وقعت المحرقة الصهيونية على غزة يوم السبت 27/12/2008م وطالت في اليوم الأول لها مئات من الشهداء والجرحى، وبدت عنوانًا لهجمة بربرية- لم يسبق لها مثيل- على الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة.
في صباح يوم الأحد 28/12/2008م، وبينما كان رئيس مجلس الشعب المصري يريد الاكتفاء بإلقاء بيانٍ عن العدوان من رئيس لجنة الشئون العربية تعقبه تعليقات محدودة تدين العدوان وتلقي باللوم على المقاومة وكأنها هي السبب في العدوان.. أصرَّ النواب (من الإخوان والمستقلين) على تعديل جدول أعمال المجلس وتخصيص الجلسات لمناقشة العدوان على غزة، وتحديدًا موقف الحكومة المصرية منه.
وبدأ حديث النواب متهمًا وزير الخارجية المصري الذي وقف صامتًا وهو يستمع يوم الخميس 25/12/2008م إلى وزيرة الكيان الصهيوني في القاهرة وهي تعلن الحرب على غزة (الأوضاع في غزة ستتغير... كفى.. كفى..)، رفضت الأغلبية اتهام المعارضة للحكومة فقلنا إن لم تكن الحكومة راضية بما حدث فلماذا يستمر تدفق الغاز الصهيوني لآلةِ الحرب الصهيونية؟ ولماذا تصر الحكومة على إغلاق معبر رفح؟ ولماذا لا تسحب الحكومة سفيرها وتطرد السفير الصهيوني؟ ولماذا اعتقلت السلطات مسئولَ الإغاثة باتحاد الأطباء العرب؟ ولماذا.. ولماذا؟.. وبدلاً من أن يقرر المجلس بأنه في حالة انعقاد دائم لحين توقف العدوان قرر السيد رئيس المجلس بأن الجلسات مرفوعة (بل وألغى جدول أعمال يوم الإثنين 29 ديسمبر)، ولم ينعقد المجلس إلا يوم الأحد 10 يناير- بعد مرور 14 يومًا على بدء العدوان-!!.
ازدادت الوحشية الصهيونية على الشعب الفلسطيني الأعزل، ولم تنعقد قمة عربية ولم تستجب الحكومة لأي من طلبات النواب بل بدا واضحًا أن القاهرة وحدها غير المسموح لها بالتظاهر من أجل غزة دون باقي مدن العالم (التي خرجت لدعم غزة ومناصرتها في كل عواصم الدنيا)، بل رفضت السلطات الأمنية الإذن بمظاهرة في إستاد القاهرة ومنعت إقامة ندوة بنقابة الأطباء وقمعت المظاهرات في شوارع القاهرة واعتقلت المئات، واستمرَّ إغلاق معبر رفح واكتفت السلطات بتصوير الكاميرات لعشرات من الجرحى (من بين آلاف الجرحى) ولبعض المساعدات الطبية (في حين منعت الوفود الطبية والمساعدات الإنسانية الغذائية).
وانعقدت جلسة المجلس صباح السبت 10 يناير 2009م، وكان النواب في حالة احتقان شديد (كباقي الإنسانية في العالم)، وكان مطلوبًا أن يأتي وزير الخارجية ليجيب على أسئلة النواب فيما يتعلق بالموقف المصري الرسمي (الذي بدا أمام العالم وكأنه مؤيد للعدوان أو على أقل تقدير على مسافة متساوية بين الضحية والجاني)، وكانوا في انتظار وزير الداخلية ليجيب لماذا تُقمع المظاهرات ويُعتقل المتظاهرون ولمصلحة مَن؟ ففوجئوا بمجيء وزير الصحة الذي وقف يتحدث عن استعدادات المستشفيات وعن دخول العشرات من الجرحى (من بين الآلاف التي مُنعت من الدخول)؛ الأمر الذي أثار ثائرة النواب فوقفوا يوجهون للحكومة الاتهامات ويحتجون على الموقف المصري الرسمي ففوجئوا بـ د. سرور يُعطي لهم دروسًا في الوطنية (وكأنها في مفهومه تعني التخلي عن الواجب الرقابي للحكومة ومساءلتها والاكتفاء ببيانات الشكر والتقدير لها)، ثم فوجئنا بالنائب حسن نشأت القصاص الذي وقف يتهم المعارضة كلها بالعمالة والخيانة واللاوطنية؛ مما أثار حفيظة النواب جميعًا الذين وقفوا يهتفون داخل القاعة ردًّا على القصاص وأمثاله (تسقط.. تسقط إسرائيل ويسقط معها كل عميل)، واستشاط النائب أشرف بدر الدين غضبًا من المواقف المخزية للحكومة المصرية ومما رآه بعينه من أداء محل اتهام على معبر رفح ثم لموقف النائب القصاص؛ مما أخرجه عن صوابه فرفع حذاءه في مقابلة عبارات هي أشد قسوةً وأكثر ألمًا وطالت جميع المعارضة.
