئات الآلاف من الشباب الأمريكي، وأنفقت مئات المليارات ولا مصلحة للشعب الأمريكي فيها، والمقابل هو أصوات اليهود في أمريكا.
كيف إذا عرف الشعب الأمريكي أن دخوله الحرب العالمية الثانية هو لنفس السبب، أي الحصول على أصوات اليهود مقابل تدمير ألمانيا عدو اليهود، ومقتل ربع مليون جندي أمريكي وخسارة مئات المليارات؟!!
وكيف إذا عرف الشعب الأمريكي أن خوض أمريكا الحرب ضد العراق والخسائر الفادحة التي أصابت السياسة والاقتصاد الأمريكي وراءها وسببها هو مخابرات "إسرائيل"؛ وذلك بتضليل الاستخبارات الأمريكية بأن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل؟!!
ويتوقع البعض- وكما توقع رئيس الأركان (توماس مورر)- أن الشعب الأمريكي حين يعرف الخسائر الفادحة التي يتعرض لها إنما سببها الأول هم اليهود الصهيونيين، فسيضطر إلى حمل السلاح ضد هؤلاء، وكما خرج اليهود من ألمانيا بعد كراهية الشعب الألماني لهم واكتشاف مؤامراتهم ضده، فسيخرجون من أمريكا بعد اكتشاف الشعب الأمريكي للمآسي التي تعرض لها بسببهم.
وسبب كل هذه المآسي هم اليهود الصهيونيون، وليس اليهود غير الصهيونيين، أما اليهود غير الصهيونيين واليهود المنشقون عن الصهيونية فهم ضد أفكار اليهود الصهيونيين؛ لما تسببت فيه من إساءة لليهودية كدين، وما سببته وتسببه للعالم من معارك طاحنة، ولا ينسى العقلاء تحذير (ألفريد ليلينتال) وهو ما أنهى به كتابه "هكذا ضاع الشرق الأوسط" (ص 90)، حينما حذر من تكالب الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) على أصوات اليهود مقابل انحياز أمريكا المطلق تجاه "إسرائيل" سيؤدي إلى نشوب حرب عالمية ثالثة، وستحترق أمريكا بنارها فقال: "هناك فرق بين السياسي الذي يفكر في ترشيح نفسه للانتخابات القادمة ورجل الحكومة المسئول عن الأجيال القادمة؛ لأن هذا هو الفارق الكبير والذي سيقرر ما إذا كان احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة هو الإجابة على هذا السؤال الذي يتردد دائمًا: ما هو ثمن "إسرائيل"؟".
إن سمعة أمريكا في الشرق الأوسط قد أصبحت في الحضيض، إذ كيف تقدم أمريكا نفسها راعيةً للسلام ثم هي مسئولة عن كل المآسي التي تتعرض لها المنطقة؛ بسبب دعمها وتحيزها المطلق "لإسرائيل"، يقول (كلود شيسون) وزير خارجية فرنسا في عهد الرئيس (فرانسوا ميتران): "إن السياسة الأمريكية منذ الحرب العالمية الأولى قد اتسمت باستمرارية وثبات وعزم وإصرار مذهل على مساندة إسرائيل.. بدأت بوعد (بلفور) الذي فرضته أمريكا على بريطانيا، واستمرت إلى اليوم.. هذه هي سياسة أمريكا التي تقدم نفسها راعية للسلام.. مساندة لإسرائيل بلا حدود وبلا قيود وبلا شروط" (مجلة السياسة الدولية- مجلة مصرية-، عدد أكتوبر 1998 صـ181).
وتذهب الصحفية الأمريكية الشجاعة (جريس هالسل) أن أمريكا شريك في كل الحروب التي خاضتها "إسرائيل" ضد العرب فتقول: "قد أصبحت الولايات المتحدة بتزويدها لإسرائيل بالأسلحة الحربية متورطة في الحروب الإسرائيلية ضد العرب أعوام 1956، 1967، 1973، 1982"، وهو نفس ما صرح به اللورد (كارادون) مندوب بريطانيا بمجلس الأمن، إذ يثبت التهمة على أمريكا وهي تحريضها ومساعدتها "لإسرائيل" بالاستخفاف بالحقوق العربية والقرارات الدولية فيقول: "إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تطلب وحتى لم تشجع إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، بل إن أمريكا زودت إسرائيل بالدعم المالي والمعنوي الكامل، حتى تستمر في تجاهلها قرارات الأمم المتحدة بإعادة الأراضي".
ونفس هذه الجريمة تثبتها مجلة "الايكونوميست" البريطانية، حيث تتهم الإدارة الأمريكية ليس فقط بإعطاء الضوء الأخضر للعدوان "الإسرائيلي" على أراضي السلطة الفلسطينية والذي بدأ في 29 مارس 2002، بل الإدارة الأمريكية شريك في العدوان؛ بسب تزويد "إسرائيل" بالأسلحة وتوفير الحماية الدبلوماسية لها.
