د. حسن يوسف الشريف
انهيار وإفلاس أكبر البنوك الأمريكية، وارتفاع الأصوات المطالبة بسرعة إنقاذ قطاع السيارات قبل إفلاسه وانهياره، وظهور كابوس البطالة الناتج من إغلاق الكثير من الشركات والمصانع، وتخفيض عمالة البعض الآخر منها.. كل هذا إنما يمثل بداية التراجع للإمبراطورية الأمريكية، والتي أصيبت بداء غطرسة القوة، والذي أعماها عن ضرورة محاسبة نفسها، ومراجعة سياستها التي تتخبَّط فيها كالمجنون، وهذا هو بداية السقوط إلى الهاوية، وكان آخر ما كنا نتوقع ما جاء في التقرير الصادر أخيرًا عن الاستخبارات الأمريكية: "أن نفوذ أمريكا السياسي والاقتصادي سيتراجع خلال عقدين" (الجزيرة 21/11/2008م).

وانهيار الاقتصاد الأمريكي ليس سببه الوحيد موضوع العقارات الأمريكية وما شابه من أخطاء فنية اقتصادية، ولكن المشكلة أعمق من ذلك؛ فإن أخطاء السياسة الخارجية وإشعال حروب عالمية ليست لصالح الأمة الأمريكية بل لصالح الآخرين هي سبب رئيسي لانهيار الاقتصاد الأمريكي، والعلاج لهذا ليس هو بضخِّ مليارات الدولارات لإنعاش الاقتصاد الأمريكي وإنما الأمر يحتاج إلى خطة للإنقاذ الشامل.
ويجب على العقلاء في الشعب الأمريكي أن ينظموا صفَّهم ويقدحوا فكرهم؛ لوضع خطة لإصلاح الشأن الأمريكي، وهناك اقتراح لخطة وهي ليست من وضعنا، وإنما هي من وضع الوطنيين الأمريكيين، وهي مبنية على مرحلتين، الأولى التطهير والثانية التغيير، ولا بد من التطهير قبل التغيير لنجاح خطة الإصلاح وحركة التطهير؛ فهي تتجه إلى ما أطلق عليهم رجل المخابرات الأمريكية (جون بيتي) "القوى الشريرة"، وسماهم في مكان آخر "الخونة"، وهم من يطلق عليهم الآن "إيباك".
وحذَّر من مخاطرهم على الأمن القومي في المستقبل الكثيرُ من الأمريكيين، مثل المحامي الأمريكي (ألفريد ليلينتال) في كتابه "هكذا ضاع الشرق الأوسط"، وكان أول من وقف ضد هذه القوى الشريرة وزير الدفاع الأسبق (جيمس فورستال)، وخاصةً حينما حاولت هذه القوى استخدام أصواتها الانتخابية في التأثير على السياسة الخارجية لأمريكا، وبذل (فورستال) جهدًا مضنيًا لإقناع الأحزاب الأمريكية وخاصةً (الديمقراطي والجمهوري) بأن يمتنعوا عن مساومة هذه القوى من أجل الحصول على أصواتها، ولم يحالف النجاح (فورستال)؛ لأن هذه المنظمات الشريرة قامت بحملة مضادة لرأيه.
كما يكشف "ليلينتال" وهو يهودي صهيوني أمريكي، انشق عن الصهيونية بعد أن تبيَّن له أنهم قاموا بسرقة فلسطين، وأنشؤوا دولة يهودية عليها، وهي (إسرائيل)، وكتب يومها "راية إسرائيل ليست رايتي"، كشف هذا الرجل في عشرات من كتبه عن خطر هذه القوى الشريرة، رغم أنه كان واحدًا منهم، ثم حاربهم طوال حياته؛ حيث كشف عن مدى سيطرتهم على الإعلام، وضرب أمثلةً على نجاح المنظمة الصهيونية في أمريكا لإفهام وإقناع الرأي العام بالمنطق المعكوس.