فوجئنا برئيس المجلس يُحيل النائب أشرف بدر الدين إلى لجنة القيم، ولما توجهتُ إليه أسأله كيف يحيل رد الفعل (أشرف بدر الدين) ولا يُحيل الفعل (نشأت القصاص) إلى لجنة القيم، فكانت المفاجأة لنا بإعلان قرارين:
1- إحالتي أنا أيضًا للجنة القيم بسبب أنه رآني في إحدى الفضائيات العربية انتقد أداء الحكومة المصرية ومواقفها من أحداث غزة. (وهذا من وجهة نظره إساءة إلى مصر).
2- أنه شطب ما قاله نشأت القصاص من كلام (ذكر أنه غير لائق ولا يصح في حق المعارضة المصرية) من المضبطة، أي عفا عن النائب القصاص، بل وحذف جسم الجريمة حتى لا يعد محل اتهام.
قدَّم النوابُ مذكرةً لرئيس المجلس يطلبون فيها إحالة القصاص للجنة القيم ويسألون رئيس المجلس عما ما تم من تحقيق مع النائب اللواء محمد عبد الفتاح عمر الذي تطاول بالسب والقذف على زملائه (في اجتماع اللجنة المشتركة للعلاقات الخارجية والشئون العربية والدفاع والأمن القومي) فلم يجب.. وبالمناسبة لم نتلق ردًّا من رئيس المجلس حتى الآن على هذه المذكرة.
انعقدت لجنة القيم في 27 يناير وتم تفريغ شريط فيديو تسجيلات وقائع جلسة 10 يناير وفوجئ الجميع بالشريط يثبت سباب بأقذر الألفاظ من النائب نشأت القصاص (يا أولاد الكلب ... يا حمير... يا ابن... الكلب)، وهو ما لم تعلق عليه اللجنة ولم تُثبته في تقريرها، بل لم تثبته مضبطة المجلس الرسمية.
رغم أن العالم كله سمع بإحالة النائب أشرف بدر الدين إلى لجنة القيم، وهو الإجراء الذي تم وفق نصوص اللائحة، والذي تتراوح العقوبة في حالة الإدانة بين (اللوم- الحرمان من المشاركة في الوفود البرلمانية- الحرمان من عدد من الجلسات لا يتجاوز 10 جلسات)، فوجئنا بتغيير في مسار التحقيق، وأن لجنة القيم تكتفي بوضع التقرير، وأن القرار ليس للجنة التي لا تملك عقوبة أكثر مما ذكره، لكن القرار سيكون للمجلس الذي هو (لا حدَّ للعقوبة التي يحددها- سيد قراره- ديكتاتورية الأغلبية).
في جلسة المجلس صباح (الإثنين 10/2/2009م)، جاء التقرير قبل الجلسة بدقائق، وفوجئنا بتقرير اللجنة (الذي أعده النائب المستشار محمد الدكروري) يقطع بأن النائب لوح بحذائه مهددًا للأغلبية؛ مما يجعل الفعل مخالفة جسيمة تستوجب العقوبة، ولكن اللجنة تترك الأمر بين يدي المجلس (في يدٍ أمينة؟؟)، فتقدَّم النائبان أحمد أبو عقرب وأحمد الصاوي باقتراح إسقاط العضوية عن النائب أشرف بدر الدين للإخلال الجسيم، وتقدَّم النائب عبد الأحد جمال الدين باقتراح الحرمان من أعمال المجلس حتى نهاية دور الانعقاد بسبب الاعتداء الجسيم على هيبة المجلس وحفاظًا على كرامته, وصوتت الأغلبية لصالح اقتراح رئيس الأغلبية (الذي علَّمنا من الصحف أنه كان اقتراح السيد صفوت الشريف مقابل الاقتراح الأول، والذي كان من ورائه النائب أحمد عز).