نعم "ارجعي إلى بيتك يا أمريكا" فأعيدي إصلاحه من الداخل، وخاصةً من صفة العنف الذي يزرعه الإعلام الأمريكي في النفوس، وما يمارسه من تضليل واغتيال للعقل الأمريكي، يقول البروفيسور الأمريكي (هربرت شيللر): "فالعنف رغم كل شيء فهو أمريكي مثله مثل فطيرة التفاح، وليس في الواقع فقط بل وفي الخيال أيضًا، ففي السينما والتلفزيون وعبر موجات المذياع تُخصص يوميًّا لسيناريوهات العنف مساحات مذهلة وهو نفس ما يؤكده العالم الأمريكي (تشومسكي): "استقر في أعماق شخصياتنا العنف والإرهاب"، وهو ما يؤكده أيضًا الكثير من الباحثين والمفكرين الأمريكان حيث يرى (باولو فرير): "إن تضليل عقول البشر هو أداة للقهر إنه يمثل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى تطويع الجماهير للأهداف الخاصة بالنخبة السياسية"، ويقول (جور فيرال): "تمثلت العبقرية المرعبة للنخبة السياسية الأمريكية منذ البداية في قدرتها على إقناع الشعب بالتصويت ضد أكثر مصالحه أهميه" (المتلاعبون بالعقول، هربرت شيللر).
نعم "ارجعي إلى بيتك يا أمريكا" ولا داعي لربط السياسة الخارجية بالانتخابات الداخلية، إنها أكبر مشكلة تمثل أكبر خطر على المصالح الأمريكية، ونادى بها الكثير من الأمريكان منذ 1945 وإلى الآن، منهم وزير الدفاع (جيمس فورستال) ورجل المخابرات الأمريكية (جون بيتي) قال: "يجب الفصل بين سياستنا الخارجية تمامًا وبين مسألة كسب الأصوات في الولايات المتحدة"، وبه قال (ليلينتال): "يجب أن يتم اتفاق بين الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) على إبعاد كل شيء خاص بالنزاع العربي "الإسرائيلي" قبل الانتخابات.
ولا ندري متى ستفيق أمريكا السياسة لتعتذر عن جرائمها ضد العرب في فلسطين والعراق والسودان؟.
نعم "ارجعي إلى بيتك يا أمريكا" حتى ينسى الناس السمعة السيئة التي صنعتها الإدارات الأمريكية السابقة، والتي تسببت بأعمالها الشيطانية والمتناقضة أن تفهم الشعوب بأن أمريكا ليس عندها إحساس بالعدالة، وأن حكوماتها تؤيد الظالم يقول الدكتور (فرانك ماريا) حين دعا إلى اجتماع لقادة مسيحيين أمريكيين من خلال موقعه كعضو في مجلس إدارة المجلس الوطني للكنائس بأمريكا حيث عقد مؤتمرًا ببوسطن، ووجهوا فيه نداء إلى الرئيس (جونسون) عام 1967 ليأمر "إسرائيل" بالانسحاب من الضفة وغزة والقدس العربية والجولان، ويعلق الدكتور (فرانك) قائلاً: "إن الانسحاب لم يحدث ولكننا على الأقل استطعنا أن نجعل بعض الأمريكيين يدركون أن هناك ظلمًا تؤيده حكومتنا الأمريكية، وتذكر (جريس هالسل) وهي السكرتير الصحفي للرئيس (جونسون) أنها حضرت موقفًا سأل فيه أحد الصهيونيين الإسرائيليين الرئيس (جونسون) الاعتراف بالمناطق العربية التي احتلتها "إسرائيل" عام 1967 بأنها جزء من "إسرائيل"، فرد عليه الرئيس (جونسون): "إنك تسألني عن الاعتراف بحدودك.. إنك لم تحدد حدود إسرائيل بعد".
نعم "ارجعي إلى بيتك يا أمريكا" فحرري متخذي القرار من خوفهم وعجزهم أمام ضغط إرهاب "إيباك"؛ حتى يستطيع متخذ القرار التمييز بين المصلحة القومية لأمريكا والمصلحة القومية "لإسرائيل"، وهذا ما صرح به النائب (بول فندلي) حين قال: "إن "إيباك" هي أكثر المجموعات الضاغطة نفوذًا ولديها المال والرجال والكثير من الأنصار، ومما يؤسفني عجز مخططي السياسة الأمريكيين بسبب نفوذ "إيباك" عن التمييز بين مصلحتنا القومية ومصلحة إسرائيل القومية".
نعم "ارجعي إلى بيتك يا أمريكا" وعالجي ما داخل بيتك من الانهيار، قبل فقدان العقل وعنده يبدأ الانتحار، والعاقل يحسن الاختيار.
-----------