يقول "ليلينتال": "فقبل أن يسرد الرئيس الأمريكي (ايزنهاور) أوجه الضغط التي ينوي بذلها لإلزام إسرائيل على احترام قرارات الأمم المتحدة الخاصة بغزة والعقبة، وذلك بعد عدوان إسرائيل على مصر عام 1956م، فقد خرج ائتلاف أمريكي سياسي قويّ يجمع الحزبين ليقف ضد مطلب (ايزنهاور) بضرورة احترام إسرائيل قرارات الأمم المتحدة"، ويعلق "ليلينتال" على هذا الموقف قائلاً: "ليس لهذا الخروج على الرئيس (ايزنهاور) رغم شعبيته من غير سند لهذا الخروج سوى ذلك المنطق المعكوس" (هكذا ضاع الشرق الأوسط).
وتصنِّف الكاتبة الأمريكية "جريس هالسل" مدى سيطرتهم على الرأي العام والسياسة الأمريكية، وأي انتقاد لسياسة إسرائيل، أو حتى ذكر كلمة فلسطين "هو أمر مساوٍ للعداء للسامية"، وتقول أيضًا: "إن هذا اللوبي يريد من كل مرشح أن يكون مائة بالمائة مع إسرائيل، وإلا فيجب إسقاطه"، ويقول "ألفريد ليلينتال" عن مدى الضغوط التي تمارسها هذا القوى لحجب الحقيقة عن الرأي العام وإرهابه: "نشرت صحيفة "نيويورك وورلد" خطابًا يطالب فيه راسله بتطبيق العدالة على اللاجئين العرب، وفي الأسبوع التالي وصلت للصحيفة تسعة خطابات ساخطة ترد على الخطاب الأول".
التطهير أولاً
ولقد ختم رجل المخابرات (جون بيتي) كتابه بفصل عنوانه "تستطيع أمريكا أن تتحرر"، قال فيه: "إن أكبر قوة تتحدى أمريكا هي القوى الشريرة التي تعمل داخلها.. والقضاء على هذه العناصر يخفف من خطر نشوب حرب عالمية"، ثم يقول: "والآن لنعد إلى الخطوات الأربع التي يجب أن تتخذها حكومتنا بالإضافة إلى المحافظة على سلامتنا المالية، وذلك في سبيل إنقاذ أمريكا.. إن هذه الخطوات يجب ألا تتخذ قبل تطهير الجهاز الحكومي".
وهكذا يؤكد (جون بيتي) على ضرورة إجراء التطهير أولاً، وهنا نذكر الخطوات التي يراها أساس تطهير الجهاز الحكومي من هذه القوى الشريرة، حيث قال: "أولاً: يجب أن نرفع ستار الرقابة الذي يعمل على تزييف الحقائق، ثانيًا: يجب أن نبتكر طريقة تحُول بين هذه الكتلة الدخيلة وبين ممارسة أي سلطان علينا، وتمنع هذه الأقلية من تشكيل المصالح القومية العامة أو سياستنا الخارجية، بأمور حيوية كالحرب، ثالثًا: يجب أن نطهر جهازنا الحكومي، فلا نخلصه فقط من الخونة فحسب، بل من جميع أولئك الذين كانوا بسياستهم الحمقاء الغبية أعداء لمصالح البلاد العليا".
هذه الخطوات اللازمة لتطهير الجهاز الحكومي، وخاصةً في وزارة الخارجية ومؤسسة الرئاسة، والذين يمنعون المعلومات الحيوية، ويمنعون الحقائق عن مؤسسة الرئاسة وعن مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية؛ مما جعل مؤسسة الرئاسة تتخذ قراراتٍ سياسيةً تتناقض مع المصالح الأمريكية، وتعرض الأمن القومي الأمريكي للخطر.
ويتفق مع ضرورة التطهير الكثير من الأمريكيين مثل "بول فندلي" و"ألفريد ليلينتال" وغيرهما، وحملة التطهير هذه ضروية حتى لا تستمر الإدارة الأمريكية في ارتكاب سياسات خاطئة تمثل خطرًا على أمنها واقتصادها، كما تسبَّبت هذا السياسات في وصول رصيد السياسة الخارجية إلى الصفر في مناطق كثيرة، وخاصةً الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، كما أن حملة التطهير ستعمل على إطلاق حرية الكلمة، وذلك بعدم سيطرة اللوبي الصهيوني على وسائل الإعلام، وعدم نشر الرعب في الجامعات والصحف ضد انتقاد السياسة الإسرائيلية، والاعتراف بحق الفلسطينيين في العودة على ديارهم، وحق تقرير المصير.