سألني أحد المسئولين في المجلس عن رأيي فيما حدث في الجلسة فقلت له (يحيا العدل)، وهي قصة عصابة اللصوص وقطاع الطرق الذين كانوا يختطفون الضحية ثم يحكمون عليه بالقتل ومصادرة كامل أمواله ثم يقولون له يحق لك الاستئناف أمام رئيس العصابة، والذي يقوم بإلغاء عقوبة القتل ويكتفي بمصادرة كامل المال فيخرج الضحية مهللاً (يحيا العدل).
بالمناسبة لماذا لم نسمع حديثًا عن كرامة المجلس حين اعُتدي على نواب المجلس من قِبل رجال الشرطة في مناسبات عدة وحين مُنع نواب المجلس وحُوصروا مرات داخل القاهرة وعلى بوابة الإسماعيلية وعلى بوابة رفح؟ بل لماذا لم نرَ هذه الانتفاضة في الدفاع عن كرامة المجلس حينما أدانت لجنة القيم- ذاتها هذه- نائب الحزب الوطني حيدر بغداداي في جريمة ثابتة من خلال ال (سي دي) الذي اطلعت عليه اللجنة وشاهدت فيه النائب في مشاهد مخلة ومنافية للآداب والشرف والمروءة ليس فقط في شقة خاصة، بل أيضًا في مكان عام، ومع هذا اكتفت اللجنة بعقوبة اللوم و(العتاب) ووافقها المجلس على ذلك.
الأغلبية هذه هي نفسها التي قررت- منذ شهور قليلة- انتقاء النائب مختار البيه من بين عشرات التقارير القضائية التي أيَّدت بطلان الانتخابات في الدوائر المختلفة، بل ودون الالتفات لتقارير التزوير الرسمية التي قدَّمها نادي قضاة مصر، وقامت الأغلبية بإسقاط عضوية مختار البيه (ليس من أجل فتح الدائرة لانتخابات جديدة بل لمجيء أحد القيادات الأمنية مباشرةً للمجلس بدلاً منه؟!).
الأغلبية إذًا أصبحت سيفًا مصلتًا على الجماهير، وتملك حرمان الدوائر من الأعضاء المنتخبين سواء بصفة نهائية أو لعدة شهور.
والجدير بالذكر أن هذه الأغلبية لم تنتخبها الجماهير كأعضاء في الحزب الوطني الديمقراطي، ولكنهم انتخبوا كمستقلين ثم انضموا بعد ذلك للحزب ليشكلوا أغلبيته التصويتية، والجدير بالذكر أيضًا أن السيد النائب محمد الدكروري (الذي كتب التقرير إياه) والسيدة النائبة الدكتورة زينب رضوان (رئيسة لجنة القيم) ليسوا نوابًا منتخبين من الشعب بل جاءوا بالتعيين المباشر من السيد رئيس الجمهورية.
أخيرًا..
القضية ليست حذاء أشرف بدرالدين ولا عقوبة أشرف بدر الدين- وإن كان المجلس قد حُرم من أدائه المتميز، وخاصةً في اللجنة الاقتصادية ولجنة الخطة والموازنة (التي كم تمنى رئيسها النائب أحمد عز تغييب أشرف بدر الدين عنها)- ولكن القضية الأصلية هي الجريمة التي حاولوا إشغالنا عنها بحكاية حذاء أشرف بدر الدين وهي جريمة الحكومة المصرية في حقِّ الشعب الفلسطيني أثناء وقوع العدوان الصهيوني عليه، والتي ستقف الأجيال أمامها طويلاً تذكر هذا الجيل، وهذه الحكومة كما ذكرت أجيال وممالك باعت فلسطين قديمًا للصليبيين والتتار.