التغيير ثانيًا
إن نجاح أي إنسان في حياته يبدأ من مراجعة الذات ونقدها والنظر إلى الماضي لاكتشاف أخطائه وتصحيحها، وكذلك الحكومات والنظم. إن التخبط السياسي والعسكري والاقتصادي للإدارات الأمريكية جعل من أمريكا حملاً ثقيلاً على عالم الكرة الأرضية، يوضح ذلك مضمون العنوان للمقال الذي كتبه المؤرخ الأمريكي المعروف "بول كيندي" الأستاذ بجامعة (بيل كان) عنوانه: "لماذا تبدو وطئتنا ثقيلة على الكرة الأرضية؟"، ونشر في صحيفة (الشرق الأوسط) (28/2/2002)، وهذه الانتقادات تردَّدت في كتابات عدة فهذا "وليان فاف" الذي كتب في (لوس أنجيليس تايمز) (14/8/2002) يقول: "إن "الهواة" الذين يقرِّرون سياسات الحكومة الأمريكية يتصورون أن من حق الإدارة الأمريكية أن تفعل أي شيء تريده، ويعتبرون ذلك أمرًا مسلَّمًا به ومبرَّرًا، كما أن الحكومة تُصرُّ وبشكل مستمر على إعفاء نفسها من الالتزام بالقانون الدولي، وظلت ترفض القيود التي تفرضها الاتفاقيات الدولية التي وقعتها الحكومات الأمريكية السابقة، وهي تطلب اليوم أن تُعفَى من بعض القيود الدستورية" (صحيفة (الأهرام) المصرية 10/9/2002).
إن أي مراجعة ولو سريعة لمجمل السياسة الأمريكية الدبلوماسية والعسكرية تريك أن أمريكا- التي تدعي أنها الضحية البريئة للإرهاب وأنها تحارب الإرهاب- أنها هي أكبر دولة إرهابية في العام؛ ففي يناير 2002 صدر في فرنسا وباللغة الفرنسية كتاب للعالم الأمريكي "ناعوم تشومسكي" عنوانه "11/9 تشريح الإرهاب"، قال فيه: "إذا تم تحديد المعنى الصحيح للإرهاب فإنه سيجعل أمريكا وكذلك حلفاءها على رأس الدول الإرهابية في العالم"، وفي كتابه "ماذا يريد العم سام؟" قال "تشومسكي": "أعتقد أنه يوجد من الأدلة القانونية ما يكفي لإثبات أن حكام أمريكا مجرمو حرب أو على الأقل متورطون في جرائم حرب".
إنه لا بد من تغيير الصورة السيئة لأمريكا، فكراهية الشعوب لأمريكا وحتى جيرانها في أمريكا الجنوبية هو أمرٌ معروفٌ عند الجميع، فاستخدامها للقمع والإرهاب وتأييدها للحكومات الاستبدادية الدكتاتورية لا يخفى، وليس العالم الثالث أو الثاني هو الذي يلمس ذلك بل حتى العالم الأول، فهذا هو المفكر الفرنسي "روجيه جارودي" يصف أمريكا بأنها تقود العالم نحو الانتحار، والذي يطلع على كتابه "أمريكا طليعة الانحطاط" يعرف الكثير، كما أن عميد الاستشراق الفرنسي "جاك بيرك" حينما سُئل عن رأيه في النظام العالمي الجديد قال: "حتى هذه اللحظة فإن النظام العالمي الجديد الذي تقوده أمريكا إنما يعني انتشار الهيمنة الأمريكية منذ أزمة الخليج، وأمريكا تعمل على الإقلال من دور أوروبا وفرنسا ومجلس الأمن والأمم المتحدة"" ".
وأهم النقاط التي تحتاج إلى تغيير:
1-التخلي عن "سياسة البحث عن عدو"، يقول رجل المخابرات الأمريكية: "من الملاحظ في السياسة الخارجية للولايات المتحدة أنها منذ عام 1919 فإنها لا تدع مكانًا خاليًا تشغله دولة معادية" (الأهالي المصرية 1/1/1992).
إن حب الحروب والانتقام وسفك الدماء وعبادة القوة هي الثمار الخبيثة للإستراتيجية الأمريكية التي تقوم على "سياسة البحث عن عدو"؛ مما جعلها تخوض عشرات المعارك التي كلفتها الكثير من الدماء والأموال في حروب ضد دول مثل فيتنام وليبيا والسودان ونيكارجوا وسوريا وكوريا وكوبا، ومن قبل تدمير ألمانيا وضرب اليابان بالقنابل النووية للمدن المزدحمة بالمدنيين، "فسياسة البحث عن عدو" دمار لأمريكا.
2- التخلي عن أكبر صفة سيئة في الأفراد والحكومات، وهي "عدم الإحساس بالعدالة والرحمة"؛ فالسياسة الأمريكية مشبَّعة "بثقافة العدوان"، لذلك تتصف بعدم الإحساس بالعدالة كما تتصف بعدم الرحمة؛ فأمريكا تستعبد دول أمريكا الجنوبية وتعذبهم تحت شعار "الحرية"، مثلما يتحلى حليفها الإستراتيجي "إسرائيل" في حربها واحتلالها وتدميرها لبعض الشعوب العربية باسم "الدفاع عن النفس" (الستار الحديدي، ص 35).
لقد تكلم الكثير من الأمريكيين مفكرين ورجال دين عن عروبة القدس وأنها العاصمة الدينية للعرب، مثل "ألفريد ليلينتال" و"جون بيتي" و"جريس هالسل" و"القس فرانسيس ساير" رئيس الكاتدرائية الوطنية بواشنطن، ورغم ذلك فإن الإدارة الأمريكية استغلت "الفيتو" ضد الحقوق العربية والفلسطينية في مجلس الأمن عشرات المرات، ومنها فيتو 1973 ضد إدانة إسرائيل لاحتلالها الأرض العربية عام 1967، وفيتو 1976 ضد إدانة القرار الإسرائيلي الخاص بتغيير الوضع القانوني للقدس العربية.
كثير من الأمريكيين أعلنوا أن من حق العرب أن يقتنعوا بأن الغرب عمومًا وأمريكا خصوصًا ليس عندها شعور بالعدالة، مثل "كرميت روزفلت" حفيد الرئيس الأمريكي "روزفلت" وهو أستاذ للتاريخ بجامعة هارفارد سابقًا في تقريره إلى وزارة الخارجية الأمريكية بعنوان "فلسطين ملك العرب"، وصرَّح أيضًا رجل المخابرات "جون بيتي" فقال تعليقًا على محاكمات مجرمي الحرب التي أقامتها أمريكا لليابانيين: "لقد كانت هذه المحاكمات نقطةً سوداء في التاريخ الأمريكي، فقد حاكمنا مرؤوسين نفَّذوا أوامر صدرت إليهم من رؤسائهم، وهذه المحاكمة تخالف روح الدستور الأمريكي، وكان من نتيجة ذلك أن شعر الألمان كما شعر العرب حين أنشئت إسرائيل أن حكومتنا الأمريكية ليس عندها إحساس بالعدالة".. فكيف لا يجر ذلك كراهية كل الشعوب لأمريكا؟!.
3- التخلي عن أن تكون السياسة مطيةً لتحقيق مصالح رجال المال ورجال الأعمال، وراجع ما كتبه البروفيسور الأمريكي "هربرت شيللر" في كتابه (المتلاعبون بالعقول): "وما أطلقه البعض على السياسة الخارجية الأمريكية بأنها الدبلوماسية المبنية على الأساس المادي، فالقوات العسكرية للدول ليست وظيفتها حفظ الشركات العابرة للقارات حول العام، إنما وظيفتها حفظ أمن الوطن".
4- كما يجب التراجع عن خطأ ربط النزاع العربي الإسرائيلي بالسياسة الداخلية الأمريكية، وخاصةً عند كل انتخابات، وهذه هي كبرى أخطاء السياسة الأمريكية والتي تحتاج إلى ضرورة التصحيح، وهي التي علَّق عليها بعض المنصفين الأمريكيين قائلاً: "إنها مسألة ضرورة وليست مسألة عدالة فحسب".
وهو- إن شاء الله- مقالنا القادم.
-------------